براري الذاكرة


 

مهلاً .. مهلا ..
بصوت يتنفس ألماً .. ويعلو أملاً ..
رَدّدَتها ..
و كأنها تخاطب روحاً من لحم ودم ..
ترفق أيها القطار .. وانتظرني .. خفف سرعتك و احملني معك .. مالها عجلاتك تلهث هاربة من لسع السكك لها .. أكاد أشم رائحة احتراق الزمن والأرواح المسافرة عبرها .. خذني معك .. اُعْبر ثقوب ذاكرتي وعُد بي هناك ..
لربيع وارف في الحياة كان … حيث الريح تعزف على أغصان الحياة من العشق والشغف سمفونيات .. توقظ بها أمال العصافير و الفراشات … وتجلجل على مباسم الطفولة ضحكات .. تغسل بها حزن النهارات ..
لطفلة تعدو خلف خيوط الشمس .. تغزل من الفرح والدفء بها شالات .. تدرأ بها وجع اللحظات .. من دون خشية أن تحرقها … وتنسج الأحلام .. عناقيد من نور .. تكاد تُثّمل الحالم وتسيل رضاب التوليب إن تذوقها .. تجول كما الضوء حين يتسلل بين الثغرات ..
تتلو على حوافها صلوات الطفولة النقية ..
أعدني لأقراني نلهو هناك .. لسور الحديقة المجاورة و أشجارها .. تئن أغصانها من عبث أيدينا ..
لبائع الحلوى الجوال .. وصوت عمتي ينهرني عن حلواه .. رغم علمها أن مروره كرنفال سعادة في القلوب يصنع …
أعدني لطفلة فوق ضفائرها تفتّح البنفسج .. يروق لها أن تلقيها خلف ظهرها ..
مهرولة جذلى في الطرقات .. تسابق ريح الخريف إن هلت وتضحك طويلاً حين يغرقها من الربيع مزنات ..
طفلة لاتضع مسافة بين الحلم والمحال … تهيم في براري الأمنيات .. كل الألوان في ذاكرتها هي لون الورد ..
اليوم … أرى كل اللون أزرق .. ربما لأنه لون السماء التي تخبرني بأن العالم لاحدود له … وأن الأرواح خلقت لتكون طليقة … و أن القيد يكسر أجنحتها ..
أو ربما لأنه لون البحر … الذي يخبرني بأن الألم يبقى عميقٌ جداً في حقيقته وفي أرواحنا مهما ادعينا أنّا تجاوزناه .. ومهما طفت فوقه أمواج ثرية .. تغرق اللحظة حتى حدود النجاة .. في عمقه قلائد جمان .. من أمنيات و حصى ملونة من خيبات ..
أو خذني لتلك الصبية اليافعة .. التي تقضي ليلها وهي تكثر إلى النجوم النظر ..ترقب القمر .. تدين له بالسحر وتتساءل .. ترى تحت أي نجمة من تلك يقبع العشق الذي تنتظر .. ؟؟
و تقسم بالقمر أنها تتوق للقائه وإن بعد عمر ..
وترسم الكثير من الوجوه المبهمة التي لاملامح لها أو صور ..
وتتلاشى في دوائر مبهمة من المشاعر لاتعلم لها عدد .. في لحظة انعتاق للروح من كينونة الجسد …
رفقاً أيها القطار .. انتظر ..
خذني لزمن قد مضى و فات ..
قد أوجعني حاضري و فاض ..
” ألقت في عمق روحي وفي أحضاني كل ذلك ..
وغادرت ..
وكأنها تلك الطفلة ..
وكأنني ذاك القطار .. “

لا تعليقات

اترك رد