هشاشة سوق الفن


 

“الجديد هو أن الفن ليس فقط بضاعة ولكنه اليوم أصبح يتقمص عمدا صفته تلك”. ( أدورنو)

إذا كان العمل الفني يلعب دورا اقتصاديا كعامل تجاري مربح (أو مفلس)، فهل تتوفر، إذا البنيات التحتية المساعدة واللازمة لترويجه ورواجه؟ هل لدينا سوق للفن حقيقية، قائمة بذاتها؟ وإلى أي حد يوائم العرضُ الطلبَ، أي ما مدى ملاءمة الأعمال الفنية التي تكاثرت إلى درجة الثخمة مع احتياجات المقتني لإشباع رغباته الجمالية وإرواء جشع البعض من أصحاب الأموال الذين أثخنوا في الثراء.

أسئلة تطرح نفسها من بين غيرها من التساؤلات الملحة والمتعلقة بعلاقة الإبداع التشكيلي بالسوق التجارية.

نتناول هذا الموضوع بشيء من الاقتضاب وبدافع من الحركة والدينامية التي عرفتهما بلادنا خاصة والعالم العربي عامة، في ميدان الفنون التشكيلية. ونذكر هنا أننا حينما نتحدث عن الفنون التشكيلية نقصد اللوحة دون غيرها، لأن الحركة التجارية (العروض والمبيعات والمزادات والتحايل) كلها تدور حول اللوحة، وحتى العمليات الاحتيالية التي تؤدي إلى السرقة والنسخ والتزوير والانتحال تقتصر كلها على اللوحات الفنية. فسوق الفن المغربي، كما صرح بذلك رئيس الشركة المغربية للأعمال والتحف الفنية، هشام الداودي، بالرغم من كثرة الأعمال، “يعاني من عدة معيقات، من بينها انحصار السوق نفسه، وضعف الحضور، ونقص الخبرة ،و كثرة الأعمال المزيفة ، مؤكدا “أننا بلغنا مرحلة كاريكاتورية حيث انتشر المزورون بشكل كبير في كل مكان والأعمال المزيفة تجاوزت الحدود إلى الخارج” . والحالة هذه، لا يمكننا الحديث عن أجناس إبداعية أخرى كالنحت أو الحفر أو السيريغرافيا و علاقتها بالسوق نظرا لانعدامها كممارسات فنية تسيل لعاب المتهافتين من المشترين.

لقد تمخضت عن هذه الحركة نشاطات واسعة النطاق على المستوى المؤسساتي، إذ لأول مرة يطرح مشروع قانون تنظيمي خاص بالفنانين التشكيليين “المحترفين”، تمت مناقشته خلال اليوم الدراسي الذي نظمته وزارة الثقافة المغربية في أواخر يونيو 1991، زيادة على المقتنيات الكبيرة العدد للأعمال الفنية التي تمت من طرف مؤسسات حكومية وغير حكومية (مؤسسة أونا، المكتب الشريف للفوسفاط، البرلمان الأبناك ، وزارة الثقافة…)

لا يمكننا أن ندعي وجود سوق للفن بالمغرب، على غرار ما هو موجود في الغرب أو في الخليج العربي.

فتواجد سوق للفن يتطلب توفر بنيات تحتية ضرورية، أساسياتها متجذرة في ذهنية الفرد والجماعة، مسايرة لركب الحضارة التي ينمو فيها الفن. فأوروبا قبل أن تعرف سوق المزايدات، مرت بمراحل اقتصادية هامة، على مستوى الفنون، منها المعارض الكبرى والصالونات والمقتنيات الفردية الواسعة التي لا يكتفي أصحابها بالمنتوجات المحلية فقط، بل يغامرون في شراء المنتوج الأجنبي، وهذا شيء أساسي وضروري لإبراز منافسة ثقافية.

إذا حاولنا أن نرصد مختلف فعاليات المجال التجاري في الفنون التشكيلية، فإن أول ما يثير انتباهنا هو عدم وجود رابطة توحد الفنانين في شكل هيئة أونقابة تحميهم وإنتاجاتهم من المضاربين والانتهازيين، تدافع عن حقوقهم وتسهر على حياتهم الفنية، وعلى الجوانب القانونية المتعلقة بالإبداع والإنتاج الفنيين، فما نلاحظه هو غياب هيآت جادة وديمقراطية تتسم بالشفافية والتجرد من الأنا (الليدرشيب)، وتحمل حقيقة هم الفن والفنانين، وتكون مؤَطرة فكريا، تعتمد أرضية ملؤها الوعي والإحساس بالمسؤولية. فالهيآت التي تغمر المشهد الفني، من جمعيات ونقابات واتحادات، كلها لم تنجح في قطع أشواط كبيرة بمشروعها الثقافي/الفني، لأنها مافتئت تتأرجح بين السبات واليقظة، ومشارعها الثقافية/الفنية جد محدودة الفعالية في الزمان والمكان، إن لم تكن غائبة تماما. فالكثير من التجمعات تشتغل دون رؤى واضحة، مما يجعل نجمها يأفل قبل أن يتأجج نوره. وكم من جمعية ونقابة لم نعد نسمع لها إلا الاسم، وأتمثل هنا بالجمعية المغربية للفنون التشكيلية التي أُقبِرت أنشطتُها مع دق آخر مسمار في نعش مشروع الحداثة الفنية التي كانت

الجمعية تحمل مشعلها. كما أتذكر الجمعية الوطنية للفنون التشكيلية التي تطلع علينا من حين لآخر بمعارض/صالونات تلم شتات الصالح والطالح، وغالبا مايكون الخاسر في العملية هو الفنان نفسه. وكم استفحلت أعداد الصالونات للفن المعاصر في غياب قامات سامقة معاصرة…

بصفة عامة يؤدي غياب النيات الصادقة والبنيات التحتية (متاحف وأروقة ومعاهد عليا مفتوحة وشاملة وسوق للمواد الأولية والخامات الأساسية، متحررة من الرسوم الجمركية) إلى تقليص مستوى الإنتاج الجاد وإبراز المواهب الواعدة.

حضرت الصالونات وغابت الأروقة!

على ذكر الأروقة، يجب التأكيد على أن الرواقين اللذين لعبا بجد دورا كبيرا في التعريف بالحركة التشكيلية المغربية وفنانيها، وأرسيا أسس تاريخها، هما رواق لا توليي بالرباط ورواق نظر بالدارالبيضاء، وما جاء بعدهما كان الجانب المركانتلي همه الوحيد والأساسي، مع تغييب شبه شامل للاكتشاف والتشجيع والنهوض بالمواهب الشابة. فتجد الرواق إما يعرض أسماء معروفة، أصبحت كلاسيكية وأعمالها مستهلكة، من جيل الستينات ومابعدها، أو يعرض أسماء تحمل صكوك الاعتراف من دور فرنسية. بعض هؤلاء تألقت أسماؤهم في مزادات خليجية، “لكن مالم يكتشفه الفنانون، أن المزادات ليست سوقاً حقيقية للفن. ذلك لأنها سوق تخضع لمزاج مَن يحضر ولرغبته في المنافسة والتباهي والاستيلاء ومقارعة الخصوم. الأسعار لن تكون حقيقية” (فاروق يوسف)، بل وهمية ومغرية، تخدع الفنان حتى يظن نفسه تألق في بورصة القيم، وأصبحت له كوطة تتحدد بها أثمان مبيعاته، فتجده يُرَقِّم لوحاته بملايين الدراهم كلما حل وارتحل.

إن جل المتأخرين من أصحاب الأروقة تعاملوا مع فنانين محليين عديدين لكنهم لم يعرفوا بهم كما هي أخلاقيات المهنة، فبقيت إنتاجات أولئك الفنانين سجينة الرفوف والمخازن وأسماؤهم تتنقل من مهرجان إلى آخر ومن جمعية إقليمية إلى أخرى، يبحثون بيأس عن ذواتهم من جديد، دون أي صدى يذكر، وهذا ما غيب عددا من الأسماء برزت خلال الثلاثة عقود الأخيرة من القرن الماضي. وأنا مع فاروق يوسف حين يرى أن ” ذلك اليأس سيحاصر الرسامين والنحاتين العرب ليؤدي بعدد كبير منهم إلى الاستسلام. إما أن يكفوا نهائيا عن الفن بالمعنى الانتحاري أو أن ينخرطوا في الأعمال اليدوية التي صارت تسمى فنا وهو انتحار من نوع آخر. الأقلية النبيلة ستقاوم وهي على يقين من أن سلوكها العدمي سينقذ الفن في لحظة رجاء تاريخي”.

كما لاننسى أن السعي وراء المال والربح المادي ساعد على نشر الرداءة التي نعيشها اليوم وتعميم الأعمال “المشابهة ل”.

لقد أشرنا في البداية إلى الحركة الدائبة التي تميز بها ميدان الفنون التشكيلية على مستوى الإنتاج، وهذه من الأشياء الملموسة التي يمكن لأي أحد أن يلاحظها، حيث تزايد عدد الرسامين والمصورين les peintres ، على حساب الإبداع، ونشطت المعارض بشكل مثير، وهذا لا يعني وجود الجدة والأصالة في الإبداع. ”

ماموقع النقد من كل هذا؟

يبقى النقد غير مرض وغير مساير لزخم الإنتاجات الفنية، وبعضه مجامل.

تتفق جميع الكتابات الصحفية – ولاحرج في التعميم – والتدخلات التي يقوم بها المتتبعون للحركة التشكيلية ببلادنا، وكذلك الممارسون لها، على غياب حركة نقدية مسايرة للإنتاجات الفنيةالتشكيلية، مدعومة بإمكانات الطبع والنشر والتوزيع.

وهنا نتساءل فيما إذا كان غياب حركة نقدية يدلعلى غياب الناقد؟

إن جامعاتنا لا تكون نقادا للفن. فليس هناك شعبة أو مادة لتدريس النقد الفني، وحتى الأدبي منه، يتنافس الطلبة ويتزاحمون على كراسيها. ومما لاشك فيه أن العديد من الطلبة أصبحت لديهم ميولات فنية ويحبذون لو تمكنوا من متابعة دراساتهم في الجمالية وفلسفة الفن والنقد الفني وقراءة الصورة. والشاهد على ماأقول، تنامي أعداد الرسائل والبحوث الجامعية المهتمة بمواضيع الفنون البصرية.

لا شك أن في المغرب، كما في غيره من البلدان العربية كفاءات فنية عالية، وأن الميدان الثقافي والفكري لا يخلو من مبدعي أفكار، إلا أن بلورة هذه الأفكار وإيصالها إلى الجمهور يبقى أمرا مستعصيا نظرا لعدم توفر الإمكانيات المادية للتواصل: الكتاب المتخصص والمجلة المتخصصةوالناقد المتخصص…”إن الإشكالية تبدأ من نقص المدارس ومعاهد التكوين لكون المغرب لا يتوفر إلا على معهدين مقابل 59 معهدا في فرنسا على سبيل المثال، وضعف مصاحبة طلبة الفن في الولوج كما في التخرج، وإهمال أصحاب الأروقة المشاركة في الملتقيات والمعارض الدولية، وعدم اهتمام الزبناء المؤسساتيين بسوق الفن، ونقص الخبراء والمتعهدين والمتخصصين، وعدم اكتراث وسائل الإعلام للشأن الفني”. (هشام الداودي)

هذه العوامل وما يرتبط بها من متطلبات، تبقى ضرورية لإرساء سوق فنية. وأعتقد أننا ما زلنا فيبداية الطريق، إلا أن هذا ليس معناه أن التشكيل المغربي مازال قاصرا، ولكن يلاحظ أن الإطار العام الذي يتموضع فيه الفن في المغرب يحتاج دائما إلى مزيد من البناء والعمل الجدي الفعال والهادف، حتى تتجدر ممارساته في الحياة الثقافية والاجتماعية والاقتصادية للأفراد. ورغمكون ميدان الفنون التشكيلية حظي في السنوات الأخيرة باهتمام متزايد من بعض القطاعات الاقتصادية، إلا أن ذلك يبقى غير كاف لازدهاره وتطويره. إن العمل الفني المحلي مطلوب منه أن يخضع لمنافسة خارجية ليثبت ذاته، وليحقق هذا الهدف عليه أن يكون أهلا للمنافسة وقادرا على تحقيق التنافس ليجد نفسه في قائمة الأعمال العالمية الخالدة.

إن الفن في الدول المتقدمة يتخذ مكانته داخل الاقتصاد العالمي حيث يرتبط الإنتاج بالاستهلاك ارتباطا وثيقا. فامتهان الفن حرفة معترف بها قانونيا مما يجعل قيمة العمل الفني النقدية (من النقود) تخضع بدورها وتساير عمليتي العرض والطلب متأثرة في ذلك بعوامل اقتصادية وماليةكالعملة الصعبة وبورصة القيم وسبائك الذهب وثمن البريل من النفط…

وهنا نتساءل: ما قيمة التشكيل المغربي عند الذين يتحكمون في برصة القيم؟

يظهر أن تطوير السوق الفنية وإغنائها لا يكتفي فقط بالجوانب الاقتصادية والمالية بل إن للجانب السياسي والإيديولوجي دورا كبيرا في ذلك. فالسوق التجارية لا تعتمد على الجودة والإتقان في المنتوج كمعيار للنجاح، ولكنها رهاناتها غالبا ما تعمد إلى الصدفة والمغامرة. وقليلون أولئك الذين يستثمرون أمولهم من أجل ربح غير مضمون. فجلهم حينما يقتنون الأعمال الفنية فإما بدافع من الصداقة التي تربطهم بالفنان أو من أجل العطف عليه ومساعدته على البقاء على قيد الحياة، لأنه هو ذلك الشخص الذي يجب مساعدته ومد يد المعونة إليه. وهذه تجارب عشتها شخصيا.

فأصحاب رؤوس الأموال لا يقبلون على الاستثمار في المشاريع الثقافية ذات المردودية غير المضمونة، ماديا أو معنويا، وهذا في اعتقادنا سبب مباشر لندرة الذين يهتمون بالفن عموما: تشكيل، مسرح، سينما، موسيقى. ولكن لا يجب أننسى أن للأعمال الفنية قيما مضمونة في الدول المتقدمة كالولايات المتحدة واليابان وغيرهما.

وكنتيجة حتمية، فلن يكون هناك سوق للفن مادمنا نفتقر إلى منافسة المنتوج الخارجي، وسيكون للعملية فعالية ومد كبير حينما يستطيع منتوجنا الفني الوطني أن يفرض نفسه داخل السوق الخارجية، ومادامت الدور الخبيرة بمسائل الفنون غير موجودة بالمغرب، وما يوجد منها بالخارج لا يعير أي اهتمام لما ننتجه، فإننا لن نسعد بالسوق التي بتنا نحلم بها.

إن الفن لا يتمتع بحريته الكاملة، وبالتالي فإن الذين يوجدون في هذا المجال يعيشون نفس الوضعية المتردية، من فنانين وتقنيي الفنون ومتخصصين وأصحاب الأروقة، بعضهم وصل إلى درجة الإفلاس والتوقف عن امتهان مهنته وإغلاق رواقه. أغلق رواق لا توليي بالرباط وتحول إلى مقهى، رواق نظر يحتضر، أغلق رواق بصمات بالدار البيضاء ولم نعد نسمع بأروقة كانت بالأمس تتمتع بنشاط حيوي مازالت آثارها محفوظة بين دفتي الكتالوجات التي أصدرتها: أذكر أروقة ألف باء والشرفي بالبيضاء وفلاندريا بطنجة وأصيل بمكناس وعدد منها كثير، إلا أنه تجب الإشارة أن بعض الأروقة غيرت مسارها الأولي وأصبحت لهانشاطات أخرى غير المعارض الفنية.

خلال تسعينيات القرن الماضي كثر أصحاب المضاربات وبالتالي ظهر نوع من السماسرة يتدخلون بين الفنان والشخص الذي ينوي اقتناء العمل الفني، ولعب هؤلاء السماسرة دورا كبيرا في عامل الرداءة الذي تحدثت عنه، إذ كانت لهم اليد الطولى في ترويج النسخ المزورة لأعمال عدد من الفنانين خصوصا الذين انتقلوا إلى دار البقاء، ومن تم أصبحنا نجد نسخا بأثمان بخسة لكل من القاسمي وميلود والغرباوي (أشير أنني حضرت على معرض لأعمال الغرباوي مرسومة على أوراق بيضاء كانسون من حجم Raisin، بإحدى الحوانيت بالرباط)، إضافة إلى فنانين فطريين منهم صلادي والشعيبية وفاطمة حسن وغيرهم،ولم يستثن الأحياء كذلك من النسخ والتزوير منم ربيع والمليحي والملاخ وآخرين.

موازاة مع نشاط سماسرة الفن بدءا من أواسط الثمانينات، ظه مقتنون من الدرجة الثانية يسعون للحصول على لوحات بأثمنة جد بخسة، معتمدين على الكثرة والعدد، فأصبح فنانون كانت أسماؤهم ستأخذ طريقها نحو الشهرة مساهمين في اللعبة: إنتاج العمل الرخيص وتزوير إنتاجات الآخرين والاعتماد على السماسرة لتنفيذ صفقات مشبوهة.

لا تعليقات

اترك رد