دلشان قره جول و كاميرتها التي ستقول كثيراً


 

أن يعتقل أحدهم بتهمة حيازة مسدس أو أي سلاح أو بتهمة المتاجرة بالمخدرات، قد يكون الأمر عادياً ، أو بتهمة شتم القائد الأوحد ، أو خطر على أمن البلاد و العباد ، أو الإزدراء بالأديان و من هذا كثير ، أيضاً الأمر سيكون عادياً ، لكن أن يعتقل أحدهم بتهمة حيازة كاميرا ، و يكون هذا الأحد الفنانة الضوئية روشان قره جول ، فربي الأمر يدعو إلى القرف ، فروشان تسبقها طيبتها و بسمتها و حبها لأبناء بلدتها و للإنسان على نحو عام ، تترك تلك الطيبة أينما حلت ، يكفي أن نتفيأ ظلال أشجار الزيتون في مدينتها عفرين حتى تسرد لنا حكاية عطرها و جمال روحها و بساطة نفسها ، فهي التي تعلم الأطفال على العزف و الموسيقا ، المجال التي تعمل فيه ،

إذا كان إقتناء كاميرا تهمة ، بموجبها يعتقل صاحبها ، الأمر جد مخيف و موحي جداً ، مخيف كونه مؤشر للإنحطاط الذي يعيش فيه تلك الجهة و عقلية الحجر التي تقود العباد ، و موحي لنا بأنها كأداة فنية بها يمارس الفنان كل تعبه و شهقاته ، فهي سلاح أشد فتكاً و أقوى فعالية من كل البارود و مشتقاته الذي اكتشفه الفريد نوبل ( الله لا يرحمه ) ، أسوق هذا الكلام و أنا أتابع بوجع خبر إعتقال الفنانة الضوئية دلشان قره جول و التهمة حيازة كاميرا …….؟؟؟؟؟؟

قد يوقظ الأمر الفنانين و يعلنوا صرختهم التي إن بدأت هي التي ستهز كل العروش الخلبية ، و قد يتحول ما جرى إلى مفتاح بأيدي الفنانين و المبدعين على إختلاف مجالاتهم و إبداعاتهم بأن ما يملكونه من ريشة و كاميرا و إزميل و قلم لهو كنز أولاً و سلاح قادر على التحدي و التغيير الجميل في أحلك الظروف ثانياً ، فإذا كانت كاميرة دلشان خلقت كل هذا القلق لدى أصحاب البارود و البندقية و السواد ، لدرجة إعتقالها فكيف إذا تحرك الفنانون كجيش فني جميل ، ألا يكون وقتها زلزالاً بوجودهم و وجوههم و بوجود و وجوه دباباتهم ، فالفنان هو الخالق لواقع جميل و هو البناء ( بتشديد النُّون ) الحقيقي للإنسان ، و الفاعل في رفع الستار عن نفاق الظلّام و مزق بيارقهم التي لم تعد صالحة حتى في المتاحف ، و إلا ما هذا الخوف كله من دلشان و كاميرتها ، لدرجة إعتقالها و مصادرة حريتها .

قد تكون العقلية المستوردة من القرون الفائتة و ما يترجم تلك المستوردات على الأرض تحت مسميات كارثية مدمرة للإنسان هي التي تسوق المرحلة ، و هي التي دمرت و تدمر كل ما بناه الإنسان الحقيقي ، و لهذا لن نتفاجأ بنتائج الفعل .

دلشان قره جول فنانة ضوئية ، شجرة زيتون مثمرة ، حالها كحال الكثير من أشجار الزيتون العفرينية ، عشقت الكاميرا كعشقها لعفرين و زيتونها و أهلها و تاريخها ، فكانت هذه الكاميرا لسان حالها ، بها تقول ما تعجز أن تقولها نطقاً ، فكانت أعمالها تأريخاً للمكان ، للمدينة ، لعفرين و ريفها . لتراثها و ناسها ، فكان الإحتكاك بالآخر يمنحها رؤية بها تتعامل مع الأشياء كلها ، و ترسل فيهم روحاً و تنطقهم ، ثم تفتح حواراً جميلاً معهم، حواراً كله حب و عشق و نقاء ، و هذا الحوار من الصنف الذي لا ينتهي ، بل يتوالد إلى اللانهاية ، فهي تهتم بالموسغات الإجتماعية و التراثية لكسر تأزيم مفهوم قيمة الظاهرة ، تلك الظاهرة التي لا تكتمل في الحياة اليومية ، بل تأخذ الرغبة إلى طريق التراكم ، ثم إلى التباين على نحو ولادة ستسعى بدورها إلى الإنطباع الذي ستلتقطه عدسة روشان .

إذا كانت دلشان ليس لها أي نشاط سياسي ( حتى لو وجد ، ما الجرم ؟ ) كما هو معروف عنها ، و جلّ إهتمامها في مجالي التصوير الفوتوغرافي و الموسيقا ، فالتي تكون الكاميرا أوكسيجنها و بيع الآلات الموسيقية مهنتها ، و تعلم الأطفال الموسيقا ، و تعشق مدينتها و أبنائها ، لا يمكن إلا أن تكون ملاكاً ، ويجب أن تكرم من الآلهة و العبيد و العباد معاً ، لا أن ترمى في أقبية لا تليق إلا بمعتقليها .

حين تكون الكاميرا أقوى من البارود لن تقوم القيامة و و لن ينفخ إسرافيل في الصور ، و لكن التهمة وحدها ستسقط عن الكاميرا و تلتصق بالحاكم حتى ترميه مكفوفاً بعلمه الأسود ، حينها ستنتصر دلشان و يهزم أبناء القرون الميتة .
سيكون لنا قراءة تشكيلية لأعمال دلشان في القادمات من الأيام ، قد يكون وقتها دلشان خارج الجدران مع كاميرتها و هي توثق إعتقالها و ثم حريتها .

لا تعليقات

اترك رد