المثقف والمؤسسة


 

في البدء، المقصود بالمؤسسة هنا، السلطة أو الحزب أو قناة تلفزيونية، أو صحيفة، بإختصار هي كل ما يمكن أن يكون مصدراً للتمويل ومنبعاً للإيديولوجيا، والمثقف الخاضع فكرياً أو المتكامل فكرياً، إذ لا وسط بين الطرفين، يقاس بمدى خضوعه للمؤسسة، أو تكامله بعيداً عنها.

ولطالما كان على المثقف أن يختار بين الخضوع الفكري لأفكار مصنوعة ومحددة داخل المؤسسة، أو بين التكامل الفكري على حساب التضحية بجائزة نالها، أو موقع جيد في الحزب، والخيار الثاني أختاره كثير من المفكرين كجورج لوكاش، أو آدم تشاف الذي طرد من اللجنة المركزية للحزب الشيوعي البولندي، وما جرى لأكثر من فرد في الأحزاب القومية العربية، الذين تنوعت مصائرهم بين الطرد والقتل، حين قرروا أن يقولوا ما يجب أن يقال مهما كلف الثمن.

فما أشبه المثقف الخاضع بالمذيعات ومقدمات البرامج الفاتنات، حين يطلب منهنّ إرتداء الثياب السوداء، حزناً على شخصّ يخصّ مالك المؤسسة، الكثير ممن ننعتهم بالمثقفين ينطبق عليهم الوصف، وهم أذكياء بتلافي ما يجب أن يقال بحق وبصورة مباشرة، إلى ما لا معنى في قوله وهدر الحبر في كتابته.

إن الخضوع والخشية ثم الأدلجة أخيراً، هي أزمة الثقافة العربية اليوم، فالأديولوجيا ليست أولاً هنا، بل المال والخضوع والخشية مجتمعة، وما أدقّ وصف ليونيد شيبارشين بأن الفقير يشتري الجريدة، بينما الغني يشتري رئيس التحرير!

إن الكثير ممن يفسح لهم المجال للظهور وتسويقهم كوجوه إعلامية وثقافية، متهمون بإستلام تعليمات بما يجب أن يقال، وهذه ليست بالسابقة، على إعتبار أن الكثير من الأقلام الخاضعة في الماضي كشفت، وأن التسييس والتجنيد طال الكثير من الكتاب أيام الحرب الباردة بين المعسكرين، كما تذكر صاحبة كتاب “من يدفع للزمار يسمع اللحن الذي يحبّ”.

إن الصحفي والكاتب المصري فتحي غانم، صاحب “الرجل الذي فقد ضله”، حين أخبره السفير العراقي في القاهرة آنذاك إختياره ليمنح “جائزة صدام للآداب”، سأل غانم السفير: وما المطلوب منه مقابل منحه الجائزة؟

سؤال منطقي لا يسأله الكثيرون، ويكتفون بأخذ المال والشهرة، ففتحي غانم ردّ باللهجة العراقية وبصيغة التعجب “وبس!” حين ردّ عليه السفير بأن لا شيء مطلوب منه سوى أنها تقديراً لأدبه.

ربما كان جواب السفير دبلوماسياً، ولكن الجواب المضمر هو أن لا يقترب من منطقة النقد لمن تكرم عليه بمائة ألف دولار في حينها، تلك المنطقة التي كلفت الشاعر العراقي سعدي يوسف سحب جائزة العويس منه حين إقترب منها، وهو يتحدث عن تواطؤ دول عربية مع أمريكا في حربها على العراق، الحرب نفسها وقف بوجهها حملة القلم الأحرار في أمريكا نفسها، أقوى بكثير من مواقف كتاب وشعراء ومثقفين عرب بل حتى عراقيين، حتى ان لفظة “إحتلال أم تحرير” أخذت صيغة مخزية في الجدال.

لذا نحن في العالم العربي ننتظر من الكاتب مذكراته في النهاية، تلك التي لا يخرج بها علينا بطلاً، بل تلك التي تحتوي إعترافاته الصادقة والأخيرة، التي تبدأ بأفعال الماضي وفاعلها المضمر بالتقدير أنا، بكلمات من قبيل “أرتشيت، سكت، هادنتُ، قبضتُ …”.

لا تعليقات

اترك رد