الفنان عبد الباري العبودي


 

قلّة من كتاب الدراما في العراق من يمتلك النفس الطويل في الكتابة ,فجلّهم مايلبث ان يكتب كل مافي جعبته في الحلقات الاولى ويبدأ بعدها بمحاولة البحث عن الخطوط الثانوية علّه يجد ضالته في شخصية أو حدث ما , فيتواصل مع الخطوط التي تم طرحها, ويؤجّل نهاية احداثه الى الحلقة الاخيرة التي اتفق عليها مع نفسه او مع المنتج, وأظن ان السبب في ذلك هو عدم ممارسة الكتابة بشكل مستمر ,أو قلّة التجربة ,أو نتيجة البناء النفسي في شخصية العراقي قليل الصبر ,وربما بسبب اختيار الكاتب لموضوع مساحة سرده لاتتعدى بعض من هذه الحلقات ,أو لقصور في المعالجة,فهو حينما يكتب في الكوميديا مثلا فانه يطرح جميع مواقفه المضحكة, وجمله الجميلة, وطرافته المطلوبة ,في الحلقات الاولى ثم يقوم بتكرار نفس المواقف لمرّات عدّة وبأشكال مختلفة تقريبا ,حتى الحوارات يأتي بعضها مكررا فائضا عن الحاجة لايسمن ولا يضيف لبنية النص جديدا.كما انه يترك في بعض الاحيان قضيته الاساسية ويركض خلف تفاصيل تسيء لموضوعه الاساسي كي يستجدي ضحكة ليس لها ضرورة,

وهناك من يحاول ان يزرع شخصية او اكثر داخل بنية النص ليس لضرورات درامية بل لكي يجعل منها وسيلة للاضحاكوالاستهزاء والسخرية وهذا مازاد عن حده في المسارح العراقية خصوصا ,أما في الاعمال الدرامية التلفزيونية العراقية فأن معظم النصوص تميل نحو التوسع افقيا دون ان تعني بقضية التصاعد الدرامي المطلوب تواجده, وبذلك تكون قد فقدت الكثير من اسباب وجودها, خاصة اذا سادت هذا العمل اليّة التكرار من جميع كادر العمل, ابتداءا بالمؤلف مرورا بجميع تقنيات العرض والتمثيل والاخراج وبذا يخرج العمل وكأنه اجترار للزمن واستجداء للعاطفة والضحكة فيفقد ضرورة تواجده وعدم جدواه .اصوغ كلامي هذا وانا أركّز علىمؤشرا يقول: ان الاعمال العراقية تنتمي الى بداية ونهاية ,

وتترهل في مرحلة الوسط الى درجة انها قد تفقد الكثير من متابعيها لهذا السبب ولغيره .وكاتبنا الكبير عبد الباري العبودي فيه من هذا وذاك اي انه قد عانى في نصوصه من بعض هذه العوارض التي اثّرت على الكثير من اعماله رغم انه يحاول محاكات الواقع بشيء من الهدوء والتروي والتمعن في جوانب الحدث المراد طرحه, لكنه في المسلسل الكوميدي( ايام الاجازة) اخراج عماد عبد الهادي عانى من بعض هذه النقاط .جاء المسلسل في اولى حلقاته على قدر عال من التماسك والشد والسرد الممتع المدروس لكنه مايلبث ان يفقد بريقه بعد الحلقات الاولى وينهي الحلقات الاخرى بأقل جهد درامي ,

وبحث متواصل عن ملجأ للوصول الى الحلقة الثلاثين .وأكاد اجزم بأننا قلّما نجد عملا كوميديا عراقيا يستمر لثلاثين حلقة ويستمر باضحاك المتلقي بنفس المستوى دون ان يسقط في فخ الترهل والتكرار والملل ,وقد يمل المشاهد من داء المصادفة التي تعتمد عليها المفارقات الكوميدية الا اذا كانت تقدّم بحرفة عالية متدرّبة يقودها نجما كوميديا موهوبا قوي البديهة مبتكر لايكرر نفسه في مواقف متعددة وبعيد عن النمطية.فلم يكن( وديع,الموظف الحكومي )وهو اسم شخصية بطل مسلسل ايام الاجازة التي يجسّدها (محمد حسين عبد الرحيم) لم يكن وديعا الى النهاية حيث انهكه التعب والدوران حول نفس الشخصية مما اثّر على المسلسل ككل نتيجة اعتماده الكلي على شخصية واحدة لم تستمدىقوتها لا من النص ولا من الممثل ولا حتى من المخرج بالرغم من لجوء النص الى لعبة التشابه والاختلاف مابين الحلقات الثلاثين, اذ اعتمد على ان تكون كل حلقة بعنوان, مع الاحتفاظ بخيط درامي قوامه وديع الموظف الذي يتعرض الى مواقف ومفارقات .

ان عبد الباري العبودي في هذا النص والكثير من النصوص التي كتبها يحاول ان يقترب من الشخصية العراقية البسيطة ,ويدخلها في مختبره دون ان يسلخها من خصوصيتها لكنه يحاول ان يصبغها بصبغة خاصة, ويسقط عليها رموز قد لاتبدو غامضة لكنها تتقبل التحليل والمعنى الاخر وذلك لانهيعتمد ان تكون هذه الشخصية محمّلة بهموم الكل ولسان حالها يتحدث عن معانات اشباهها من الشخصيات, واحيانا يمعن في تضمين حواراتها كمّا ليس قليلا من كلمات النقد والسخرية من الخطأ او التقصير أو الممارسات المرفوضة, مثلما فعل في هذا المسلسل الجميل بالرغم من كل تلك النقاط المتوافرة في معظم الاعمال العراقية والكوميدية بالخصوص. ومن الموظف المستلب الطيب ,المستل من مجتمع يزيده استلابا نتيجة سلبيته المتوارثة أو المتعمّدة الى بيئة الريف التي احتظنت احداث مسلسله (المهافيف) اخراج حسين التكريتي,

اذ تكررت غربة الاشخاص عن المكان وغياب سبب حضورها, وضرورة كينونتها ضمن هذه البنية , وذلك بسبب غياب الرابط الحقيقي بين تلك الشخوص التي عاشت لحظات غربة واغتراب عن بعضها البعض بسبب عدم العناية باصولها ومرجعياتها وذلك لتعدد الاشكال والصفات لسكان قرية المهافيف حيث اضاع عبد الباري جهده في لم شمل الغناء والكوميديا وبنية مجتمع الريف التي تمتلك سر قوة وجودها من خصوصيتها وملامحها الخارجية والداخلية ,وهي شخصية ذات حدين ,ماأن تنحرف عن حد حتى تسقط في فخ الاخر ’فهي تتميز بعلاقاتها وروابطها الاجتماعية المميزة واختلاط الاعمار والفئات جميعها مع بعضها البعض ,فالفلاح وابن الريف يشاركه ابنه الصغير وامه وزوجته وابوه رعاية زرعه وطعامه الذي عادة مايكون في الحقل. وحينما تقوم بعزل الشخصيات وكأن القرية لا تشمل سوى شخوص المسلسل يكون هناك خلل,

لان الشخصيات الثانوية تكون احيانا مطلبا لايقل اهمية عن حضور شخصية البطل ,فهو يستمد قوته , وسبب حضوره, من ذلك ,حتى لو كان هذا ليس سوى خلفية لذاك الذي يقود الفعل الرئيسي . لعبد الباري العبودي الكثير من الاعمال الاذاعية والتلفزيونية والمسرحية والسينمائية ’فهو ممثلا, ويمتلك صوتا جميلا والقاءا مميزا وسرعة بديهية, فلقد كان يعدّ ويقدم البرنامج الاذاعي (اوراق متساقطة ).وله مسلسلات تلفزيونية مثل (امنيات صغيرة ,محطات الذاكرة ,بيت الحبايب ,اجنحة العصافير ,القلب في مكان اخر ,الصيف والدخان) .كما كتب افلام سينمائية هي (وجهان في الصورة)عام 1989 اخراج حسن الجنابي وبطولة محمد حسين عبد الرحيم وليلى محمد ,وفيلم (عماره 13)1987من اخراج صاحب حداد.ومن مسرحياته مسرحيّة (حب في الدبّخانة ) اخراج اسعد عبد الرزاق .عشق عبد الباري الاذاعة وعمل فيها كثيرا وكذلك عمل في مجال فحص النصوص لما يتمتع فيه من خبرة وفطنة وصدق .ولد العبودي في عام 1946 في قضاء الشطرة محافظة الناصرية وتوفي في 28\2\2009.بعد ان عانى من جلطات دماغية متعددة, يرحمه الله .

لا تعليقات

اترك رد