(تل التراب) والماضي المشرق

 

تُعد مدينة (تل التراب) تلعفر من المدن الاثارية العراقية ذات التاريخ العريق والموغل في القدم وقد جاء ذكرها في العديد من النصوص التاريخية القديمة سواء في العهود ما قبل التاريخ او في العصور التاريخية . اذ تشتهر تلعفر بقلعتها التي تُعد بمثابة قاعدة عسكرية وبموقعها الاستراتيجي بين بلاد الرافدين وبلاد الشام.

تقع تلعفر بالقرب من الحدود العراقية – السورية ، أي في القسم الغربي من مدينة نينوى على بعد 69 كم، وعن جنوب الحدود التركية بقرابة 100 كم وعن الحدود السورية بحوالي 60 كم. وموقع تلعفر من المواقع المهمة من الناحية الاستراتيجية ، الاقتصادية ، العسكرية لأنها تقع بين العراق وأراضي الهلال الخصيب السورية قريبا من تركيا.

يرى اغلب المؤرخين ان تلعفر كلمة مركبة من (تل) و(عفر) وهي تعني )تل التراب) ويرى البعض ان (تلعفر) كلمة مركبة من (تلاد عبرا) الآرامية التي تعني تل التراب نسبة الى لونه وقال البعض ان اصل الكلمة (تل عفراء) وتعني (تل الغزلان) لكثرة الغزلان التي كانت تتردد على ماء عينها في أسفل الوادي الذي تشرف عليه القلعة ويعتقد اغلب الباحثين ان كلمة (تلاسار) و(تلسار) الوارد ذكرهما في التوراة يشيران الى مدينة تلعفر نفسها.

يرتقي تاريخ مدينة تلعفر الى العصر الحجري الوسيط اي قرابة 6000 ق.م وهي احدى المستوطنات البشرية التي استمر غيها السكن ألاف السنين ، وفي حوالي منتصف الالف الثاني ق.م أصبحت تلعفر مع مدينة سنجار جزء من الدولة الميتانية وفي العهد الآشوري نمت وتوسعت وبنت قلعتها الاثرية وكانت تعرف باسم (نمت عشتار) مركز العبادة الاله (عشتار) وكانت بساتين المدينة وقفا لمعبد هذه الالهة وجدد الرومان بناء هذه القلعة واحكموا اسوارها كما جدد الحاكم الأموي مروان بن محمد الثاني بناء القلعة وأطلق عليها البعض تسمية (قلعة مروان) حتى ظن البعض ان القلعة بنيت في العصر الاموي ولازالت القلعة شاخصة الى اليوم وتعد من المعالم الاثرية والسياحية على حد سواء وقد تم السيطرة على المياه الجوفية التي كانت تهدد القلعة بالسقوط ، وأعلن بشكل تام زوال هذا الخطر وبعد سقوط نينوى كانت منطقة تلعفر والجزيرة كلها مسرحاً للحروب الطويلة التي جرت بين الحيثيين والرومان الذين جددوا قلعتها وذكرها احد المؤرخين الرومان باسم (تلسافاتا). من بعد ذلك انتشرت الديانة المسيحية فيها خلال القرن الرابع الميلادي وكانت للنصارى كنيسة في تلعفر.

وما لبثت طويلا حتى بدأت هجرة القبائل من الجزيرة العربية قبل الإسلام إلى العراق والشام وفضل قسم منهم السكن في منطقة الجزيرة وجوار الموصل مثلاً بني ربيعة والذين سكنوا جوار تلعفر وسنجار وسميت المنطقة (ديار ربيعة) ، وقد تعاقبت عليها الكثير من الاحداث وخعت لاحتلال العديد من الامبراطوريات منها الفرس الاخمينيون والساسانيون وكانت نقطة صراع بين الرومان والبيزنطينين والفرس الساسانيين .

وفي صدر الإسلام فتحت منطقة تلعفر كسائر ديار ربيعه ومنطقة الجزيرة في سنة 18هـ في عهد الخليفة عمر بن الخطاب على يد القائد عياض بن غنم ثم أصبحت تلعفر في العهد الأموي موطناً للخوارج ومسرحاً للحروب التي جرت بينهم وبين الأمويين وكان مروان الثاني بن محمد والياً على منطقة الجزيرة وعندما آلت الخلافة إليه قاد جيشاً للقضاء على فتن الخوارج وقيل انه بنى قلعتها فسميت بقلعة مروان وان مدينة تلعفر قد توسعت وازدهرت بسكانها في العصر العباسي .في زمن الحاكم العباسي المعتصم بالله ومن بعدهم في عام 447هـ ـ 1055م وفي عهد السلاجقة في زمن أميرها طغرل بك أحد أمراء السلاجقة ومن ثم استولى عليها السلطان بدر الدين لؤلؤ وسكنتها بعض العشائرالتركمانية. وفي عام 656هـ ـ 1258م دخل هولاكو إلى بغداد وتوجه قائده سميداغو الى منطقة الموصل وتلعفر .

وأصبحت بعد ذلك جزءاً من الدولة الايلخانية ثم وفي عام 738هــ 1328م بدأ حكم الدولة الجلائرية للعراق بقيادة الشيخ حسن الجلائري وأصبحت منطقة تلعفر جزء من الدولة الجلائرية حتى جاء القائد تيمور لنك ودخل الموصل عام 796هـ ـ 1386م ومر من مدينة تلـعفر وهناك طريق مازال موجوداً جنوب تلـعفر يسمى تيمور يولي أي طريق تيمور. وفي عام 814هـ ـ 1411م وأصبحت مدينة تلعفر جـزءا مـن دولة قرة قوينلو التركمانية أي دولة (الخروف الأسود) في عهد أميرها محمد قرة يوسف وهناك عشيرة في تلعفر ينتسبون إليهم . وفي عام 874هـ ـ 1469م اصبحت مدينة تلعفر جزءا من دولة الاق قوينلو التركمانية أي دولة (الخروف الأبيض) بقيادة الامير حسن بك الطويل وأيضا توجد بعض العشائر في تلعفر ينتسبون اليها.

وفي عام 914هـ ـ 1508م أصبحت تلعفر خاضعة للدولة الصفوية وفي عام 941هـ ـ 1534م أصبحت مدينة تلعفر جزءا من الإمبراطورية العثمانية في عهد السلطان سليمان باشا وهو أول والي عثماني في العراق حتى انسحاب الجيش العثماني من الموصل وتلعفر دون قتال في عهد الوالي خليل باشا. احتل الإنكليز العراق في عام 1336هـ ـ 1917م وسيطر الانكليز على الموصل وتلعفر بعد قتال طويل دام ثلاثة سنوات أي في عام 1920م لحين تشكيل الحكومة المؤقتة برئاسة عبد الرحمن النقيب وكانت مدينة تلعفر في عهد الدولة العثمانية مركز لناحية تابعة إلى قضاء سنجار ثم أصبحت قضاءً في نهاية عام 1917م.

المقال السابقتراتيل الروح
المقال التالىالمثقف والمؤسسة
خمائل شاكر ابو خضير الجنابي .. كاتبة عراقية المؤهــــــلات: - ليسانس ألسن – قسم اللغة الانجليزية – كلية الألسن- جامعة عين شمس - تمهيدى ماجيستير كلية الألسن- جامعة عين شمس - ماجيستير فى الأدب الأمريكى من كلية الألسن – جامعة عين شمس- وكان عنوان الرسالة "العنف فى مسرحيات اد....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد