اضواء حول علمنة السعودية

 

تتجه المملكة السعودية التي عُرفت على الدوام بانغلاقها الديني، والسمعة السلبية من حيث الحقوق الحريات، للتلخص من الثوب الديني المحافظ الذي يعتبر جزءا من هويتها.

بدأت حملة التحرر هذه -الديني والاجتماعي- بعد تنصيب الامير الشاب “محمد بن سلمان” وليا للعهد، الذي اخذ على عاتقه بشكل رسمي مسؤولية التحرر والذي اعلن عن بذلك في اكثر مناسبة ابرزها تصريحه خلال مشاركته في منتدى “مبادرة مستقبل الاستثمار” الذي استضافته الرياض في اكتوبر ٢٠١٧، بانه سيقود بلاده إلى “الاعتدال والانفتاح على العالم وتدمير الأفكار المدمرة”.

القرارات التي اصدرها الامير الشاب في مجتمع ديني محافظ، لازالت مستمرة مع استمرار الجدل والذهول الذي تخلفه، حيث بعد اعلانه جملة قرارات من السماح بافتتاح المسرح والسينما والموافقة على قيادة المرأة للسيارة ووضع قانون للتحرش مرورا بتخصيص ميزانية بلغت ٦٤ مليار دولار في قطاع الترفيه والسياحة.

وليس اخيرا بافتتاح الملاهي الليلية كما ظهرت مقاطع فديو تداولت على مواقع التواصل الاجتماعي، فضلا عن الحضور المثير للجدل لامام الحرم المكي السابق الشيخ “عادل الكلباني” في بطولة رسمية للعبة “البلوت” التي يتفق الكثير من رجال الدين على حرمتها في السعودية، وتستمر الحملة على ما يبدو الى امد حاجز طويل للغاية، خاصة مع تواجد طاقم من رجال الدين جعلوا من رئيس الولايات الاميركية قائدا للسلام والانسانية!

على الرغم من كون الموضوع مثير للانتقاد، في تفنيد اسسه، وخلفياته، والاهم ردود افعاله، ومن الطرفين سواء كان الطرف المعارض لهذا التحرر الديني والاجتماعي، والمؤيد له من الذين يؤمنون بان قيادة المراة في السعودية قضية انسانية، وسفك دم المرأة السورية والعراقية والفلسطينية قضية هامشية.

الا اننا نحاول ان لانكون طرفا في هذا التضاد او نحكم عليه لطرف دون الاخر، نحاول فقط الحديث عن امكانية نجاح ذلك من عدمه خاصة في ظل الجدل المستمر والتصاعد الرأي الديني والذي منه راح يسوق مبررات دينية غيبية، بساطة نحاول هنا عرض بعض العوامل التي منها ما نعتقد ستكون مؤثرة وتؤكد نجاح هذه الحملة، ومنها ما تعرض وتشير الى حجم التحديات التي ستتعرض لها.

-العثمانية مثالا

ان الواقع الديني الذي كانت عليه الخلافة العثمانية الذي استمر حكمها لاكثر من ٦٠٠ كقائد وممثل وحيد وحامي ومرجعا للمسلمين، في ظل واقع ديني اكثر التزاما واقترابا من المعايير الدينية، من الحاصل مع المملكة العربية السعودية.

كل هذه السنوات والاهمية والعمق الديني الذي كانت عليه، تحولت تركيا الى بلد علماني حرفيا، امحيت منه كل الاثار الدينية الاسلامية وصولا الى ادق التفاصيل، في ظل رهان كان سائدا من عدم نجاح ذلك، لكن نجح ذلك الرهان واستمرت تركيا علمانية والى هذا اليوم، فحتى العودة التدريجية للهوية الاسلامية في تركيا التي نشهدها حالياً، لايمكن اعتبرها عودة تامة ونهاية للعلمنة في تركيا.

على العكس تماما، وبالرغم من كل الاشتياق الشعبي للدين الاسلامي وحالة نشوة من هذه العودة، لكن علينا ان لاننسى بان الشعب التركي شعب لازالت تحكمه اعتبارات علمانية، وان الجيل الحالي جيلا انشأ علمانيا، اي عودة العلمانية كما بدأت امرا لايثير الذهول بتة، وان تستمر باستعادة هويتها الدينية بعد كل هذه السنوات الطويلة، امرا لايثير الذهول ايضا، اذ ان ديناميكية الاديان والعقائد تسير بنسق واقعي ايا كانت الالية التي تحكمه، الا انها بعيدة عن اية تصورات غيبية، ولا بما يخطط له قادتها في كتبهم وارشاداتهم.

-الله ليس بانتظار شيئ

على الرغم من خسارة كل الرهانات الغيبية وبمختلف الاديان والمذاهب، لكنها لازالت مستمرة في الدولة الاسلامية وعلى سبيل الذكر الثورة المهداوية، وتجربة تنظيم داعش، الا ان التيار الاصولي وحتى المحافظ لازال يعول على رهان الغيبية الى حد المعجزة الفورية وسيناريو الانبياء.

فمنهم من راح يتوقع ان يقوم الله سبحانه وتعالى بزلزال في ارض الحجاز لان السعودية افتتحت فيها ملاهي ليلية، بكل طفولية يؤمنون بهذا اللامنطق، في حين ان يقوم الله سبحانه بذلك اعتقد هي اساءة لمفهوم العدل الالهي، لسببين الاول ان الله ليس بانتظاره شيء، انما نحن من ننتظر يوما نحاسب عليه، وعقوبة نتعرض عليها اذا اخطائنا،والثاني ان الله سبحانه الذي لايزلزل الارض تحت السعودية جراء ما يقال عن فجور عدد من امرائها او لتواجد قواعد اميركية، لن يزلزلها لانها افتتحت ملاهي ليلية او استطاعت المرأة قيادة السيارة في شوارعها، فهو للان لم يزلزلها عندما تقام عبادة دينية باذخه تسمى الحج ال VIP ولم يزلزلها بسبب هذه او تلك سواء كانت فعلا موجودة في المملكة او اتهاما باطلا.

فالرهان على القدسية او الغيبية في فشل علمنة المملكة او تحررها، رهان اعتقد سبق واثبت فشله بناءً على تجارب عدة، سواء في اديان اخرى او في الدين الاسلامي خاصة.

-بدويا علينا ان لا ننسى ذلك

السعودية تحديدا من اكثر اي الدول الخليجية، تحكمها المعايير القبليية اكثر المعايير من الدينية، التدين الحاصل في السعودية، هو دين ذو صبغة قبلية، فهناك اشبه بالملائمة الحاصلة بين الدين والقبيلة، او الاصح حالة التغاضي المبتادلة، فالمواطن السعودي قبلي قبل ان يكون مسلما او كلا الامرين معا (اقول هذا من حيث الوصف الاجتماعي وقراءة السلوك لا الاساءة قط) والملائمة هذه ليس هنا فقط، فهي من الملائمة الام بين الحكم ورجل الدين، كتحالف محمد بن عبدالوهاب باعتباريته الدينية، ومحمد بن سعود حاكم الدرعية، وما عقب ذلك من تطورا الى هذه الفترة.

والملاحظ ان المجتمع احيان اكثر تمسك بالاعراف والتقاليد العشائرية والقبلية من التمسك بالتعاليم الدينية التي يؤمن بها، اي ان حالات الانفتاح بشكل او باخر ستكون لها رد فعل واضحة، وقد تكون ردة الفعل هذه متناقضة تارة مع هذا الانفتاح وتارة بالضد، تماما كما كان يفعل بعض شيوخ العشائر في العراق فهم يسهرون مع عشيقاتهم الغجريات ليلا، وصباحا يحكمون في مضايفهم بقتل فتاة عاشقة من بنات العشيرة بتهمة غسل العار، فالتعامل مع شخصية قبلية بدوية، امر ليس بالسهولة التي يمكن ان نتصورها وعلى مختلف الابعاد معقد للغاية.

-القيم الغريبة ليست قيما انسانية مطلقة

ان الضعف الثقافي والفكري والخجل من هوية الانتماء في الاوساط العربية بمقابل تفوق غربي مع اسباب طويلة، جعلت من الفرد يكون في حالة قبول فوري لاي شيء غربي، في ابسط القضايا والمواقف، كيف عندما تكون القيم النسبية الغريبة ومنها الذي لايمكن ان يكون في خانة القيم فعلا كحرية المثلية الجنسية القيمة الطارئة في مجتمع الفضائل الغربي الذي صدع العالم بها منذ فترة كأنها حق كتب على جبين السماء!

والامر مع المفاهيم المبطنة الاخرى، التي تروج لها المنظمات الغربية، كل هذا جعلنا ان نسلم بكل ما يروج غربي من قيم تدعي انها انسانية، بانها كذلك فعلا، ونذهب الى الايمان المطلق بان خلفها جوهرا وحكما عظيما!

في حين لامبالغة بانها لاتتعدى الكثير منها وجه من اوجه الاستعمار وبارقى حال اساليب متبكرة من الضغوط السياسية، فان كنا نخجل من قول ذلك حتى لانتهم بالتخلف، ثمة دول تعمل وتحاول تطبيق ذلك، الاستاذ “فائز السعدون” في مقاله الاخير اشار حول نقطة تكون صالحة الاستعراض في هذا الصدد، وهو النظام الذي اتبكرته الصين في عمل المنظمات المجتمع المدني والتعامل مع القيم الديقراطية الليبرالية الغربية.

فان تجد السعودية بانها بحاجة الى تجديد قيمها، ليس بالضرورة ان تقوم بذلك على النمط الغربي حرفيا، خاصة وان القيم الغريية ليست قيما مثالية بالمطلق ولا بالضرورة تعبر او ترغب بالوصول الى غاية انسانية، خاصة وان القيم عامة اشياء لا تستورد، انما تنبع من الداخل، معيار نجاحها ايمان الشعوب بها، لا تقييم بيانات المنظمات الغريبة التي يحركها اللوبي والدولار.

كما ان ما يصنع محمد بن سلمان من هالة ومبالغة حول حملة التحرر، امر اعتقد سوف يخلق مساحات من التناقضات والفجوات المعقدة، بالاضافة الى انه يسيء الى تاريخ عائلته الحاكمة، فالانفتاح الذي يتألم بانه جاء متاخرا، منع من قبل عائلته الحاكمة ليس من قبل الشعب السعودي، وليس حتى من اطراف خارجية على العكس، كما انه شخصيا قائد التحرر هو ايضا جاء من رحم هذا الحكم، لاثائرا من رحم الظلام والاضطهاد، كيف اذن عندما نعلم بان هذا الانفتاح ثمرة ضرورة علاقات خارجية ومعادلة كسب حلفاء!

-سياسيا ليس من صالح الحاكم

لا اخدم للحاكم من ان يكون الشعب مغلقا، ولا اخطر من ان تكون هناك مساحة، خاصة ان كان الحاكم من ذو اصول شرقية، او يحمل جينات دكتاتورية، فالحرية التي يحاول ان يقدمها ستكون يوما حبلا يخنقه، والانفتاح المشنود الذي يسعى اليه ايا كان شكله، سيكون عاملا يهدد مصلحة وجوده.

اقدام محمد بن سلمان الى هذا الواقع هو خطرا يلاحقه اكثر من اعتى الاصوليين في السعودية من رجال الدين على صعيد المستقبل، فان تسلم شعب ما اعتاد على الانغلاق وثقافة معينة طيلة عقود طويلة، امر لابد ان ينجم عنه رورد افعال شبه ثورية، فالمحصلة بن سلمان لم يأتي محررا كثائر وقائد اسقط نظاما وحل محله، انما هو رحم من النظام ذاته، كما انه لن يستطيع تخطي الحدود الاسياسية التقليدية لهذه العائلة الحاكمة للمملكة.

فضلا عن الطبيعة التاريخية للحاكم والشعب، بعبارة لايمكن ان تحول مجتمع محافظ ذو طابع ديني وقبلي الى مجتمع ديقراطي في ظل حكم ملكي في وقت واحد، بعيدا عن الاستدلال بالتجربة البريطانية الذي لايسعف هذه الفرضية، وفي اطار الخلفيات لاننسى ان نشير الى حساسية صورة الممكلة السعودية وما تحمل من صور نمطية وتأثيرها سواء من قبل المسلمين عموما، او من قبل السعوديين والمعارضين لهذه الحملة تحديدا من ذو الخلفيات الدينية الاصولية، وغيرها من نقاط اخرى قد لايبالي بها قائد جريء ك “محمد بن سلمان” لكنها مهمة ومؤثرة سواء ادرك ذلك او لم يدرك ذلك.

لا تعليقات

اترك رد