حاتمة الطائية

 
الصدى - حاتمة الطائية
لوحة للفنان مراد ابراهيم

كلَّما صادفني شخصٌ سخيٌ؛ تذكرتكِ، وابتسمت لطيفك الذي مَرّ بي منذ ثلاثةِ عقود، وظل راسخاً في بؤرة الشعور، يستعصي على النسيان، برغم الظروف العسيرة التي محت عشرات الأشخاص، والتي ما إن تمر بمكانتِك في الذاكرة، حتى تلملم مماحيها، وتنحني متقهقرة عنكِ.

تبتسم روحي لكِ، كلما مرت بي امرأة شقراء؛ ولو على شاشة التلفاز، كلما مرت بي مركبةٌ علامتها (مارسيدس)؛ ولو بطرازها الحديث، كلما رأيت سجائر (كينت)؛ ولو على قارعة الطريق.
آمنت على يديكِ، أن الشرف لا علاقة له بالجسد؛ كما يتوهم الناس، إنما هو رمز معنوي، يتعلق بالصدق والوفاء، قد تمتلكه مومس، وقد يفتقده شيخ قبيلة. حين حصر الناس الشرف بأجسادهم، بدأوا يكذبون ويسرقون ويقتلون؛ وهم يدّعون الشرف، ما دامت أجسادهم لا يمسَّها غريب.

كنتُ مصدوعاً في تلك الظهيرةِ اللاهبة، وأنا أقف بجانب مضخة الوقود، فآخر سيجارة دخـّنتها قبلها بأربعة أيام. أزمة السجائر التي عمت في السوق، شوّشت على المدخنين الشرهين أمثالي، ولم يعد بالإمكان شراء سيجارة واحدة، بعد أن أخفى تجار الدخان بضائعهم؛ بُغية رفع الأسعار.

بتُّ مستعداً أن أدفع ثمن رزمة علب سجائر، مقابل سيجارة واحدة، سأدخنها حتى رمقها، حتى يحترق قطن الترشيح. ولن أبالي إن لم تكن السيجارة من نوع (سومر) الذي أدمنت تدخينه، فحتى لو كانت سيجارة (بغداد) الرخيصة؛ سوف أدخنها، المهم أن أستنشق الدخان.

توقفت سيارة متعبة علامتها (لادا)، ترجّل سائقها حين كنت أفتح غطاء حوض الوقود. عرفته، فهو مدرّس في المدرسة القريبة من محطة الوقود، طالما رأيته مكفهر الوجه عديم الابتسام. لكنه بدا لي اليوم أوسم من (آلان ديلون)، حين مد يده في جيبه وأخرج علبة (مارلبورو)، بعد أن نظر في ساعته وابتسم.

أكملت له تعبئة مركبته المتهالكة، أغلقت فم حوض الوقود بحماس؛ في اللحظة التي دس سيجارة في فمه. نظر إلى عدّاد المضخة، همّ أن يخرج محفظة النقود وهو يسألني:
– كم الحساب؟
بأكبر ما يمكنني من الابتسام أجبته:
– سيجارة واحدة يا أستاذ.
– نعم؟!
أشرت بسبابتي نحو السماء:
– سيجارة، أعطني سيجارة، وسيكون ثمن وقود سيارتك على حسابي.
اكفر وجهه:
– هل تريد أن تلخبط حياتي؟ أنا أدخن سيجارة كل أربع ساعات، إذا أعطيتك واحدة الآن، فلن أدخن حتى المساء، سوف أتوتر، وقد تحدث مشكلة بيني وبين زوجتي بسببك.
– أعوذ بالله، لا أرجوك، أعطني نصف دينار ثمن الوقود، وحافظ على أعصابك أرجوك، وإياك أن تشعل السيجارة قبل أن تغادر المحطة.
نظر في العداد مرة ثانية، قبل أن يدفع على مضض.
أدبرت مركبته بوهنٍ، وهي تنفث دخاناً رمادياً من ماسورة العادم، تخيلت العادم سيجارة!
لحظتئذٍ ركنت قربي سيارة مارسيدس سوداء، تقودها شقراء في الثلاثين من عمرها، ألقت التحية بمياسة قاهرة؛ دون سابق معرفة:
– هلووو… لم أنت متضايق؟
فتحت غطاء حوض الوقود بشهية:
– عكّر مزاجي زبون سبقك، طلبت منه سيجارة، ولم يمنحنيها.
ضحكت بغنج:
– واااو… أ يبخل عليك بسيجارة؟ ما أبشعه؟
ترجّلتْ، التفـّت من خلفي نحو صندوق المارسيدس، فتحته، ثمة كيس أحمر، لمحتُ فيه خمس رزم من سجائر (كينت)، أخرجت رزمة، فلـّتها، استلـّت منها علبة، أعادت الرزمة داخل الكيس مع الأخريات. فرحتُ بعلبة الكينت التي توقعت أنها ستهبني إياها، لكنها خيبت ظني؛ حين ناولتني الكيس:
– هذا كله لك، تكفيني علبة حتى يأتيني كيس جديد.
ألجمتني المفاجأة، بينما أجابت هي مبتسمة غامزة، عن تساؤلات كثيرة دارت في خلدي:
– أعرف تاجر سجائر، نام في فراشي ليلة أمس، جلب لي هدايا كثيرة من بينها هذا الكيس.
إزدردت ريقي، هززت رأسي، أتمت عبارتها:
– أنا عاهر… هل تعرف معنى (عاهر)؟
– نعم… أعرفه تماماً، إنه يعني (امرأة شريفة وكريمة).

لا تعليقات

اترك رد