نظريات التعليم والمرحلة الراهنة

 

(1)

الوحدة الوطنية ضرورية ضرورة المصير وبمعنى آخر هي الهدف الستراتيجي للامة العراقية تحققه من خلال نضالها ضد كل النزاعات الطائفية والعرقية ويجمع المفكرون العراقيون على ضرورة الوحدة واهدافها ، رغم التباين بينهم في تصور هذه الوحدة فهناك من ينادي بالسلطة الموحدة اي البناء الفوقي ويلي ذلك بناء الهياكل التحتية كالاقتصاد والتعليم …….

ويذهب اصحاب هذا الرأي او الداعون اليه الى ان محور الوحدة وقلبها النابض هو جمع اطياف الشعب العراقي في حكومة ائتلاف وطني ، وان هذا المحور حرك الجماهير باطيافها المتباينة في الانتخابات الاخيرة وبمعنى آخر انه حتى بعض الكتل السياسية التي كانت مقاطعة للانتخابات بحجج مختلفة اضطرت تحت ضغط الجماهير الملتهبة الى الرضوخ الى العملية السياسية .

ويرى فريق آخر ان الوحدة يجب ان تبدأ بالتتابع الامن ، الاقتصاد ، التعليم …… كأبنية تحتية وتنتهي بالبناء الفوقي او السلطة السياسية الموحدة وينطلق دعاة هذا الرأي من ان الوحدة عملية اجتماعية بالضرورة ولابد من وجود مضمون اجتماعي بين الابنية التحتية في البلد حتى يسهل من عملية التنسيق والتكامل ثم ينتج الدمج في المرحلة الاخيرة وعليه فهم يرفضون ان تتم الوحدة الوطنية بقرار سياسي او اداري .

وبالرغم من التباين في النموذجين الاانها تتفق على عدة مرتكزات اساسية تعتبر بمثابة مسلمات صحيحة هي :.

1. جهود الوحدة الوطنية هي بالضرورة جزء من الصراع الحتمي والمصيري ضد النزعات الطائفية والعرقية .
2. الديمقراطية التي تسمح بالحوار والتنوع الفكري مسألة اساسية للتخطيط للوحدة على اسس واقعية مستقرة .
3. الهياكل الاقتصادية والاجتماعية (الابنية التحتية ) وضرورة تكاملها عملية اساسية للوحدة سواء ابدأنا بها او انتهينا اليها .

وللوحدة الوطنية مجموعة مقومات تساعد وتدفع نحو تحقيقها مثل اللغة والارض والتراث الحضاري ووحدة المصير كما ان للوحدة جملة معوقات يمكن اجمالها في الاحتلال ، النزاعات الطائفية والعرقية ، اختلاف النظم الاجتماعية واخيرا وليس اخرا التباين في تصورات القيادات السياسية والفكرية ازاء فهم الوحدة الوطنية وكيفية بناءها .

(2)

من هذه المقدمة المختصرة ندخل الى صلب موضوع البحث والذي نلاحظ ان من الشائع لدى بعض رجال السياسة والتعليم ان التعليم من وجهة نظرهم ماهو الاالمقررات والمناهج والانشطة المصاحبة لها خارج وسائل التعليم من مدارس وجامعات وداخله وكذلك في الاستاذ الذي يستطيع نقل هذه المناهج الى التلاميذ في المراحل التعليمية المختلفة بحيث تختزلها اذهان التلاميذ لحين موعد الامتحان حيث تسترجع في اوراق الامتحان ومن ثم ينتقل التلاميذ من مرحلة الى اخرى .

وهذه النظرة الى التعليم تكاد تكون خاطئة وقاصرة الى حد بعيد لان الاهتمام ينصب فيها اساسا على الاداء (كيف نعلم ؟ ) وقد يحاول البعض من خلال الرؤية نفسها العمل على تحسين الاداء عن طريق تكنيكات تربوية ولكن تظل الرؤية واحدة والسؤال الذي ينبغي ان يطرح في ساحة التعليم هو لماذا نعلم ؟ .

وللاجابة على هذا السؤال نتضمن فلسفة التعليم واهدافه وتنبثق عادة من فلسفة المجتمع الذي يتواجد فيه هذا التعليم والنظرة المسحية لدول العالم تؤكد هذا التصور .

ففي الولايات المتحدة يسير التعليم وفق الفلسفة البراجماتية (الذرائعية ) وتنسحب بصمات هذه الفلسفة على جميع مفاصل الحياة في التعليم والاقتصاد والسياسة والقوانين والتشريعات …….الخ وبمعنى آخر يسير المجتمع الامريكي وفق نسق خاص به وهذا النسق متكامل بين الفكر والعمل ، الفكر هو الفلسفة البراجماتية والعمل هو النظام الرأسمالي والشعار المطروح ( الغاية تبرر الوسيلة ) .

بينما في روسيا والصين واوربا الشرقية يسيطر الفكر الماركسي وتنسحب بصماته على على جميع مناشط الحياة في التعليم والاقتصاد والانتاج وعلاقاته كذلك القوانين والتشريعات ، وبمعنى آخر يسير المجتمع وفق نسق خاص به ايضا وهذا النسق المتكامل بين الفكر والعمل ، الفكر هو الفلسفة الماركسية والعمل هو النظام الاشتراكي والشعار المطروح هو ( كل حسب جهده ولكل حسب حاجته ) .

بينما في اوربا الغربية يسيطر الفكر الفلسفي الليبرالي وتنسحب بصماته على مفاصل الحياة في التعليم والاقتصاد والسياسة والقانون …….الخ حيث يسير المجتمع وفق نسق خاص متكامل بين الفكر والعمل الفكر هو الفلسفة اللبرالية والعمل هو اقتصاد السوق الحر والشعار المطروح (دعه يعمل دعه يمر ) .

من خلال ماتقدم يتضح ان التعليم بحكم الانفتاح الحاصل وسهولة الاتصال وتأثير الثقافات وتفاعلها ان نجد ارهاصات ماركسية وليبرالية في الولايات المتحدة وكذلك قد نجد ارهاصات وفلسفة ليبرالية وبرجماتية في شرق اوربا والصين ولكنها في نطاق مرحلة التطور الحالي لاتشكل تغييرا في اي من نظم السياسة والتعليم ……. الخ

والمشكلة التي نواجهها انه يصعب الادعاء بأن لدينا فلسفة تربوية او تعليمية يسير التعليم داخلها وذلك بحكم افتقارنا الى فلسفة تربوية معينة يخضع لها مجتمعنا ، وقد انعكس كل ذلك على التعليم لدينا خلال الحقبة الماضية ويمكن عرض اهم العيوب الموجودة في التعليم لدينا بما يلي : .

(3)

اولا . فلسفة التعليم يصعب القول بأن هناك فلسفة تعليمية واضحة لدينا ويتمثل هذا في العديد من القضايا التي يصعب اتخاذ موقف ازاءها وذلك بسبب عدم وضوح الفلسفة التربوية وعلى سبيل المثال نستعرض يعض القضايا :

1. النظرة الى التعليم :. هل هو خدمة عامة تؤدي للافراد ، ومن ثم فما يصرف عليه يدخل في باب الاستهلاك ، ام انه عملية استثمار طويل المدى ينتظر منه عائد او مردود ومن ثم مايصرف عليه يدخل في باب الانتاج ؟
2. تخطيط التعليم :. ترتبط هذه القضية بالقضية الاولى فاذا كانت النظرة الى التعليم بأعتبارها خدمة عامة فيصبح التخطيط عملا ثانويا يدخل في باب الترف واذا كانت النظرة الى التعليم بأعتبارها عملية انتاج فأن التخطيط للتعليم يعتبر امرا اساسيا حيث يربط فيه مابين (مخزون التربية) وهرم العمالة من الناحيتين الكمية والكيفية .
3. محو الامية :. بسبب عدم وضوح الفلسفة التربوية التي تحكم التعليم العالي لدينا فأننا نلاحظ تصورات متباينة ازاء قضية محو الامية هل هي صفة حضارية ؟ هل هي عمل انساني ؟ هل هي ضرورة اقتصادية ؟ هل هي ضرورة سياسية ؟ …الخ من التصورات الااننا يجب ان ننظر اليها ليس على انها تعليم القراءة والكتابة والحساب ومن ثم نضيف اليها الدين ومن ثم تعدل الى محو الامية الوظيفي ثم تتطور الى المواجهة الشاملة .
4. اهداف المراحل التعليمية المختلفة :. ان وضوح الفلسفة التعليمية يتبعه بالضرورة وضوح الاهداف التعليمية لكل مرحلة ، كما ان عدم الوضوح في اهداف المراحل التعليمية وعلى سبيل المثال هل تهدف كل مرحلة الى الاعداد الى المراحل التالية وبذا تكون المراحل متصلة ام ان لكل مرحلة اهدافا محددة كالاعداد للحياة والمواطنة الواعية المنتجة وعليه تكون المراحل (متصلة – منفصلة ) ؟ ثم الى اي حد ترتبط اهداف هذه المراحل باهداف المجتمع الانية والمستقبلية ؟ بأعتبار اننا يجب ان نواكب التغيرات السريعة والمتلاحقة في الحضارة المعاصرة اذا اردنا ان نبتعد عن التخلف ونعوض الهوة الكبيرة بيننا وبين الدول المتقدمة .
5. اعداد المعلم :. ان المعلم هو حجر الزاوية في العملية التعليمية واذا لم يكن واعيا لفلسفة التعليم في مجتمعه فأنه بالضرورة سيلعب دور الناقل من الكتاب الى التلميذ وهذا هو الشائع الى حد كبير لدينا ويرجع هذا القصور الى نوعية اختيار المعلمين ونوعية اعدادهم ناهيك عن النظرة الى معلم المدسة الابتدائية باعتبتره اقل مرتبة ومن ثم فأن اعداده يفتقر الى الكثير من المقومات والاعداد السليم وتكاد تنعدم لديه رؤية الفلسفة التربوية ومن الطبيعي ان يقود ذلك الى عدم وضوح الفلسفة التربوية الى شكل التعليم ونظامه .

​(4)

ثانيا:. بالنسبة الى شكل التعليم ونظامه . :

1. معظم انظمة التعليم في العالم يتبع السلم التعليمي (6-3-3) يلي ذلك تعليم عالي وسنتطرق الى تفصيل المراحل التعليمية :.

المرحلة الابتدائية : لا تستوعب كل التلاميذ في سن الدخول ومن ثم هذا يؤدي الى رافد مستمر للامية ، كما ان السنوات الست لاتكفي لاعداد الطفل للحياة نتيجة ضعف المناهج ناهيك عن التسرب الحاصل في هذه المرحلة كما ان الكثير ممن انهو هذه المرحلة ولم تتح الظروف لهم فرصة الالتحاق بالمرحلة الثانية يرتدون الى الامية .

المرحلة الثانية : وتنقسم الى نوعين تعليم اكاديمي عام وتعليم مهني فني النوع الاول يقود بعض ممن يتخرج منه الى التعليم العالي ومن يفشل في هذه المرحلة يتجه الى سوق العمل بعيدا عن الدراسة ويؤدي الى رافد اخر للجهل وغياب او ضياع جهود سنين من الدراسة وعليه يكاد يقتصر التعليم العام على الاعداد للمرحلة التالية فقط وبمستى متواضع ، اما التعليم الفني فأنه يستقطب التلاميذ الادنى مستوى والاقل قدرة وفق نظرة المجتمع للتعليم الفني وهذا ايضا يكون طريقه مغلق نتيجة عدم وجود فرص العمل ضمن الاختصاص .

المرحلة الثالثة : ​التعليم العالي والتي تنقسم بدورها الى شقين الجامعات والمعاهد ويتوزع الطلبة عليها وفق المعدل والدرجات الحاصل عليها الطالب في نهاية المرحلة الثانية دون الاهتمامات بالميول والاستعداد لدى كل طالب والمتحكم في هذه المرحلة هو المعدل والتقسيم المركزي وعدد الاماكن الشاغرة ولايرتبط عدد المتخرجين سنويا بمطالب الوزارات ذات الاختصاص نتيجة الافتقار الى التخطيط فقد نجد وافرا في فرع ما ونقصا في فرع اخر .

2. المراحل التعليمية متصلة . من الملاحظ ان اتصال المراحل التعليمية يؤدي الى ان المتعلم ( الملتحق بالتعليم ) عليه ان يظل مابين (16-18) عاما في التعليم اذا اراد ان يحقق وصفا افضل كما انه بعد هذه المدة من الدراسة قد لايحصل على فرصة التعيين لعدم وجود شواغر مما يؤدي به الى العمل خارج اختصاصه ويصاحب هذا اخفاض في المستوى وليس ارتفاع ، كما ان هذا النظام قد قسم الحياة الدراسية الى مرحلتين مرحلة الاعداد وهي التعليم مدة (18)عاما ومن ثم الانتقال الى المرحلة الاخرى وهي الوظيفة والعمل وبأعتبار ادق ان مخزون المعارف خلال اعوام الدراسة ينفع الفرد في العمل الذي انخرط فيه والمطلوب من الفرد توظيف ما استوعبه خلال الدراسة في العمل وهذا الامر لايحصل الا اذا عمل ضمن تخصصه ورغبته .

(5)

3. الانفصام بين العلمي والادبي . لازالت النظم التعليمية في العراق تقسم التعليم الثانوي الى العلمي والادبي وكذلك التعليم العالي هناك كليات ومعاهد علمية واخرى ادبية كما ان البحوث ايضا فيها ماهو علمي وادبي وهذا التقسيم اصبح متحفيا فالعلم ماهو الاالمنهج الدي نتناول فيه الظاهرة المراد دراستها سواء اكانت بيولوجية فيزيائية او انسانية تاريخية اقتصادية سياسية …….الخ بهدف الكشف عن المتغيرات التي تحكمها بغية الوصول الى القانون العلمي الذي يتحكم في الظاهرة موضوع الدراسة وعليه يمكن اعتبار التاريخ علما اذا درس بطريقة علمية ومنهج علمي ويمكن ان تصبح الكيمياء لاعلما اذا لم تدرس وفق منهج علمي وهكذا الخ.

4. تعدد النظم التعليمية . والملاحظ ان لدينا اكثر من نظام تعليمي ، صحيح انه ربما كان الشكل واحد ولكن النظم متباينة فهناك التعليم الحكومي وهناك التعليم الخاص وكذلك التعليم الديني والتعليم الفني والمعاهد الخاصة وهناك الجامعات والمعاهد العليا ، قد يسمح بالتباين بعد التعليم الثانوي ولكن الخطورة هي في التعليم الثانوي ومايرافقه من من انواع ونظم في التعليم وهذا مايسهم في بناء ارضية فكرية متنافرة بين المتعلمين .

ثالثا :. مضمون التعليم ومحتواه .

لعل اهم سمة تميز التعليم في العراق هي اعتماده على اللفظ والكلام ويتبع ذلك الاستظهار ثم الاسترجاع في الامتحان ، ومن ثم يركز المعلم على التلقين وحشو اذهان التلاميذ بالمعارف والحقائق بطريقة ميكانيكية جزئية وعليه فأن التعليم هنا يكون قد فقد المضمون الاجتماعي والمضمون الانساني الذي يجب ان ترتقي اليه ويمكن طرح مجموعة ملاحظات خاصة بمضمون التعليم ومحتواه في المرحلة الثانية من التعليم :

1. هناك انفصال واضح بين ماتتناوله مناهج التعليم وكتبه وبين مطالب المجتمع وحاجاته ويعني ذلك ابتعاد عن واقع المجتمع ومطالبه .
2. هناك انفصام بين الدراسة النظرية والعمل اليدوي وذلك في ضوء اتجاه لازال مؤثرا في اذهان الكثيرين من عدم تقدير واحترام العمل اليدوي .
3. انقسام الدراسة الى علمي وادبي يحرم طلاب الدراسات الادبية من دراسة المواد العلمية في الوقت الذي يجب ان تتكامل فيه الجوانب .
4. المواد الثقافية التي تدرس في الاقسام العلمية قليلة كما وضعيفة نوعا .

اما بالنسبة للتعليم العالي وهو المرحلة الثالثة من التعليم فيمكن ان نطرح عدة ملاحظات هي :

1. تنعكس كل مشكلات التعليم الثانوي على التعليم العالي فهو يستقبل طلابا قاربوا العشرين من العمر ومازالوا غير مؤهلين للعلم والثقافة او العمل الوطني بالقدر الكافي .
2. ضعف واضح في اللغات ومنها العربية اما اللغة الانجليزية فالمستوى اقل بكثير مما هو متوقع من الطالب الجامعي .

(6)

3. ضعف في مستوى الثقافة العامة والثقافة الوطنية ، فالطالب غير ملم بالمشاكل العلمية لبيئته فيما يتعلق بالصحة والصناعة والزراعة ، واذا كان يدرس الاداب فانه لايعرف شيئا عن الادباء المعاصرين .
4. الفصل التعسفي بين دراسة العلوم والدراسة الانسانية بأعتبار الانسانيات ليست مهمة لطلبة العلوم وهذا راجع الى ان العلوم والتكنولوجيا في جانب والقيم والاخلاقيات في جانب اخر حسب ماموجود لدينا ، في الوقت الذي تؤكد فيه الحضارة المعاصرة على ان النمو المذهل في المعرفة العلمية وتطبيقاتها التكنولوجية يواكبه بالضرورة سلم من القيم والمفاهيم المرتبطة بها وكلا التنظيمين العلم (كالبناء التحتي )والقيم ( كالبناء الفوقي ) متكاملان بالضرورة .
5. لازالت معظم المناهج الجامعية بعيدة عن مطالب العصر المتطورة .
6. فكرة وجود كتاب جامعي اومنهج مقرر او ملازم يشتريها الطالب هي فكرة مهينة للعقل الجامعي ومسؤولة عن ضعف المستوى الى حد كبير ، فالمفروض في الطالب الجامعي ان يستمع الى المحاضر او حلقة المناقشة ثم يذهب الى المكتبة ليتزود ويبحث حول الموضوع المطروح ويكون لنفسه وجهة نظر .
7. البحوث في الجامعات للاساتذة او طلاب الدراسات العليا تفتقر الى خطة مدروسة واعية لاهداف البحث اذ ان معظمها بحوث نظرية تعالج مشكلات او قضايا بعيدة عن الواقع واقل اهمية مما نحتاج اليه . فنحن بحاجة الى بحوث موجهة بحوث تطبيقية لمواجهة سبل المشكلات الخاصة ب( الامن ، البنى التحتية ، التنمية الشاملة ،الاقتصاد ، البطالة ، تطوير الصناعات الوطنية …… الخ ) من الامور والمشاكل الموجودة على الساحة ، واما مايتم من البحوث حاليا فهو يهدف الى الترقية من جانب اعضاء هيئات التدريس لغرض الحصول ونيل الدرجات العلمية وما يتلوها من وضع مميز بين طلاب الدراسات العليا .
8. تفتقر الجامعات والمعاهد الى مقرر ومنهج ينمي الانتماء للوطن بحيث تكون كدراسة للمجتمع وتاريخه ومشكلاته ومطامحه وجذوره الثقافية والاقتصادية وخطط التنمية والمشروعات ومصادر الثروة ، وهكذا مقررات ومناهج تساهم في ربط الطالب بمجتمعه واحساسه بمشاكلاته .
وعليه فأن التعليم بهذه الصورة لايمكنه المساهمة في بناء البلد وتطويره كما لايساعد على المشاركة في الحضارة المعاصرة لذلك نراه مبتعدا تماما عن واقع العصر ومطالبه .

وهناك بعض الاعتبارات التي تفرض نفسها على التعليم ينبغي ان يعيها رجال التعليم والسياسة على السواء وفي الحق فأنه يصعب تطويع التعليم ليطور البلد او يساهم في تحقيق مطالبه من دون ان يتمثل بهذه الاعتبارات كنقطة بدء ، واهم هذه الاعتبارات هي: .

1. وجود تطور مستمر للاقتصاد وركيزة الاقتصاد الاساسية في البلد هي الصناعات الوطنية .

(7)

2. وجود تطور مستمر ومتزايد وذي ايقاع سريع للمعرفة العلمية وتطبيقاتها التكنولوجية .
3. وجود حاجة ملحة ومتزايدة للقوى البشرية المؤهلة تأهيلا عاليا والمتخصصة تخصصا دقيقا في كافة مجالات المعرفة وخصوصا بعد انوجاد سوقا دولية لذوي الكفاءات الموهوبين في مجالات المعرفة المختلفة .
4. تعديل مفهوم التربية واعتبارها خدمة عامة تؤدي للافراد على انها عملية انتاجية ينتظر منها عائد او مردود ، ولكنه عائد طويل الامد ومن ثم ماينفق على التعليم لاينبغي ان يدخل في باب الاستهلاك وانما يدخل في باب الاستثمار .
5. ان الاجيال القادمة ينبغي ان تحظى بتربية وتعليم اكثر شمولا وتنوعا بحيث يجب اعدادها لعالم سريع التغير والتطور وعليه يكون من الطبيعي تخصيص نسبة اكبر من ميزانية الدولة للتعليم لتحقيق اهدافه .
6. ولو انه ينبغي ان يعد النظام العام للتربية الافراد بأفضل قدر ممكن كما وكيفا فأنه سوف يعدهم بقدر اقل من التعليم المناسب لمستقبل حياتهم أذ أن اساسيات المعرفة وحقائقها في تطور مستمر في ظل ظهور المتغيرات الجديدة خصوصا في مجال التكنولوجيا وذلك يجعل الاعداد السابق متخلفا ولايساير التطور الحاصل ومن ثم ينبغي ان تكون هناك ترتيبات قائمة وفرص متاحة للافراد كي يستمروا في التعليم عقب انتهاء الدراسة النظامية لهم من خلال الدورات التطويرية التي تواكب التطور العلمي الحاصل في العالم .
7. لايخشى من وجود فائض في الحاصلين على شهادات عليا ولكن الخطورة تكمن في الاتجاه المضاد اي وجود نقص ، حيث ان اية مشروعات تعمل اليوم على تخريج واعداد قوى بشرية معدة اعدادا عاليا لن يتحصل عليها الا بعد عشر سنوات على اقل تقدير ومادام الاقتصاد يتطلب محتوى عالي من الكفاءة في العمل فأن امكانية زيادة القوى البشرية والامكانات العلمية المعدة اعدادا عاليا سوف ينشط معدل النمو والاقتصاد والتقدم التكنولوجي ومن ثم يصبح معدل الزيادة في الافراد اقل من قدرة الاقتصاد على الامتصاص مما يؤدي بالضرورة الى الاستفادة من القوى البشرية المعدة .
ومع تسليمنا بأن وعي هذه الاعتبارات هام بالنسبة للتعليم المتطور حتى يحقق مطالبه ويسهم في ايجاد صيغة للتعليم بحيث يكون بالمستوى المتطور وعصري الطابع ( وهويتمثل بالحضارة المعاصرة ) وانساني الهدف ( وهو المساهمة في البناء والتقدم ) .

وحتى يكون التعليم محققا لامال الجماهير ومساهما في بناء الانسان فأنه مطالب بان يترجم هذه الاهداف الى اهداف تربوية ومن ثم برامج تعليمية او اجراءات تعليمية .

ويمكن طرح القضايا التالية بأعتبارها اهم اهداف العملية التربوية :.

1. قضية تحقيق الامن .
2. قضية تخطي مرحلة التخلف الراهنة .

(8)

3.قضية التنمية الشاملة اجتماعيا واقتصاديا .
4. قضية الانفتاح على دول العالم من موقع مستقل غير ذي تبعية لجهة معينة ومواكبا لحركو التطور .

اولا : قضية تحقيق الامن . يشكل العراق مطمعا للدول الاخرى بحكم كونه مصدرا مهما للمواد الاولية وخصوصا النفط ووضعه الستراتيجي ويمكن تحليل قضية الامن فيه الى مجموعة من الاهداف التربوية المطلوب من التعليم ان يتبناها ويحولها الى برامج واجراءات ويمكن طرح الاهداف التربوية على النحو التالي ( تربوية الوعي السياسي لدى الطلاب ، تنمية مشاعر الولاء للوطن قبل كل شيء ، تنمية المهارات اللازمة لبناء الشخصية الحقيقية ، تنمية الاحساس بنحن للعراق ) .

ثانيا : قضية تخطي مرحلة التخلف الراهنة . يعاني العراق في المرحلة الراهنة من التخلف ازاء الحضارة المعاصرة ولسنا بصدد تحليل اسباب هذا التخلف لان جذوره تمتد لايام الامبراطورية العثمانية وماتبعه من الحكم الملكي ومن ثم الحكم العارفي وما تلاه من حكم البعث وما نتج عنه من تهديم للشخصية المثقفة وقتل الكفاءات العلمية وتشريدها ، والمطلوب من التعليم بعد انتهاء تلك الحقب ان يواجه هذه القضية وكي تتحول هذه القضية الى اهداف تربوية ثم الى اجراءات تعليمية ينبغي من التعليم ان يتبنى الاهداف التالية ( محو الامية بالنسبة للكبار والصغار ، احياء التراث وتنقيته من الشوائب ، تنمية الاتجاه العلمي لدى الطالب ، تنمية الاتجاه نحو العمل المنتج والمهارات اللازمة له ، تنمية الاتجاه ضد الاستهلاك الترفي والبطالة المقنعة ، تنمية الاحساس بنحن للعراق ) .

ثالثا : قضية التنمية الشاملة اجتماعية واقتصاديا . حيث ترتبط هذه القضية بسابقتها اذ انه بدون التنمية الشاملة فسيظل المجتمع متخلفا وتابعا فالتنمية هي السبيل للاستقلال العلمي والاقتصادي كما انها السبيل الى التقدم كذلك فان القضاء على التخلف يؤدي الى المزيد من التنمية الشاملة ومن ثم فالعلاقة بينهما جدلية بالضرورة ، والتنمية الشاملة تحقق بناء وطن صلب يرتكز على ركيزتين هما :

1. بناء قاعدة اقتصادية صلبة قوامها الصناعة الوطنية والاستثمار وتشييد المرافق والخدمات اللازمة من طرق وموانيء ومصافي ومطارات وخطوط اتصال ….. الخ ويتم ذلك في ضوء مسح شامل للامكانات العلمية والاعتماد على ماموجود من ثروات طبيعية فالعراق مشحون بالثروة والمهم هم القدرة على الاستثمار الصحيح لهذه الثروة وترشيدها وهنا يأتي دور الركيزة الثانية .
2. بناء كوادر بالكم والكيف المطلوبين في المستويات المتباينة لتقوم ببناء هذا الاقتصاد الصلب والمتكامل ، والتعليم يلعب دورا اساسيا في بناء هذه الكوادر ومن ثم تبرز قضية التخطيط العلمي الذي ينبغي ان يكون متوازنا مع التخطيط

(9)

الاقتصادي بل لانغالي اذا قلنا ان التخطيط التعليمي والاقتصادي هما وجهان لعملة واحدة . وينبغي ان تتضمنها خطة واحدة فالتعليم يكون ( المخزون التربوي ) بمستوياته المتباينة . والاقتصاد يبني هياكل ويقيم مشروعات مختلفة وبعبارة اوضح ان المخزون التربوي يمول هرم العمالة وهرم العمالة يستند على قاعدة من العمال نصف المهرة ، ثم يصل في في قمته الى الكوادر العليا في كافة الاختصاصات مرورا بالفنيين في منتصفه .

وعليه يمكن القول ان التعليم مطالب بتبني مجموعة الاهداف التربوية التالية وتحويلها الى اجراءات تعليمية :.

1. بناء اتجاه لدى الطالب بان التعليم والعمل متلازمان طوال الحياة .
2. تنمية حاجة الانتماء للوطن والارتفاع عن النعرات الطائفية والعرقية والقبلية .
3. تنمية وعي اخلاقي وشفاف لدى الطالب .
4. تنمية ارضية فكرية لدى الطالب على اساس علمي .
5. تعريف المتعلمين بأمكانات البلد الاقتصادية والعلمية والتاريخية واعدادهم لمواجهة التحديات .

رابعا :. قضية الانفتاح على دول العالم من موقع مستقل غير تابع في المرحلة الحالية من تطور العالم فليس من السهل على اي دولة او مجتمع ان ينغلق على نفسه وقضية الانفتاح معناها الانفتاح على حضارة العصر الشمولية العالمية ومن يرفضها ولم يشارك معها وفيها فأنه سيصير الى الضمور والاندثار والانقراض .

والتعليم يعتبر المصدر الاساسي لبناء الكوادر في البلد ولاكساب هذه الكوادر القدرة على وضع تكنولوجيا متقدمة فالتكنولوجيا ماهي الاالتطبيق العملي للعلم النظري او تحويل الافكار العلمية الى انجازات عملية في صورة اجهزة الحاسبات الالكترونية وعليه فالتعليم مطالب بتبني مجموعة الاهداف التربوية وتحويلها الى اجراءات لتحقيق اهداف قضية الانفتاح وهي :

1. تنمية الوعي الحضاري من منطلق انساني .
2. احياء التراث الحضاري في كافة مجالات المعرفة وتنقيته من الشوائب .
3. تربية منهج نقدي لدى الطالب .
4. تنمية الاحساس بالانتماء والانفتاح على الحضارة المعاصرة اي التكنولوجيا المتقدمة والمشاركة في صناعتها .
ومن هنا نشير الى ان الاهداف التربوية الطروحة متصلة بالضرورة ومتداخلة اي انها ليست منفصلة ويبقى الان محاولة ترجمة الاهداف التربوية المطروحة الى اجراءات وخبرات تعليمية مطلوب من التعليم ان يحققها من خلال المدرسة والجامعة والمناهج والكتب ثم من خلال المعلم والانشطة الاخرى المصاحبة للتعليم ويمكن تقسيم هذه الاجراءات الى :.

(10)

1.اجراءات خاصة بفلسفة التعليم واهدافه
2. اجراءات خاصة بشكل التعليم ونظامه .
3. اجراءات خاصة بشكل التعليم ومحتواه .

ونتسارع في البدء فنقول ان هذه النقلة في التعليم لابد ان تتم في ضوء مجموعة من القرارات السياسية ذات المضمون الاجتماعي والاقتصادي تتخذها السلطة السياسية في البلد وبدون هذا فان الاجتهادات الفردية مهما كانت جادة ومخلصة لن تستطيع بمفردها تحقيق هذا الطموح .

اولا : اجراءات خاصة بفلسفة التعليم واهدافه . ذكرنا في ما تقدم ان فلسفة التعليم غير واضحة ولو ان معظم القيادات التربوية الحالية متاثرة بوعي او بدون وعي بالفلسفة البراجماتية نتيجة التطور الحاصل في الفكر البراجماتي وغزوه للعالم ، وبجانب هذا النوع نجد فئة قليلة متاثرة بالفكر الليبرالي واقل منها بالفكر الماركسي نتيجة اندثار هذا الفكر خلال السنوات الاخيرة.

والواقع ان على التعليم ان يبحث ويتخذ له فلسفة تعليمية خاصة به يحاول من خلالها عبور مرحلة التخلف نحو التنمية الشاملة من اجل الانفتاح على المستقبل المتطور ، اي ينبغي ان تكون القضايا الثلاثة التي طرحت سابقا هي الاطار المرجعي لاي اجراءات تعليمية من اجل ايجاد فلسفة تعليم صحيحة وفي هذا الاطار يمكن طرح الاجراءات التالية :.

1. ضرورة تغيير النظرة الى التعليم واعتباره عملية استثمار طويلة الامد وعليه يجب وضع ميزانياته ضمن ابواب العمل الانتاجي .
2. اعتبار التعليم حق للجميع وواجب عليهم .
3. العراق بحاجة الى متعلمين منظرين وفنيين مهرة من اجل وضع نظريات وتطبيقها على ارض الواقع .
4. يجب بلورة الاهداف التربوية في ذهن المعلم من خلال تحليل اهداف فلسفة التعليم ووضع ايضاح لها داخل الكتب والمناهج حيث يكتسب الطالب احساسا بأهداف التعليم وكذا الحال بالنسبة للمتعلمين وواضعي الكتب والمناهج وتعريفهم بان التجديد شيء وارد والنمو متصل بالمعرفة في ضوء مايظهر من متغيرات جديدة وبصفة مستمرة .
5. المعلم مثلما قلنا هو حجر الزاوية في العملية التربوية وينبغي اعداده ليؤدي مجموعة ادوار اهمها ( توجيه الطلاب نفسيا واجتماعيا ، توجيه عملية التعليم ، نقل التراث بعد غربلته وتطويره ) ومن هنا فان اعداد المعلم الابتدائي والذي سيكون معلما للمراحل الاولى من اعداد النشيء لابد ان يخضع لضوابط في اعداده وبرامج تمكنه من اداء دوره المطلوب منه بحيث ينظر اليه كقيادة تربوية لاتقل قيمته عن قرينه في مراحل التعليم اللاحقه .

(11)

ثانيا:. اجراءات خاصة بشكل التعليم ونظامه .

حتى نحقق ارضية علمية صحيحة وتتطابق اتجاهات النشيء الجديد ازاء اساس ثقافي وازاء اتجاهات مطلوب بناؤها ازاء قيمة العمل واحترام العمل اليدوي ولكي نتجاوز التمايزات الطبقية فان المدرسة الشاملة ذات التسع سنوات الابتدائية وهو مامعمول به في دول العالم المتقدمة هو انسب الصيغ لشكل التعليم الالزامي الاساسي .

كما ان المرحلة الثانية (الثانوية ) فهي مقسمة الى قسمين ( عام وفني ) وكذلك الحال بالنسبة للتعليم العالي حيث انه مقسم بدوره الى كليات ومعاهد حيث يجب ان يتمايز الاعداد فيها فالكليات من المفروض ان تهدف الى اعداد اكاديمي يغلب عليه الطابع البحثي واثراء العلم النظري بينما المعاهد يجب ان تهدف اساسا الى اعداد فني تطبيقي يغلب عليه الطابع العملي الموجه كحل لمشكلات المجتمع الاقتصادية والاجتماعية …..

واخيرا ولست هنا بصدد تحديد مقرر او منهج معين في مرحلة معينة او صنف دراسي خاص انما يترك ذلك للجان المختصة والتي تضع على عاتقها ذلك حيث تقوم بتخطيط الاجراءات التعليمية ووضع تفصيلاتها ومستوياتها وفق سني الدراسة المختلفة بداية بالمناهج التعليمية للمدارس وانتهاءا بالكليات والمعاهد .

اجراءات المساعدة :.

1. تأليف امهات الكتب من منطلق علمي في المواد الثقافية العامة والاساسية مثل ( التاريخ ، الجغرافية ، التراث ، الامن ، الاخلاق ، الحاسوب ، اللغات غير الانجليزية ، المنطق ، …….الخ وتدرس ضمن مناهج الدراسة الابتدائية والثانوية .
2. توحيد المصطلحات العلمية والثقافية .
3. انشاء مؤسسات للتأليف والترجمة والنشر مدعومة لرفد الطلبة في مرحلة البحث والتأليف .
4. انشاء مؤسسات للبحث العلمي ترعى اصحاب البحوث العلمية وتمدهم بالمصادر والتمويل المادي .

وفي الختام فأن التعليم يعد هو السلاح الاول الذي يجب ان تمسك به الحكومة من اجل النهوض بواقع المجتمع والقضاء على مظاهر التخلف والجهل وبناء العراق الجديد …..

المقال السابقالفنان عبد الباري العبودي
المقال التالىدلشان قره جول و كاميرتها التي ستقول كثيراً
محمد الساعدي اعلامي عراقي حاصل على بكالوريوس اعلام وحاليا طالب في العلوم السياسية.. معد ومقدم 26 برنامج سياسي في 8 قنوات فضائية .. سكرتير تحرير صحيفة البعد الرابع الدولية ل3 سنوات.. مدير اعلام هيئة النزاهة 4 سنوات... مستشار اعلام مكتب مفتش عام وزارة الموارد المائية سنة واحدة. شارك في دورات عدة في ف....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد