لقاءٌ من طرفٍ واحد

 

عطرهُ الفوَّاح يجتاحُ أركان غرفتهِ وسط فوضوية المكان. حركاتهُ المُتسارعة، وبحثهُ عن ربطةِ عنقِ مناسبةٍ كانتْ كمهمةِ جنديٍ يُجاهدُ لارتداءِ درع. كانتْ المرآةُ محطتَهُ المُكرَّرة عند كل دقيقة. كل تلك الجلبة تخللتها مُناداتُهُ لِأُمِّهِ وصراخُهُ بأنْ تستعجل بجلبِ حاجياتهِ لتأخُّرهِ عن موعدِ اللقاء.
كانتْ دموعُ أمِّهِ مُحيِّرةً مَنْ يشاهدها. دموعُ حُزنٍ تلكَ لا شك. لو كانتْ دموع فرح، لغزتها ولو شبح ابتسامة. كيف لا تكون دموع حزن، وهي تنتحب؟! لكن لماذا؟
يدنو (يامن) يُقبِّل رأس أُمِّهِ مُطمئناً إياها قائلاً:
– يا أُمِّي! لا تبكي أرجوكِ. فأنا ذاهب للقاء حبيبتي، ولا أريدُ أنْ تراني حزيناً. ألم تكونِي فرحةً حينَ كانتْ لي عروساً قبل أربع سنين؟! ما الذي تغيِّر الآن؟!
زادتْ الأُم من نحيبِها وكأنَّها تُخفِي قصةً غامضةً بينَ أضلاعِها وهي تولولُ على اشتياقِ ولدِها لزوجتهِ الحبيبة.
عادَ يامن ليُقبِّلَ رأسَ أُمِّهِ من جديد، ويرتحل بخطواتٍ متسارعةٍ للقاء زوجتهِ الحبيبة؟ وهو يحملُ باقات الورد المحببِ إليها عساها تكسر العناد، والرحيل وتعود لبيتها، ولطفلتها ذات الثلاث سنين، التي تركتها كيتيمة.
يركنُ سيارته عند أول الشارع، ويترجَّلُ بقلبهِ قبل أقدامه ليصل إليها بعد هرولة الشوق، التي فضحتْ ضعفه أكثر منها. فهي التي كانت ساكنة من دون حراك، ولم يستفزها أي شعور.
جلس قبالتها شارحاً موضحاً مُفسراً كل ما أخذه رحيلها عنه من آمان، ونور، وعطور زكية. راح يسردُ ويشرحُ ويطيلُ الحديث تارةً، وأُخرى يقصر إلى أنْ افرغَ ما بجوفهِ منْ قصص من دون أنْ ينبسَ قبرُها بحرف.
هند العميد.

لا تعليقات

اترك رد