المرئي و اللامرئي عند مارلوبنتي – ج 3


 

إن الصورة كما درج عامة الناس على تحديدها أو كما عرفها الموروث الفلسفي القديم هي كما يقول مارلوبنتي” سيئة السمعة “. ويبرر ذلك بالاعتقاد الشائع ” ان الرسم ماهو الا تقليدا و نسخة”. وهو ما نقرأه تحديدا عند أفلاطون حينما يعلن في كتاب “الجمهورية” أن الرسم ” تقليد لمظهر الحقيقة”. ولهذا يكون وهما من الدرجة الثالثة قياسا على الحقيقة في ذاتها . ولعل الصورة الذهنية لا تقل سوء سمعة عن الأولى إذ هي ” رسم من هذا الطراز في مخزن سقط متاعناالخاص “.
إن هذه الإدانة للصورة ليس لها ما يبررها وهو ما يجعل مارلوبنتي يوجه نقده لهذه التصورات التي حقرت من شأن الصورة ومن الرسم تحديدا. ففي سياق حديثه عن الصورة الذهنية و عن الرسم يقول: ” إنهما داخل الخارج وخارج الداخل اللذين يجعلهما ازدواج الحس ممكنين واللذين من دونهما تنتهي مسألة الخيالي برمتها “.
فالخيالي هو ما يتيح للرائي أن يستجيب لايماءات ما تمثله الصورة.وهذا الخيالي هو الذي يزيح المسافة بين الذات المبصر ة و وما تشع به الصورة من معاني تعبر عن امتلاء العالم .
والخيالي هنا هو أيضا ما يعطي مضمون الصورة واقعية القرب و البعد،فيجعله مضمونا متحركا حيا حيوية الخيال الذي يبعدنا عن جماد المضمون و ثباته و موته وهو ما تقوله عبارة مارلوبنتي :” إن الخيالي أكثر قربا من الذي بالفعل و أكثر بعدا عنه : أكثر قربا بما أنه الرسم البياني لحياته في جسدي وبما أنه لبابه و قفاه اللحمي المعروض لأول مرة للإبصار . وهو أكثر بعدا بما أن اللوحة ليست مثيلا إلا تبعا للجسد وبما أنها لا توفر للفكر فرصة التفكير من جديد بالعلاقات التكوينية للأشياء.”

هكذا إذن تستيقظ اللوحة بشكلها و مضمونها حينما نلتقيها بخيالنا ،و تنقدح داخلنا عوالمها فنشيع بها حيوية ،إنها جدلية التفاعل المكون للمعنى في تقدير مارلوبنتي . و حينئذ فلا جدوى يقدمه مجاز الحديث عن ” عين ثالثة ” كما تم الحديث بشكل لا مجدي سابقا عن ،” أذن ثالثة تدرك رسائل الخارج”. فالأمر لما فيه من طرافة يتوقف عند قدرتنا على فهم معنى ” أعيننا اللحمية ” هذه الأعين التي ليست مجرد ” أجهزة إستقبال للاضواء و الألوان و الخطوط” كما يعتقد بل هي” حاسبات للعالم لها موهبة المرئي”.
إن العين في رؤية الرسام” لا تتعلم إلا وهي ترى …إنها ترى العالم وما ينقص العالم ليكون لوحة وما ينقص اللوحة لتكون ذاتها.” فهي تعيش تفاصيل تكون اللوحة قبل إستكمال إنجازها لأنها تعلم الألوان قبل وضعها على المناظر وترى المناظر قبل انبجاسها بفعل تكامل الأشكال و الألوان.
والعين أكثر من ذلك كله ” أداة تحرك ذاتها ووسيلة تبتدع غاياتها ،إنها ذاك الذي قد أثر فيه اصطدام معين بالعالم وهي تحيل ذلك الاصطدام الى المرئي بواسطة ما تخطه اليد.”فهي تؤكد دائما أنها ترى اللامرئي فتظهره مرئيا ،وهي حينما ترى المرئي ترى ماهو غير مرئي فيه .وذلك هو “لغز المرئية “؛في الرسم منذ ” لاسكو” إلى أيامنا هذه.
وعالم الرسام حسب مارلوبنتي يحتمل القول دائما أنه” عالم مرئي ولا شيئ غير كونه مرئيا” ولكن سمته الثانية أنه دائما جزئيا حتى وإن كان تاما لأننا نراه غير مكتمل. فالرؤية نافذة جديدة دوما تتفطن لامكانات جديدة لا تدركها ولا تتفطن لها الرؤية العادية. إن رؤية الرسام تقودها ؛ نظرية سحرية؛ بلغة مارلوبنتي فهي “مرآة” وهي ” عالم خاص نطل بها على عالم عام” .وهي تنتهي بنا في نهاية المطاف الى إدراك ” أن نفس الشيئ كائن هناك في قلب العالم وكان هنا في قلب الرؤية” ” فالجبل نفسه هو الذي من هناك يراه الرسام وهو الذي يساءله الرسام ببصره” .وهكذا تتقوض أبعاد ومقاييس الهنا والهناك لحظة رؤية الرسام و ابصاره الجبل.
فنظر الرسام تفكك طلاسم العالم فتراه.والمرئي بهذا المعنى يحرر الأشباح الحبيسة عندما تسلط عليه رؤية الرسام .و مارلوبنتي لا يعتبر ان الرؤية يجب ان تتعلم فتكون ” رؤية عليمة بكل شيئ” ” الرؤية لا نصنعها نحن بل هي تصنع ذاتها فينا” ومهمة الرسام تتمثل في ” ان يطلق ما يرى فيه وان يقذف به إلى الخارج” إنه يعكس ما بداخله إلى الخارج بعد أن نفذ إليه.،وحينئذ ” فبين الرسام وبين المرئي تنقلب الأدوار حتما” كما يقول مارلوبنتي ،إذ بافتتانه وأفعاله ورسومه التي هو وحده قادر عليها ” تلغى مقاييس الحدود بين الذات والموضوع، ويتحول الرسام الى واقع تحت اختراق الكون والمناظر ،حتى يصبح من غير الممكن أن ندرك من هو الرائي ومن هو المرئي .إن ذلك هو ما يؤكده ” مارشان” marchand بعد ” بول كلي” كما يذكر مارلوبنتي . فاشجار الغابة هي التي تنظر الى ” مارشان” كما يصرح بما يحس وهي التي تكلمه .أما هو “فكان هناك مصغيا “. وهكذا فالرسام كما يقول ” مارشان” وكما يستعيد قولته مارلوبنتي ” ينبغي ان يخترقه الكون لا أن يريد هو اختراق الكون ..فأنا أنتظر أن انغمر داخليا وان اندفن .ولعلني أرسم لانبجس.” تلك هي منزلة الرسام وذلك هو معناه لا نكاد نعثر عليه مستقلا متميزا عن أثره سابقا أو مسبوقا .فحضوره ملتبس دائما بحضور العالم وتلك هي قوة العلاقة التفاعلية التضمنية بين الحضورين.
وبذلك فإن الرسم يزيل اسيجة واسوار المقولات والحدود الزمانية و المكانية و الذاتية و الموضوعية و المرئية واللامرئية ويلغي مسافات الفصل وأدوات العزل وهو ما ينتهي اليه مارلوبنتي” أن الرسم يخلط كل مقولاتنا : الماهية و الكينونة، الخيالي و الواقعي ،المرئي واللامرئي، وذلك ببسط ما في عالمه الحلمي من الماهيات اللحمية والمشابهات الناجعة للدلالات الصامتة”.
إن الرسم ممارسة فنية ترتقي بالإنسان إلى مجاوزة حدود العقل ومقولاته.إنه كما تكشف هذه المقاربة الفينمينولوجية تجربة وجود حقيقي ونحت لكيان الذات .إنه ينتشلنا من بؤس اوهامنا فيجعلنا نلتحم بجسديتنا التي تنبض بالعالم في صخبه وحيويته وتدفقه فنكف عن الوقوف على أعتاب ذواتنا لنتحرك نحو اغتباط وجودنا كما يشيع العالم فينا عابقا بمعاني الكينونة والإقبال على الحياة .

لا تعليقات

اترك رد