دعوة صلح بين ملوك لعبة الشطرنج

 

في فلم وثائقي من إنتاج الشبكة الإعلامية الأمريكية PBS, وثق الصحافي الامريكي Martin Smith (في فيلم وثائقي طوله ثلاث ساعات باسم Bitter Rival) تاريخ الشرق الأوسط ما بعد ثورة الخميني في إيران سنة 1979. فقبل ذلك التاريخ، كان الشرق الأوسط مقسم بين الملكية-الرأسمالية و القومية-الاشتراكية. و لكن مع دخول التيار الإسلامي الممثل بثورة الخميني، لم يعد الشرق الأوسط كما كان، فقواعد اللعبة تغيرت بشكل جذري. فلقد تحول الشرق الأوسط من ساحة حرب ثنائية بين الرأسمالية و الاشتراكية إلى ساحة حرب بين ثلاث أطراف. تتناحر في ما بينها و نكون نحن الشعوب من يلعب دور الجنود في لعبة الشطرنج، حيث لا نكون فيها مركز اللعبة، و يضحى بنا لسبب و لدون سبب.

طبعا المناوشات ما بين تلك التيارات كانت محدودة في فترة النزاع بين الملكية و الاشتراكية، حرب واحدة في اليمن و عمليات صغيرة و محدودة هنا و هناك لكن كلها كانت في الريش.

و لكن بعد تلاشي الشيوعية، رجعنا إلى اللعبة الثنائية، حيث أن الغريمان هما الملكية-الرأسمالية و الدينية-الاشتراكية، و نرى هنا كيف أن الشرق الأوسط بدوله و شعوبه قسموا إلى هذان التياران. و بدأت المطحنة تدور و تسحق الاخضر و اليابس. و تطول القائمة هنا من عدد القتلى و المعاقين، مرورا بالأيتام و العوائل المفتتة و كل الظلامات الاجتماعية و انتهاء بجحافل اللاجئين (انا واحد منهم) الذين ملؤا العالم و جلبوا معهم بؤسهم و احزانهم و مشاكلهم.

و لم يكن هذا الصراع محصور في دولة معينة، فكلما مضى الوقت، تكبر رقعة الحرب. ففي الثمانينات، كان النزاع يدور في العراق، فنحن العراقيون كنا اول من دفع الثمن الباهض منذ البدء و الى ما شاء الله.

لكن في السنين الأخيرة، أدخلت دول عربية اخرى في المطحنة، مثل سوريا و اليمن، و لم نستطيع منذ ذلك الحين أن نسمع الأخبار إلا و نرى و نسمع الفجائع تلو الفجائع. حتى أن الغوغل نفسه يمنعك من البحث عن الصور و الأفلام الاخبارية لما بها من فداحة و عنف!!

و تستمر المطحنة في الدوران من دون توقف، و كلى الطرفين (ايران و السعودية) يصعدان باستمرار.

فهنا تدعم ميليشيات بالسلاح و المال و اهم هذا الغطاء الديني، فالقاتل و المقتول يعتقدون بأنهم سوف يدخلون الجنة لأن حربهم هي “جهاد”. و حتى عندما سأل Martin Smith المسؤولين من كلى الطرفين عن الضحايا في النزاعات المختلفة، لم يكونوا يتكلمون عنا نحن الشعوب بصفتنا بشر، بل ارقام و احجار لعب لا معنا لها، فنحن هم الهبل الذين نتبع هذا الطرف او ذاك، أملا في فسحة من العيش و وعد “بالجنة”.

و هنا تعقد ايضا تحالفات شرقا و غربا بعقود ذات قيمة مهولة، فالله اعلم ما هي كمية الأموال التي تصرفها إيران، فلا اعتقد بأن العمائم تجرؤ على الفصح عن تلك الارقام، لكنا نعرف قيمة عقد السلاح الذي ابرمته السعودية مع أمريكا و الذي كان بقيمة 400000000000 $ ( نعم إن عدد الاصفار صحيحة) و هذا فقط لشراء أسلحة لن تستعمل إلا في نزاع واحد. و أنه ليحزنني أن نصرف (نحن العرب و الشرق الأوسط) كل تلك الأموال على أسلحة لن تقتل سوانا نحن الأناس العاديين من اليمن، سوريا و العراق و اي مكان آخر سوف يقع النزاع فيه. و ما يزيد الملح في الجرح هو استهزاء ذلك المهرج المدعو “ترامب” بأن تلك الاموال هي “فستق عبيد” (peanuts)، يا ترى ماذا يمكن لتلك الاموال صنعها لو استثمرت في بناء المجتمعات؟

و إلى متى نستمر بهذا العته؟ سؤال يمكن أن يكون هجين، فالذي يطرحه يجب أن يكون مناصر لأحد الطرفين لكني لا مع هذا و لا مع ذاك. فأنا أمثل المواطن العربي (الشرق اوسطي)، ذلك الكائن المفكر المسحوق.

ولربما كنت ذلك الفتى الصغير الذي قال بعلو صوته “الإمبراطور عريان”، فعلى أحدهم أن يقول الحقيقة التي يبدو أن الطرفان غافلان عنها.

الحقيقة هي أن هذه اللعبة خاسرة منذ البداية، لأن إيران لن تنتصر على السعودية، و السعودية لن تنتصر على إيران، و هذه حقيقة جيو-سياسية لا يمكن تغيرها.

فالجغرافية لا يمكن تغيرها، و الطموح الايرانية بنشر الثورة “الإسلامية” لن تنجح لأن اكثر الناس ليسوا مناصرين للحكم الإسلامي. و الطموح السعودي بحيازة السيادة المطلقة على المنطقة لن تنجح ايضا لأن طموح المواطن العربي لا يتمثل فقط في انشاء حياة فارهة و في نفس الوقت فارغة من المحتوى الفكري.

و بما أنني نكأت هذا الجرح، فلا بد من مداواته. إن المتنافسين في هذه اللعبة المعتوهة، لا يملكان فكر ناهض يستطيع حمل الشعوب عبر هذا الزمن، و لذا فإن النزاع كله هو عبثي و لا نتيجة منه سوى خسارة في الارواح و الحقوق و الأموال.

هذه دعوة صريحة إلى ملوك لعبة الشطرنج، الملك الابيض و الملك الأسود، تعالوا فلنلتقي على ارض محايدة و اجلبوا معكم وزرائكم و فيلتكم و احصنتكم و قلاعكم، و لكن دعوا الجنود على الرقعة ليستريحوا من الموت لوهلة. فهؤلاء الجنود هم شعوب بأكملها و هم ملوا من الحرب، و نشفت عروق ابنائهم من الدماء.

فلو استمرت هذه اللعبة المعتوهة فسوف تموت الجنود و من بعدها القلاع و الاحصنة و الفيلة و حتى الوزراء، و سوف يبقى الملكان لوحدهما على رقعة فارغة و تنتهي اللعبة على التعادل الخاسر (Remi).

تعالوا و تقاسموا مصالحكم بشكل حضاري و ناضج. و دعوا الناس تعيش، دعوا اليتيم العراقي يحظى بشيء من السلام، دعوا الطفل السوري يلعب في الزقاق بدل أن يغرق في البحر المتوسط و دعوا الفتاة اليمنية تأكل كسرة من الخبز حتى تواري عظامها من الجوع.

1 تعليقك

  1. مهند العطار

    أشكرك على هذه المنشور

Comments are closed.