إغتراب العقل العربي

 

تاريخيا، لم تعرف الدول العربية الانغلاق الثقافي او التشدد الديني، فقد كانت مجتمعات منفتحة على الأمم الأخرى بجوارها، وقائمة على التعايش مع مختلف الأديان والثقافات والحضارات بحكم تواجدها ضمن جغرافيا تواصلية الي أن جاء الإسلام السياسي بحمولته الفكرية وتراثه الفقهي وتياراته المؤدلجة فضرب صميم الثقافة العربية فانتكست الشعوب والمجتمعات الي الوراء وحدث ما حدث من تراجع على مختلف المستويات بفعل تضافر عدة عوامل سياسية واقتصادية واجتماعية استمرت الي اليوم.

فإعاقة التقدم لا تتم إلا بفعل عوامل متعددة، منها فشل الاقتصاد المنتج واستبداد الحكام وبقاء نمط العلاقات الاجتماعية على الأفكار القديمة. ورغم ذلك يشكل تسييس الدين أحد أكبر وأهم العوامل السياسية والاجتماعية في تأخر مجتمعاتنا لما يخلقه من روابط مذهبية وولاءات طائفية أعلى من هوية الوطن والمواطنة، ولما يصنعه من تعاليم جامدة لها أحكامها المسبقة لتؤثر على النشأ بصورة سيئة تحمل طباع وسمات التطرف والكراهية والتكفير.. فالدين في وضعه الطبيعي والتاريخي لا يعد عاملا رجعيا، ولكن استخدام الانسان له في مجالات ليست له او لا تلائمه تجعل منه أداة للهدم والتراجع الحضاري. فقد لاحظ العديد من علماء الاقتصاد والفلسفة والاجتماع الدور الذي يلعبه الدين في عملية التمويه الايديولوجي وبالتالي تكوين الوعي الزائف لدى الأفراد، الأمر الذي يجعلهم يعيشون حالة من الهروب الديني، أي الهروب الي التدين المفرط لتعويض النقص وتسكيين الآلام. فاليوم، تشهد المجتمعات العربية هروباً دينياً كبيراً كتعبير عن الأزمة الخانقة التي يمرون بها وتفوق الدول الغربية وغيرها ممن اختطت نهج العلمانية في تسيير أمورها.

لقد أكد العديد من علماء الاجتماع أن الحرمان الاجتماعي والاقتصادي يعمل على زيادة الولاء الديني عند الأفراد. والواقع أن اتجاه الشعوب في مجتمعاتنا نحو ممارسة العبادات والطقوس الدينية في الوقت الذي يعزفون فيه عن المشاركة الاجتماعية والسياسية العلمانية يؤكد العلاقة العكسية بين الهروب إلى التدين من جهة والمشاركة

الاجتماعية والسياسية من جهة أخرى. فكلما تزايد هروب الفرد الي التدين كلما قل نشاطه السياسي والاجتماعي. وهنا نصل تماما الي معرفة مفهوم الاغتراب الذي استخدمه ماركس لتحليل الوعي الزائف الذي يعمل الدين على تكوينه لدى الأفراد في المجتمع.

لقد وضع العرب والمسلمون ثقتهم اللاعقلانية في الهوية الدينية والطائفية، فأصبحت المؤسسة الدينية مستبدة ورجل الدين حاكما بعد الحاكم إن لم يكن له شريك كما يحدث حاليا في العديد من الأنظمة العربية والإسلامية. فيما أصبح المواطن عاجزا فقيرا خائفا ليعيش مسحوقا يسمع ويطيع فقط .. وهنا أصبح لزاما علينا إذا ما أردنا إعادة العقل العربي الي مساره الصحيح إسقاط كل الدعوات التي تحاول صناعة دول بنكهات دينية، فهذا الامر لم ينجح تاريخيا ولن ينجح بالتأكيد اليوم الا على جثث الأبرياء والضحايا لتكون او يكون مفهوم الدولة الدينية هو الاستبداد لأنها دولة تفرض رؤية أحادية على وطن متعدد الهويات والأديان والعرقيات.

فكيف للدولة الدينية الفارغة من الهيكلة الادارية والمؤسساتية والديمقراطية أن تحكم بالدين والذي بدوره أتى لتحسين الأخلاق وتقويم البشر دون أن يفرض نمط الحكم وبنى الدول والمجتمعات. إن الإشكالية في تشبيهنا للدولة الدينية بأنها الدولة المثالية الأفلاطونية هو إن كثيرا من العرب والمسلمين لديهم صورة عن الدولة الإسلامية لا وجود لها إلا في أذهانهم وفي بطون كتب التاريخ الاسلامي، فهم يعتقدون أن هناك شيئا عظيما او معجزة ستهبط عليهم من السماء حين يستنسخون تجارب الأولين، لكن الواقع لن يكون أكثر من تدمير لطاقات الانسان وهدر لموارد مجتمعاتنا في سبيل إعادة تلك الصورة المتوهمة في الأذهان، وها نحن الي اليوم نشهد مشاريع عبثية لاحياء الخلافة الإسلامية في أكثر من صورة ومشهد على امتداد عالمنا العربي والاسلامي.

إن نجاح الدول ليس رهنا بتطبيق الشريعة أو جعل الإسلام مصدرا او المصدر الرئيسي للحكم فهذا لا يقدم ولا يؤخر في تنمية البلدان وتثقيف الشعوب، فتجارب

الدول الإسلامية ينقصها الكثير والكثير جدا في مجالات كثيرة، فمؤشرات ومعايير التقدم والتطور، نفتقدها بشدة أو هي غير موجودة أصلا لأنها تتعلق بالحريات الفردية وبمنظومة حقوق الانسان والديمقراطية وتداول السلطة وحكم الشعب وحقوق المرأة والطفل ونمط الاقتصاد ودور التعليم ومناهجه. ولهذا علينا أن ندرك أن التقدم والتطور عملية لا تتعلق بما يؤمن به الإنسان من أفكار ومعتقدات دينية، بل بما يحققه من عمل وإنجاز وإبداع في مجالات العلوم والفلسفة والأخلاق.

لا تعليقات