معاني المدنية والتنوير في ولادة المسرح

 

نافذة 2: المسرح والحياة

على مدى 30 أسبوعاً كانت هذه الزاوية تعالج بإطلالاتها جوانب من إشكاليات (منطق العقل العلمي) في محاور تتناول منهجه وأبعاد اشتغالاته بإطار الأسباب والنتائج والتفاعلات بما كان الهدف منه قد تجسد في تعميق مهام التنوير والتقدم بفعل الإنسان وإرادته إلى حيث المؤمل فيمن ينتمي إلى عصرنا لا إلى وهم اجترار الماضويات المتكلسة أو أضاليل الاتكاء على تراث فيه الغث وفيه السمين ما يتطلب غربلة وفرزاً وإنجازاً جدياً جديداً يعتمد فعل الحداثة وأنوارها…

وإذا كنتُ لم أُنْهِ بعدُ محاور النافذة الأولى وأتطلع لمتابعة فيها، فإنَّني أفتتح اليوم نافذة أخرى بعنوان (المسرح والحياة). والأمر لا يقف عند تخوم فن المسرح وجمالياته كما قد يتبادر للذهن لأول وهلة، ولكنّ هذه النافذة ستعمل على متابعة مهمة (التنوير) بإطار العلاقة بتفاصيل ما يدور في حيواتنا الإنسانية من صراعات وتناقضات ومن تقدم إلى أمام في خطى الإبداع والإنجاز الإنساني، حيث المضامين لا تولد بعيداً عن هوية جمالية تعكس حقيقة الإنسان بسلامة وجوده على النقيض مما يراد له من بعضهم من تشويه وانتقاص ومصادرة…

إنّ خط التقدم العام يبقى بحال تقدم وصعود ولكن هذا لا يمنع من وجود التواءات وتراجعات موضعية مع عثرات وعقبات بوجه حركة التقدم.. وستمر هذه المعالجة على قضية المسرح والحياة بقوانينها العامة الأشمل وببعض تمظهرات مخصوصة في جغرافيا المكان عندما يتعلق الأمر بالمسرح في العراق.

وبقدر تعلق الأمر بالإجابة عن سؤال معطيات المسرح ومعاني وجوده وولادته تعبيراً عن النوع الإبداعي الجمالي للإنسان بمرحلة بعينها، فإنَّه يمكننا القول: إنّ مختلف التعبيرات الجمالية التي ظهرت في التاريخ البشري كانت بين غنائية ذاتية المرجعية وملحمية موضوعية التجسيد وكانت أبرز الإبداعات متجسدة في السرديات الملحمية مقابل القصيدة وأبعاد التعبير فيها عن الذاتي الفردي أو الغنائي.

ومرّ هذا مع البشرية ومجتمعاتها البدائية حيث مرحلة تاريخية انمازت بالمجاميع الصغيرة المتنقلة ببدايات استقرارها في مجموعات أكبر بقرى مارست الزراعة من دون ترك الصيد الأمر الذي طبع التشكيلة الاقتصا-اجتماعية في أول وجود تلك المجتمعات البدائية..

ومع مزيد استقرار وتوسع في بنى التجمعات كانت ولادة المدينة وكان الانقسام في المجتمع في ضوء تقسيم العمل وفي ضوء ملكية وسائل الإنتاج وتوزيع الثروة… هنا بدأت الصور التعبيرية تكسر قيود الغنائي الذاتي فتفحها على جسور علاقة بنيوية مع الموضوعي الملحمي لتولد أولى جماليات الدراما تعبيراً عن طابع التشكيلة المدينية للمجتمع..

فمن جهة مثَّل الصراع بوصفه أساس الدراما مقابلا بنيويا جمالياً لانقسام المجتمع وللصراع الجاري فيه.. وإذا كان مجتمع المدينة لم يغادر بعدُ مرحلة بروز الفردي وفرص التعبير الغنائي فيه بالارتباط مع انتماء إلى أنشطة الصيد وعلاقتها بالروابي والقفار والغابات فإن الدراما لم تقطع سبل العلاقة مع الغنائي ولكنها وحدته بجسور بعينها بالملحمي..

ومن وحدة الغنائي بالموضوعي الملحمي وُلِدت الدراما فن مسرح معبر عن مجتمع المدينة وفلسفته واشتغالات جمالياته.

لا تعليقات

اترك رد