(( لا نحتاج إلى الضجاجين والغوغائيين ))

 

القسط الأعظم من مصائبنا تعود إلى مسببات كثيرة لعل أبرزها سقوط وانهيار مؤسسات الدولة وسقوط المجتمع في مستنقع الفوضى والفساد والاحتراب والتوحش والغوغائية والسفه والتلوث بمذمومات الأخلاق ، وبرزت إلى السطح مشاهد كئيبة تدمي القلب :

التفلت ، الفاقة ، المفاسد ، انهيار الأنظمة والقوانين المؤسسات ، الانقياد للذل ،البلادة والانحراف ، العصبيات البغيضة ، المخدرات ، الأمراض الاجتماعية المزمنة ، الاغتشاش ، تحقير أهل العلم والثقافة وأصحاب الضمائر النظيفة ، التطاول على الأسوياء من قبل بلاطجة وسفهاء .

لقد تناسينا أن إدارة شؤون المجتمع لا تحتاج إلى الضجاجين والغوغائيين واللصوص بل إلى أهل الخبرة والكفاءات والعقول النيرة التي تدفع بالمجتمع إلى الأمام وتجيد فن القيادة .

السلطة تتطلب فن إدارة وتحتاج إلى ذكاء وبصيرة ثاقبة وإلى ثقافة واسعة وإلى بسالة ومرونة وحكمة وشفافية وتسامح وانفتاح وعدل وانصاف .

أبو نصر محمد الفارابي ( 870-950م ) في مؤلفه (( أراء أهل المدينة الفاضلة )) وضع صفات لرئيس المدينة الفاضلة وعلى النحو التالي :

1- أن يكون تام الأعضاء ، قواها مواتيه أعضاءها على الأعمال التي من شأنها أن تكون بها ، ومتى هم عضو من أعضائه بعمل يكون به أتى عليه بسهولة.

2- أن يكون بالطبع جيد الفهم والتصور لكل ما يُقال له ويتلقاه بفهمه على ما يقصده القائل وعلى حسب الأمر في نفسه .

3- أن يكون جيد الحفظ لما يفهمه ، ولما يراه ، ولما يسمعه ، ولما يدركه ، في الجملة فلا يكاد ينساه .

4- أن يكون جيد الفطنة ذكياً إذا رأى الشيء بأدنى دليل فطن له على الجهة التي دل عليها الدليل .

5- أن يكون حسن العبارة يؤاتيه لسانه على إبانة كل ما يضمره إبانة تامة .

6- أن يكون محباً للعلم والاستفادة منقادا على سهل القبول لا يؤلمه تعب العلم ولا يؤذيه الكد الذي ينال منه .

7- أن يكون غير شره على المأكول والمشروب والمنكوح متجنباً بالطبع للعب مبغضاً للذات الكائنة عن هذه .

8- أن يكون محباً للصدق وأهله مبغضاً للكذب وأهله .

9- أن يكون كبير النفس محباً للكرامة ، تكبر نفسه بالطبع عن كل ما يشين من الأمور وتسمو نفسه بالطبع إلى الأرفع منها .

10- أن يكون الدرهم والدينار وسائر أغراض الدنيا هينة عنده .

11- أن يكون محباً للعدل وأهله مبغضاً للجور والظلم وأهلهما ، يعطي النصف من أهله ومن غيره ويحث عليه ويؤتي من حل به الجور مواتياً لكل ما يراه حسناً وجميلاً ، ويكون عادلاً غير صعب القياد ولا جموحاً ولا لجوجاً إلى دُعي إلى العدل ، بل صعب القياد إذا دُعي إلى الجور وإلى القبيح .

12- أن يكون قوي العزيمة على الشيء الذي يرى أنه ينبغي أن يفعل ، جسوراً عليه ، مقدامًا غير خائف ولا ضعيف النفس .

من الكبائر في غميس حياتنا اليومية هو الانقياد للغرائز وعدم الركون للعقل والمنطق وأهل البصيرة ، ومن جملة الأضرار الجسيمة التي تحل بالمجتمع هو وقوعه تحت قبضة نخبة سياسية غير مؤهله للحكم تحول حياة الناس إلى كابوس وتلهت خلف الغنيمة والثراء غير المشروع وتنتهج طريق اللصوصية والاغتشاش وتتهالك على المال والمنافع بشهوة جامحة وبتكبر وتجبر وغوغائية .

يقول الشاعر اليمني عبد الله البردوني : ( إن طلوع غير الذين لا يملكون مؤهلات الطلوع أسخف أضحوكة في التاريخ السياسي ).

فالموظف أو الحرفي أو الصانع الذي لا يجيد فن حرفته يحدث أضرارا بالمجتمع لكن هذه الاضرار لا تساوي شيئاً اذا ما قُورنت بالأضرار التي يحدثها الحاكم غير المؤهل الذي لا يُجيد فن السياسة ، فخطأ السياسي الحاكم ليس هيناً يؤدي إلى كوراث يدفع فاتورتها المجتمع ، فسوء السياسية والتقديرات يهدد كيان الدولة ويفكك صواميل المجتمع وتزهق الارواح .

فثمة نخب غير جديرة بقيادة المجتمع يكون همها النعيم والكسب وجمع الأموال وارتكاب المذمومات وانتحال الرذائل كما يشير إلى ذلك عالم الاجتماع العربي عبد الرحمن ابن خلدون (1332-1406م) و ( إذا اشتغل السلطان بالتجارة فسد السلطان وفسدت التجارة ) .

لا تعليقات

اترك رد