ما أعوزنا أن نولد من جديد


 

المسيح قام، حقّاً قام
من هنا ننطلق لنشرف على المعنى الحقيقيّ للحرّيّة، المنفتح على الحقيقة الكاملة الّتي بحث عنها كثيرون وما برحوا يبحثون. تلك هي الحقيقة، وهي أنّ الله أحبّ خليقته حتّى أنّه أتى بنفسه ليحيا معها إلى الأبد.
القيامة هي سفر التّكون الحقيقيّ الّذي يروي للإنسان بالفعل سبب خلقه وغايته، ويشرح له سرّ وجوده وقيمته. وهي، أي قيامة المسيح، الكتاب الّذي اجتمعت وتجتمع فيه الحياة الإنسانيّة بتركيبتها البشريّة وجوهرها السّماويّ. فتكون بذلك إعادة تكوين للإنسان فتهيّئه للحياة الأبديّة، الحياة بالفعل.
لعلّ البعض أو كثيرين يعتبرون أنّ قيامة المسيح أمر بديهيّ من حيث أنّه مات وصعد إلى السّماء كأيّ نبيّ أو حتّى كأي إنسان صالح. إلّا أنّ الأمر يختلط عليهم، فالمسيح وحده قام من الموت لأنّ الله وحده لا يموت. لكنّه كان ينبغي للمسيح أن يمرّ بالموت ويقوم ليلغيَ مبدأ الموت، أو مفهوم الموت المرتبط بالنّهايات أوّلاً. ولتتبيّن للإنسان الحقائق الّتي لم ينجح في بلوغها ثانياً، وليتحرّر من موت نفسه ثالثاً.
كان الله قريباً من الإنسان منذ البدء. وإذ يذكر سفر التّكوين حوار الله مع الإنسان الأوّل يبيّن لنا هذا القرب. “خلق الله الإنسان على صورته، على صورة الله خلق البشر، ذكراً وأنثى خلقهم. وباركهم الله، فقال لهم: انموا واكثروا واملأوا الأرض، وأخضعوها وتسلطوا على سمك البحر وطير السّماء وجميع الحيوان الّذي يدبّ على الأرض.” (تكوين 28،27:1). لكنّ مع القيامة تغلغل الله في الإنسان، واتّحد بتفاصيله حتّى يظهر جماله وتتحقّق حرّيته. الجمال الإلهيّ الّذي في الإنسان يحتاج لثورة على الأنا. ولا يظهر هذا الجمال إلّا إذا عرف الإنسان قيمته الكيانيّة المرتبطة جذريّاً باللّاحدود الّذي يستفزّ الجمال العميق. والجمال مرتبط بالحرّية ولا يمكن عزله عنها. الحرّيّة والجمال متلازمان فهي تستفزّ الإٌبداع الإنسانيّ وهو، أي الجمال، يبيّن قيمة الإنسان المقدّسة. ما نفهمه من القيامة إذا ما تأمّلنا معنى أنّ المسيح قام وأقامنا معه كما يقول القدّيس بولس في رسالته إلى أفسس (6:2): “أقامنا معه، وأجلسنا معه في السّماويات”. الإنسان المطروح في عبوديّة ذاته، غير المدرك لجماله، استحال قبراً مغلق الإحكام. كان لا بدّ من فعل إلهيّ لينقله من الموت الدّاخليّ إلى الحياة، من القبح إلى الجمال، من العبوديّة إلى الحرّيّة. وكان لا بدّ من إنسان يتفهّم إنسانيّته وضياعه بل ويكون له الصّورة الحقيقيّة الّتي إذا ما رنا إليها عرف نفسه وعرف كرامته.
ولمّا كان المسيح قد تغلغل في الإنسان واتّحد به أزاح الحجر عن النّفس الإنسانيّة وفجّر منها ينابيع الجمال وعرّفها كرامتها. لقد أعطى المسيح الإنسان الحياة غالباً الموت كي لا يمنحنا أحداً حياة أخرى فنستحيل عبيداً له.
كلّنا موتى، وما أعوزنا أن نولد من جديد للخروج من قبر الذّات.
كلّنا موغلون في عبوديّة الذّات، وما أعوزنا أن نذهب فجراً لنلقى القبر فارغاً ونعرف أنّ المسيح هدم آخر عدوّ للإنسان، الموت.
كلّنا أسرى الحرّيّة المزيّفة، وما أعوزنا أن نثور من أجل كرامتنا مع الّذي هو باقٍ معنا إلى أبد الدّهر.

لا تعليقات

اترك رد