ما وراء التقارب السياسي بين بغداد و الرياض


 

شهدت العلاقات السياسية بين الجمهورية العراقية و المملكة العربية السعودية انفراجا كبيرا خلال الفترة الماضية بعد وفاة الملك السعودي الراحل عبد الله بن عبد العزيز ال سعود في يناير من العام 2015 م حيث تم اعادة العلاقات الدبلوماسية بفتح السفارة السعودية في بغداد اواخر العام ذاته .
لذا يكثر الحديث في الأوساط السياسية العراقية عن التقارب الواضح مع المملكة العربية السعودية ، التي عادت مرة أخرى تنظر إلى العراق باعتباره رأس الحربة ، أمام رغبة الرياض في منع توغل طهران بالعواصم العربية حسب ما يرى حكام الرياض ، لكن هناك قلق من عدم وصول هذا التقارب إلى مبتغاه . التقارب الذي تريده السعودية مع العراق ، و خاصة الشيعة العرب الذين ما زالوا ينظرون إلى محيطهم العربي ؛ بل و يشتاقون إليه ربما . و في ظل احتواء النجف على القليل من الثروات أو الموارد ، ربما لا تبدو مسعىً محتملاً لأي شخص باستثناء الزوار من المسلمين الشيعة . بيد أنَّ المدينة الواقعة على بُعد 160 كيلو متراً جنوب العاصمة العراقية بغداد ، لديها متودِّدٌ جديدٌ استثنائي و هو القوة الغنية بالنفط على الجانب الآخر متمثلا بالمملكة العربية السعودية .
فتودُّد المملكة الخليجية السنّية إلى النخبة الدينية الشيعية في العراق على مدار العام الماضي ” 2017 م ” ، قد يُمثِّل تغيُّراً كبيراً في الاستراتيجية الإقليمية للسعودية . و على مدار عقودٍ ، استغلت المملكة العربية السعودية و مُنافِستها الشيعية إيران ، الانقسام القائم منذ قرون بين الشيعة و السنة لخدمة صراعاتهما على القوة في العصر الحديث . و الآن ، يتواصل مسؤولون سعوديون مع بعض رجال الدين الشيعة البارزين في النجف ، الذين يريدون الاستماع إلى السعودية رغم قلقهم حيال سحبهم إلى صراعٍ بالوكالة حسب ما تؤكد مصادر عدة على صلة برجال الدين هؤلاء .
و في النجف و مختلف أنحاء العراق ، تستعين السعودية بالهوية العربية المشتركة للتقارب مع العراقيين ، و هو أمرٌ لا يشاطره العراق مع إيران ذات الأغلبية الفارسية رغم ان اغلبية سكان ايران و العراق من المسلمين الشيعة . و واجه المنتخب السعودي لكرة القدم نظيره العراقي ودياً بمدينة البصرة العراقية الجنوبية في شهر فبراير / شباط 2018 م ، في أول مباراةٍ يخوضها المنتخب السعودي داخل العراق منذ ثمانينيات القرن العشرين ، و حضر المباراة 60 ألف مُشجِّع . و رغم خسارة المنتخب السعودي المباراة بنتيجة ( 4-1 ) ، تعهَّد الملك السعودي ببناء ملعب يسع 100 ألف متفرج في بغداد . و أرسلت المملكة كذلك وفوداً من رجال الأعمال و الصحفيين ، الذين لم يزر الكثيرون منهم العراق منذ عقود ، مما أجَّج الحنين إلى الحقبة التي سبقت الحروب التي دمَّرت العراق .
يقول رجال أعمال إنَّ المسؤولين الأميركيين يسهلون الكثير من الأنشطة لمواجهة نفوذ طهران . و وفقاً لوسائل الإعلام الإيرانية التابعة للدولة ، صدَّرت إيران ، ثاني أكبر شريك تجاري للعراق ، بضائع بقيمة 12 مليار دولار العام الماضي ( 2017 م ) . و يثير التدخل الأميركي قلق بعض أنصار التقارب السعودي ، مثل داعمي الصدر ، الذين قاتل الكثيرون منهم القوات الأميركية في السابق . و يجادلون بأنَّه إلى جانب الخطاب العدواني المناوئ لإيران القادم من واشنطن ، قد يدفع ذلك الرياض للتصرف بثقة زائدة ، اعتقاداً منها أنَّها في موقف أقوى مما هي عليه . الان تكثر محاولات طهران من اجل توحيد عدة كتل سياسية شيعية لتعزيز موقعها في البلاد قبيل الانتخابات البرلمانية العراقية في مايو / أيار 2018 م . و هذا ما أشار اليه أحد الدبلوماسيين الغربيين قائلا : ” تُظهِر لنا تلك الحادثة ألّا نُصدِّق مَن يقولون إنَّ إيران تسيطر على كل شيء . فالورقة الكبرى التي يلعبونها هي : انظروا ، سنكون هناك دوماً من أجلكم ” .
و يشير الكثير من القادة الشيعة إلى أنَّ طهران ، و ليست الرياض أو واشنطن ، كانت هي من هرع دعماً للعراق حين هاجمه داعش في 2014 م . فيقول ممثل أحد رجال الدين البارزين في النجف : “ انسحب الجميع و شاهدوا ليروا متى سنُهزَم تماماً . باستثناء إيران ” .
يقول المتشككون إنَّ حسن نية الرياض يجب أن يُختبَر من خلال إحداث تغييرات في المعاملة القمعية التي تلقاها الأقلية الشيعية بالسعودية . فقبل عامين فقط ، أعدمت الرياض الشيخ الشيعي نمر النمر . و ينادي آخرون بإنهاء حرب اليمن ، أو يطالبون رجال الدين السعوديين بإصدار فتوى تعلن المذهب الشيعي فرعاً شرعياً من فروع الإسلام . و يشير مؤيدو التقارب إلى التحسينات التي طرأت مؤخراً ، مثل معاملة الحجاج الشيعة العراقيين إلى السعودية . لكنَّ الشكوك عميقة . ففي اليوم السابق على مباراة البصرة ، ظهرت في زوايا الشوارع لافتات تحذر من إنشاء قنصلية سعودية ، قبل أن تجري إزالتها سريعاً . و تجادل بعض القيادات الشيعية بأنَّ السعودية لا تزال تتحمَّل المسؤولية عن صعود الحركة الجهادية .

لا تعليقات

اترك رد