جنان العزاوي أعمالها التشكيلية تناغم موسيقي بوحدات مختزلة

 

برغم الفوارق البسيطة بين التنقلات والتنوعات التكنيكية لأسلوب ألفنانة – جنان العزاوي – إلا إنها تصب جميعاً في بوتق التجريد التعبيري الناطق، ألذي يصبو نحو معطيات لألوان تتناسب مع مشاعرها الذاتية، من تناغم الألوان مع سياق الحركة النغمية السمعية، وهذه الحالة متفق عليها مبدئياً بتكامل الرؤى السمعية مع المرئية التشكيلية في اللوحات الفنية، أما من ناحية التنفيذ الأدائي، فإن بعضها ناجم من وضع لألوان متجاورة، ثم تليها حركات تلقائية يميناً ويساراً غير قصدية، كي تمنح الخلاصة الشكلية الإنشائية واللونية بنتاج متداخل وسائب في سريان الحركة المائعة للألوان، كي تظهر بصيغة تلقائية غير مقيدة بمسح الفرش والبنية الهندسية للتكوينات، وهو جانب من جوانب التكنيك التجريدي. أما في مايخص التنقلات الإنجازية الأخرى، فإنها تتضمن وحدات شكلية واضحة، تدخلت فيها صيغ الربط التكنيكي مع محتوياتها الهادفة إلى تبيان معالم الأجزاء التراثية من البنايات وأجزاء من الأجساد والأنواع الأخرى من المصادر.

لذلك بالخلاصة: تسمو على حركة الأداء الجانب العشوائي الحداثوي الحر، بعيداً عن المقيدات المطابقة لمصادرها الأصلية، وهي حالة من التفريغ لمحتويات النفس والشعور الوجداني العاطفي. كون أي حركة لخطوط التوقيع البسيطة المختزلة، تعبر عن الإنعكاسي النفسي لطبيعة الخطوط واتجاهاتها وميولها التلقائية. وبرغم تجسيد لبعض المكنونات الداخلية لذاتها المرتبطة بما يتعلق بالحنين نحو البلد، أو ما يتعلق بحوادثه التراجيدية الصاخبة، إلا أن منطق الألوان الشكلي، يمنح المتلقي صيغ شكلية في التمتع والإسترخاء الجمالي.

ومن أنشطة ومعطيات ألفنانة – جنان العزاوي – إقامة معرضها الشخصي في المركز الثقافي العربي أبو رمانة، قدمت الفنانة التشكيلية جنان العزاوي معرضاً فردياً ضم مجموعة كبيرة من اللوحات الفنية المنفذة بتقنية الألوان الزيتية وتقنية الكولاج وكان عنوان المعرض (تحية من بغداد إلى دمشق). والذي تضمن محاور أعمالها مجوعة من قصائد لنزار قباني وألحان وغناء الفنان كاظم الساهر (أشهد أن لا امرأة – زيديني عشقاً – حافية القدمين -إني خيرتك – ومدينة الحب) عاش نزار مع الفنانة منذ الصبا فتبلور في صيرورتها وجعل من السكون حركة عندما لحنه وغناه كاظم الساهر فهنابدأت الرؤى تتضح والأفكار تكتمل لتولد من رحمها لوحة بصرية تضيف شيئاً جديداً على الكلمة واللحن عبر اللون.‏ فيما يتعلق الأمر بمداخلة لغة القصائد الشعرية النصية لغوياً، مع النطق اللساني والصوتي، تتحول الكلمات النصية إلى بث أبعادها السمعية بشكل مجسد ومؤثر في التنبيه والإنتباه، والتمتع وإدخال الحروف في أعماق النفس الشعورية والوجدانية. وأكثر القصائد النصية تروج في المسامع والاستقبال لدى المستمع هي ألتي تنطق بلسان المطرب المستساغ في الأداء والصوت الشجي. وبذلك تتكامل الرؤى بأبعادها الحسية في المشاعر والتلقي في نفوس الناس.

وحينما تتحول تلك القصائد بجانب آخر (صوري) تشكيلي، فإنها تأخذ أعماق وأبعاد أخرى، تنطق بها التكوينات التشكيلية في خطابها الموسوم بدلالات شكلية بنيوية وألوان فاصحة للمعنى والتجسيد المؤثر لدى المستلم، وهذا ما تم تأسيسه في أعمال ألفنانة – جنان العزاوي – في معرضها ألذي تم ذكره. لقد كان النطق الصوري التشكيلي بمنحى أسلوبي مختزل للتفاصيل ألتي تبعد المتأمل أن ينقاد إلى فروع يبعد الناظر عن نطقها المختزل التجريدي المباشر، وهو الأمر الذي دعى الفنانة العزاوي، نحو هذا الإختزال والتجريد المبسط. لقد اتجهت الفنانة – العزاوي – في أغلب أعمالها نحو الإتجاه التجريدي التعبيري ذو الألوان المتراصة والمتجاورة، بروحية الإنسجام والتوافق، وتوحيد الذوات الإنسانية والاجتماعية بعيداً عن الأنقسامات الجاهلة لقيم مغزى الحياة والديمومة فيها. الفنانة جنان العزاوي أشارت: (إنه بوح الشباب وإختزال لمقولاته واجتراح لفترة المراهقة حيث كنت مرتبطة بكلمات نزار قباني الى حد التمازج الروحي وفي شعريته اضطلعت فيها المرأة بدور البطلة المنتجة لكيانها وعرفت صوتها الحقيقي واستطاعت بلغته الأنثوية إنتاج رؤية إنسانية لها مفرادتها ومحاولا صياغة نموذج إمرأة مغايرة تتسم بتمردها على السائد ومفارقتها. وأضافت بأن كلمات نزار أوحت لي بالبوح من جديد في إحتمالات لونية تعبر عن أكثر حالاتي النفسية إتساعاً وتجلياً ، وكلمات نزار بإيقاعات كاظم هي اليوم بمثابة البلسم المسكن لآلامي و أوجاعي العراقية، لعل هذا الكائن اللوني المولود يدفق بالحياة, بتأملات الوجدانية الشفافة مما شكلت شيفرات صورية تثير الدلالات في الذهن والروح وفجرت آلاف المعاني المشخصة في لوحتي).

وبذلك نستنتج بأن إختيار ألفنانة – العزاوي – لهذه الإيحاءات الشعرية الرقيقة الإحساس والمشاعر، تتوافق مع بنيتها الذاتية الكامنة في النفس والوجدان. وخاصة عندما تتحول تلك الكلمات إلى صوت يفوح ويدور في فلك الفضاء المتحرك، كي تتكامل الرؤى والتبادل في قوانين زواياها الثلاث، وهي الكلمات النصية + الصوت العذب+ التجسيد البنيوي التشكيلي بفعل حركة يدها الإبداعية، لكل حركة وخط وتموجات وتباينات وتدرجات لونية. لذلك فالفنان التشكيلي تحديداً، يحول الحروف إلى منطق تكوين شكلي، ومنطق موسيقي يتناغم مع التكامل المصدري للبنية الهندسية الثلاث، ألتي تشابه الألوان الأساسية: الأحمر والأزرق والأصفر. وكذلك تناظر وتشابه الهيئة الهندسية المثلثة: للمنتج والإنتاج والمتلقي. وهنا تكمن التبادلات المعرفية والوجدانية للإدراك العقلي مع الشعور العاطفي. ومما يبدو ويتضح لنا جلياً بأن ألفنانة – العزاوي – ذات مشاعر رقيقة وحساسة تؤثر فيها تلك المصادر والعوامل على توق خيالها الفكري لإنشاء مقتنيات بنيوية تعبيرية وجمالية فنية مجردة، وتبدو حركة الوحدات تسرح في مساحات بحركات تموجية منحنية ومتداخلة في ملتقيات بعض حافاتها المنفردة. أي إن المفردات تأخذ قياسات مخروطية الشكل والإتجاه وبألوان مختلفة، تمنح المشاهد نوع من الاستيقاف والتأمل، والتمتع البصري والتبصيري.

وبرغم إختزال الهيئات الشكلية الناطقة للمضمون والثيمات الفكرية المقصودة، إلا إنها توحي لما تعنيه من أيصال المعنى الحقيقي لتلك المضامين الهادفة ومنها نبذ الطائفية والأنقسامات والصراعات الداخلية لأبناء الشعب ألتي تجسد الأسرة الواحدة عبر المتداخلات الزمنية. وبشكل عام فإن الإيحاءات بمدلولاتها الفكرية هي تناغم ونطق إلى مضامين مصادر الطبيعة والبيئة بكل وحدات تفاصيلها من تموجات البحار وحركة الأشجار وألوانها الهادئة بصورة عامة لما يسود الطبيعة، كون السماء والأشجار تنطق بألوان باردة، ثم تتخللها وحدات محدودة وقليلة من الألوان الحارة، كي تكسر حاجز الملل والتكرار. وأخيرا نقول إن ألفنانة – جنان العزاوي – هي: فنانة تشكيلية، الرسم على الازياء \ شاعرة \ وكاتبة. أما على الصعيد الدراسي:

*حاصلة على دبلوم معهد الفنون الجميلة /تشكيلي- فرع الرسم .. العراق
*دورات في دراسة فن التلوين زيت \ أكريلك .. أمريكا

المعارض الشخصية:
*معرضين شخصيين على قاعات مركز دائرة الفنون
*معرض شخصي الرسم على الازياء على قاعات مركز الفنون
*معرض شخصي في برلين 2004
*معرضين شخصيين في دمشق 2007-2008
*ثلاث معارض شخصية متتالية في أمريكا\ولاية ويسكاونسن2013-2014-2015
اضافة إلى العديد من المعارض المشتركة:
إضافة إلى العمل في الصحافة في السنوات2004-2005-2006
أعداد برنامج ثقافي ( في ظلال الفن )دمشق 2008
وكذلك حصولها على العديد من الشهادات التقديرية: ومنها من البلد ألذي تقيم به – أمريكا.

المقال السابقنحو مجتمع أكثر تجانس
المقال التالىطيور أيلول
ماضـي حســن نعمــة فنان عراقي وكاتب وناقد في الفن التشكيلي..حاصل على بكلوريوس فنون تشكيلية ..ماجستير طرائق تدريس الفنون التشكيلية .. دكتوراه طرائق تدريس الفنون التشكيلية . اقام العديد من المعارض الشخصية والمشتركة اخرها معرض شخصي في قاعة ادمينتن الكندية. لديه العديد من المؤلفات منها كتاب ( تنمية....
المزيد عن الكاتب

2 تعليقات

  1. فنانة راقية مرهفة الإحساس تعاملت معها شخصيا عندما كانت تعيش العراق تبذل جهدا كبيرا وتبدد كل طاقاتها اليومية في الفن والبحث عن الجديد فيه قد تكون ليست الاولى من فنانات العراق لكنها متميزة بأسلوب فني منقطع النضير لا يمكن لأحد ان ينافسها به وهي شاعرة ايضا وصحفية وهذا ليس بالغريب فهي تنحدر من عائلة فنية وأدبية وأورثت هذا الكمال لابنتها وحفيدتها فشجرة الفن مازالت تثمر مع التقدير للفنانة جنان العزاوي

  2. مقال منصف لفنانة دؤوبة ومخلصة لتجربتها التشكيلية.. تحية للصديق الفنان الناقد الدكتور ماضي حسن والصديقة الفنانة العزاوي.

اترك رد