المقام العراقي الموروث الغنائي لبلاد ما بين النهرين – الجزء الاول

 
موقع الصدى - المقام العراقي

لكل أمة أصيلة من الأمم فنونها وتقاليدها ومعتقداتها وظواهرها المتأصلة الجذور والتي تتصل في أعماق التاريخ ، ومنها تُراثُها الموسيقي والغنائي ألذي تفتخر به وتحافظ عليه وتَعرضه بصورةٍ دوريةٍ حتى تَتَمكن الأجيال المُتَعاقِبة من التعرف ِعليه وحفظه حتى يترسخَ في نفوس وأسماع وأذواق مواطنيها و فن الموسيقى والغناء في أي عصر من العصور هو انعكاس لحياة المجتمع وتعبير عنه وهو صور صادقة لها قيمتها في نقل التأملات والانفعالات والتطلعات من زمن إلى آخر ومن جيل إلى جيل ،

والمقام العراقي لون من ألوان الغناء والموسيقى العراقية، يُعَبِرُ عن حياة العراق وتاريخه وحضارته وثقافته عبرَ مئات السنين وبذلكَ أصبحَ هذا اللون الهوية الغنائية والموسيقية الأصيلة لهذا البلد العريق في حضارتهِ ألتي أشَعَتْ على الإنسانية بإضافاتٍ إبداعية جليلة .

وعُرِفَ هذا اللون في مدينة بغداد وكان يَسمى سابقا (بالغناء البغدادي) لأنها تعتبر مصدر نشأتهِ وتطورهِ عَبْرَ الأجيال .

وسُميَ بالمقام العراقي تحديداً لأنهُ تَمَيزَ وأشتهر في العراق وفق الأسلوب الذي عُرِفَ به ولأنه يَمتلك الشخصية المُستقلة والمؤثرة فَيمتلك ما يميزه عن بقية الدول المجاورة وكذلك لأن الموسيقيون العراقيون يؤدونه بأسلوب يختلف عن ألوان الغناء المعروفة في البلدان العربية الأخرى التي تعتبر هذا اللون من الغناء خاصا بالعراق.

12404168_10156438669540599_659064241_nفهو من هذه الزاوية يُعتَبَرُ عراقياً بحق، لذلك نجد أن البلد الوحيد ألذي أقترنَ اسم لون غنائي به هو العراق فسمي (المقام العراقي) والحالة الإنفعالية في طريقة الأداء والأماكن ألتي كانَ يؤدى فيه المقام وألتي كانت تُحَرمُ على المرأة التواجد فيها لأسباب أجتماعية كانَ سبباَ لأطلاق مصطلح (الفن الرجولي) عليه.

إنَ المُمارسات الغنائية المقامية ألتي لها صلة بالمقام العراقي نَجدها منتشرة بصورة متقاربةفي بيئة جُغرافية واسعة الأطراف مثل : إيران وتركيا وغرب و أواسط آسيا باكستان – الهند- أفغانستان-أذربيجان- طاجاكستان.

يَختلفْ مفهوم المقام موسيقيا في العراق عن مفهومه الموسيقي في البلدان العربية الأخرى.

في العراق هو أسلوب غنائي له من الأصول والقواعد المتوارثة ألذي ينبغي على القاء أن يَلتزمَ ويَتَقَيدَ بها أثناء أدائه المقامات. بينما في البلدان الأخرى تعني السُلم الموسيقي المؤلف من سبع نغمات موسيقية صعوداً والنغمة الثامنة هو تكرار للنغمة الأولى وتسمى – الجواب- أو الأوكتاف ويختلف تَسمية هذه السلالم بأختلاف الأبعاد ألتي تفصلُ بينَ نغماتها. من المعروف تأريخيا إرتباط الغناء بالجانب الديني من خلال التراتيل ألتي كانت تُغنى في الطقوس والممارسات الدينية في المعابد ولقد تأثر الديني بالدنيوي على مَرْ العصور والعكس صحيح، وقديما أرتبط فن الغناء بالمعابد والطقوس الدينية وفي أوربا أرتبط بالتراتيل والأناشيد الكنسية كذلك إرتَبَطَ فن المقام العراقي بالجانب الصوفي والديني حَيثُ إرتَبَطَ هذا الأسلوب من الأداء بتلاوة القرآن الكريم والآذان والمدائح والأذكار والمناقب النبوية والترديدات الحسينية لما يَتَمَيزُ به من خشوعٍ ووِقار، لذلك يُطلقُ على مؤدي هذا اللون تَسمية ( القاريء) وليسَ المغني ولا أدلُ على إرتباط فن المقام العراقي بالدين من هذه الحقيقة، وهي اننا لا نقول: إنَ فلان يجيد غناء المقام وانما نقول انه يجيد قراءته. وهنا نجد ملاحظة مهمة أيضا هو : إنه في حالة أدائه في المناسبة الدينية عادةً ما تفتقد دور الآلات الموسيقية في المصاحبة الغنائية ويبقى فقط الدفوف، أما إذا كانت المناسبة دنيوية فيغنى بمصاحبة الآلات الموسيقية للتخت البغدادي ألذي يسمى ب “الجالغي البغدادي. وقارئ المقام النموذجي يجب أن يمتلك المساحة الصوتية الواسعة والكفاءة والقدرة على تحليل المقامات والدراية التامة في تفاصيل كل مقام وبقدرة علىالأداء والتنويعات النغمية والأرتجالية وإمكانية الأنتقالات ما بين القطع والأوصال.

نُبذة تـاريخية عن المقام العراقي :

لون غنائي متميز في العراق وقد نشأ هذا اللون في مدينة بغداد وكان يسمى الغناءالبغدادي، وهو معروف بصعوبة أدائه وتنوعه النغمي وهو فن أصيل وتراث حضاري امتزجت وتفاعلت معه فنون حضارية اخرى وهو عصارة أحقاب من الزمان لا يعرف تاريخ محدد او فترة محددة لتأليفه، فهناك من ينسبه الى العصر العباسي كما يقول الأستاذ شعوبي ابراهيم، أو الى العهود المظلمة أي فترة الحكم العثماني وهي لا تتجاوز 500 عام كما يقول الحاج هاشم الرجب،

 

وأذا أردنا أن نعود به الى فترة تأريخية محددة فحسب رأي الشخصي وأستنتاجي نتيجة البحوث والدراسات التي قمت بها من خلال تخصصي الموسيقي فأنني مع الرأي ألذي يقول أنه يعود تأريخه الى فترة العصرالعباسي ( 750-1258 ) حين كانت بغداد مركز الإشعاع الحضاري والتقدم لكل العلوم والأداب والفنون ومركزا لأستقطاب طلبة العلوم والفنون وملتقى للثقافات المختلفة من انحاء العالم ويذكر أنه كانت في بغداد أكثر من مائتين مدرسة لتعليم الموسيقى والغناء و هذه الفترة ظهرت فيه أسماء كبيرة في المجال الغناسيقي ( مصطلح للدكتور طارق حسون فريد وتعني الغنائي والموسيقي ) أمثال أبراهيم وأبنه أسحق الموصلي وأبراهيم المهدي وزرياب حيث في هذه المرحلة أختلطت الألحان الحضرية والبدوية والقديمة والحديثة ونشأت لها مدرستان هما (مدرسة أبراهيم وأسحق الموصلي ) وهي مدرسة المحافظة على الأساليب والأصول القديمة أي الكلاسيكية ومدرسة ابراهيم المهدي الاخ الاصغر للخليفة هارون الرشيد وهي مدرسة التشجيع على الخلق والأبتكار والابداع أي رومانتيكي الطبع حيث كان ابراهيم المهدي يقول في رده على إعتراض إبراهيم وإسحق الموصلي لأتجاهه (أنا ملك ابن ملك أغني كما أشتهي وعلى ما ألتذ) لذلك فهو حصيلة ونتاج هذه الفترة التي تعتبر من أهم واكثر الفترات ازدهارا وتطورا في تأريخ الحضارة العربية الأسلامية.

إذن اذا أردنا أن نُعَرِفَ المقام العراقي نقول:

المقام صيغة من صيغ الغناء في العراق, له من الأصول الثابتة والمتوارثة ما يؤهله أن يدخل ضمن ما يسمى بالموسيقى التقليدية. وقد عرف غناء المقام في مدن بغداد،

الموصل، كركوك وفي بعض المدن العراقية الأخرىمثل: ديالى، كربلاء، الحلة، البصرة. ولكن في حدود ضيقة وليس في مثل الأفاق الواسعة التي عرف بها المقام في بغداد ألتي كانت مصدر نشأته وغنائه وتطوره عبر الأجيال. اذن المقام هو غناء مديني حضري أي غناء أهل المدينة وليس الريف.

وقد سمي بالمقام العراقي لأنه تميز واشتهر في العراق وفق الأسلوب الذي عرف به, وكذلك لأن مفهوم المقام موسيقيا في العراق يختلف عن مفهومه موسيقيا في البلدان الأخرى، ففي العراق تعني واحدة من مجموعة المقامات العراقية بينما في البلدان الأخرى تعني النغم

وكلمة مقام تعني موطىء القدَم وكذلك تعني المنزلة والمكانة الرفيعة في اللهجة البغدادية الأصيلة.

كما أن المقام ليست دائرة مغلقة بل حلقة مفتوحة يمكن بواسطتها تطوير واضافة مقامات جديدة كما فعل الاستاذ المرحوم محمد القبانجي

يتبع…

لا تعليقات

اترك رد