الانسحاب الأمريكي بين سورية وأفغانستان

 

في خضم قراراته الفجائية وحركاته الدراماتيكية فاجأ الرئيس دونالد ترمب مستمعيه في أوهايو بقراره الغريب بالانسحاب من سورية قريبا وبعد تصريحه بساعات أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية أن القوات الأمريكية المتواجدة في سورية ستبقى في هذا البلد في المستقبل المنظور . قال الرئيس ترمب لمناصريه في إطار حديثه عن البنية التحتية في الولايات المتحدة : ” نحن ندمر الجحيم الذي ابتدعه تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام . وسنخرج من سورية قريبا جدا ونترك للأخرين مسألة الاهتمام بهذا البلد .” ثم أضاف الرئيس في حديثه : ” سوف نستولي على الخلافة المزعومة كما يسمونها والتي يسمونها أحيانا أرضا ننتمي إليها وسنكون بها .”

وقد علق أحد القادة العسكريين الأمريكيين المختصين بمسائل الدولة الاسلامية في العراق والشام قائلا : ” لا أدري إن كان السيد الرئيس يقصد ما يقوله في تعليقاته التي وردت في خطاب أوهايو ” .وتشير التقارير الواردة من وزارة الدفاع الأمريكية التي تقيم الحالة العسكرية في سورية إلى أنه من غير الممكن حاليا سحب القوات الأمريكية من المناطق السورية المختلفة . هذا التناقض بين تصريحات الرئيس الأمريكي وبيانات وزارة الدفاع الأمريكية له دلالاته المحلية والإقليمية والدولية وعلينا أن لا نأخذ الأمور جزافا بل علينا أن نقرأ بين السطور ونركز على علاقة الولايات المتحدة مع الحلفاء الاقليمين والدوليين والعلاقة المضطربة حاليا بين الكوادر البشرية التي تقود السياسة الأمريكية واضطراب الرؤية المستقبلية في ظل المتغيرات الميدانية على الأرض السورية وسيطرة الجيش العربي السوري وحلفائه على الأرض .

التحديات التي تقف أمام الإدارة الأمريكية كثيرة يصعب حصرها على أكثر من جبهة وفي أكثر من قطاع وفي حال قرر – واعتقد أنهم قرروا- خصوم الولايات المتحدة البدء بعميات عسكرية خاطفة ضد القوات الأمريكية الموجودة على الأرض وحرب عصابات ستكون الإدارة الأمريكية قد صارت في حجر الزاوية وليس أمامها إلا الانسحاب المهزوم بخيبة أو المواجهة العسكرية المباشرة غير مضمونة النتائج في بيئة تعج بالخصوم للإدارة الأمريكية ومشاريعها في منطقة الشرق العربي خاصة وأن السيد لافروف والإدارة الروسية والسورية السياسية والميدانية تشدد على أن الوجود الأمريكي في سورية غير قانوني ويدخل في اطار التدخل العسكري العدواني غير المشروع ويجب محاربته بشتى الوسائل . ويجب أن لا ينسى صناع القرار في واشنطن المواجهات السابقة بين الولايات المتحدة وخصومها وفي كل مرة كانت

القوات الأمريكية تضطر للانسحاب بطريقة مشينة تحت وقع ضربات المقاومة وعدم القدرة على الاستمرار في تحمل الخسائر الناجمة عنها .

ويشير مسؤول أخر في وزارة الدفاع الأمريكية إلى التحديات الأخرى التي تواجه القوات الأمريكية قائلا : ” في حال الانسحاب ماذا يمكن للولايات المتحدة أن تفعله حيال وجود حوالي 400 مقاتل أجنبي من داعش في مناطق سيطرة قوات سورية الديمقراطية المدعومة من الولايات المتحدة والتي تشكل عائقا أخر أمام الانسحاب ؟”

ويتابع المسؤول الأمريكي قائلا : ” تحتاج الولايات المتحدة إلى تحديد موقفها وسياستها تجاه مستقبل الرئيس بشار الأسد والوجود الروسي في سورية . كل هذه التحديات تشكل عوامل تعقيد في السياسة الأمريكية في المنطقة . ”

من جانب أخر ، يناقش قادة الإدارة الأمريكية منذ بعض الوقت مستقبل سورية وامكانية سحب القوات الأمريكية المتواجدة هناك لأسباب عملياتية ولوجستية وتكتيكية منها زيادة المساحة الآمنة في سورية التي يسيطر عليها الجيش العربي السوري والراحة السورية في إدارة العمليات العسكرية والرد السوري على العدوان الإسرائيلي بهدف ردعه وايقافه وتوجه القيادة السورية نحو تحريك المناطق التي تتواجد فيها القوات الأمريكية ونشوء حركات مقاومة شعبية تحارب القوات الأمريكية بهدف استعادتها إلى حضن الدولة السورية . تقول مصادر موثوقة من داخل البنتاغون أنه في حال قرر الرئيس الانسحاب من سورية فإننا سنوصي حاليا بعدم الانسحاب لأسباب تخص وزارة الدفاع الأمريكية على الأقل في الوقت الحالي. وقد ذكرت شبكة سي إن إن الأمريكية أن أحد المسؤولين الأمريكيين صرح لها قائلا إن قادة الولايات المتحدة الكبار يناقشون بجدية الدور الأمريكي في سورية والتحديات التي تواجه سياسة الولايات المتحدة في هذا البلد. وذكرت نفس الشبكة الأمريكية أن قادة عسكريين من روسيا والولايات المتحدة يناقشون الوضع السوري على مستوى عال في اجتماعات ماراتونية متكررة .

جاءت تصريحات الرئيس ترمب بعد ساعات من مؤتمر صحفي للمتحدث باسم البنتاغون دانا وايت حيث صرحت فيه أن العمل الهام الباقي أمام الولايات المتحدة هو ضمان الهزيمة الدائمة لداعش والمتطرفين الإرهابيين في المنطقة . والسؤال المثير للجدل هنا هو لماذا لا تدعم الحكومة الأمريكية نشاطات الجيش السوري في محاربة الإرهاب ؟ ولماذا يكثر لديها التعريفات والمصطلحات المتعلقة بالإرهاب وتختلف لديها المواصفات القياسية للأساليب الإرهابية ؟ تقول وايت :” تتركز الجهود العسكرية الأمريكية على تدمير الخلافة الإسلامية لداعش ومحاربة الأفكار التي قادت لوجود الدولة الاسلامية في العراق والشام . الولايات المتحدة لن تسمح أبدا لداعش أو المنظمات الإرهابية باستعادة المناطق التي خسروها. ” وأضافت أن “تهديد داعش لا يزال قائما . والولايات المتحدة لن تتسامح أو تسمح للإرهابيين في أي وقت من الأوقات بإعادة تنظيم صفوفهم” . فهل نأخذ التصريحات الأمريكية

المتواصلة والمتناقضة في أغلب الأوقات على محمل الجد. إننا نشك في كل تصرف تقوم به الإدارة الأمريكية ويجب أن لا نلوم الشرق بشكه المتواصل لأن التصرفات الأمريكية اتسمت دائما بالمراوغة .

يقول الرئيس ترمب أن الولايات المتحدة على وشك اعلان النصر على داعش في حين يصرح المسؤولون في وزارة الدفاع الأمريكية علنا أن التقدم في العمليات العسكرية ضد تنظيم الدولة الاسلامية في العراق والشام قد توقف حاليا بسبب التدخل العسكري التركي في عفرين السورية . الأمر الذي أدى إلا حرف مسار العمليات العسكرية للولايات المتحدة وحلفائها من المقاتلين الأكراد عن هدفهم الأساسي في محاربة داعش والتوجه إلى نصرة إخوانهم في عفرين والمناطق الأخرى التي تهددها تركيا .

يقول وزير الدفاع الأمريكي جيمس ماتيس للصحفيين يوم الثلاثاء الماضي : “الأعمال التركية في شمال سورية –وسأكون أكثر دقة – منطقة عفرين أعاقت جيش سورية الديمقراطية عن محاربة داعش وفلولها . نحن نواجه مشكلة لأن الاهتمام الكردي انصرف عن داعش واتجه نحو الخطر التركي الجديد. ” وفي تعليقها على حديث الرئيس ترامب قالت هيثر ناويرت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأمريكية حول الانسحاب الأمريكي من سورية قائلة : ” بالعموم أرى أن الولايات المتحدة تنتظر من الدول الأخرى مساعدتها على الخروج من سورية .”

يبدو أن رغبة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في الانسحاب القريب من سورية هدفها رفع منسوب المخاوف لدى حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة وخاصة قوات سورية الديمقراطية وقد تشجع الحكومة السورية وايران وتركيا وهؤلاء الثلاثة قاوموا رغبتهم دائما في مهاجمة حلفاء أمريكا من الأكراد تجنبا للاصطدام المباشر بواشنطن .

إن حديث الرئيس ترمب حول ” الانسحاب القريب من سورية وترك الأخرين يهتمون بالأمر ” له دلالاته السياسية . فهل تستطيع الولايات المتحدة فرض وقف لإطلاق النار في المناطق التي تسيطر عليها ؟ وهل تستطيع التأثير على المجموعات الإرهابية على الأرض ؟ وهل تستطيع انهاء الحرب السورية التي ساهمت كثيرا مع حلفائها المفترضين في ايقافها ؟ هل تستطيع أن تضبط الفوضى التي عمت في مناطق تواجدها ونفوذها وتقول للأخرين ” حظا سعيدا” سنخرج من سورية قريبا جدا.

المسألة تحتاج للكثير من التأمل خاصة وأن أمريكا صرحت أنها ستخرج من أفغانستان أكثر من مرة لكنها لم تفعل ولا تستطيع أن تفعل . فهل من أشعل النيران يطفيها؟

سنرى في المقال القادم ….. الانسحاب الأمريكي من سورية وتداعياته وأسبابه ومواقف الدول….

لا تعليقات

اترك رد