حرب التجارة الامريكية – الصينية !!


 

رغم الأجواء الودية التي سادت لقاء ترامپ مع الرئيس الصيني تشي جنبنغ في فلوريدا في السابع من نيسان / اپريل العام الماضي ، وما أعقب ذلك من تصريحات تبعث على التفاؤل ، الا ان تطورات جديدة قد بدات في الظهور دفعت البعض من المراقبين لاعتبارها مؤشراً على بدء الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين . من هذه التطورات اعلان الادارة الامريكية انها بصدد فتح ملفات الممارسات التجارية غير القانونية للصين مثل التوسع في تقديم الدعم للمشاريع الإنتاجية الصينية المخصصة للتصدير وعدم احترام قوانين حقوق الملكية الفكرية ؛ لقد قامت الولايات المتحدة من جهة اخرى بفرض رسوم اضافية على وارداتها من الحديد واالالمنيوم ثم علقتها بالنسبة لمعظم حلفائها من شركائها التجاريين ( عدا اليابان ) بما يؤشر الى ان الهدف منها هي الصين تحديداً !

الى اين تتجه هذه التطورات وماهو السياق العام الذي تأتي في إطاره ؟!

ينبغي الإشارة ابتداءاْ الى ان هذا ليس الاشتباك التجاري الاول بين الجانبين ، وهنالك ذكريات من المرارات التي انطبعت في الذاكرة الصينية والكثير من الاوهام الامريكية حول ماضي العلاقات .

لقد احتلت الصين على مدى سبعة قرون تقريباً من عام ١١٠٠ م وحتى عام ١٨٠٠ ، عام انطلاق الثورة الصناعية في اوروپا ، موقعاً مميزاً في الاقتصاد العالمي حيث شكل حجم اقتصادها حوالى ربع حجم الاقتصاد العالمي وحصة اكبر في اجمالي الانتاج الصناعي العالمي ، وقد بلغ إنتاجها الصناعي مع الهند حوالي ثلاثة ارباع الانتاج العالمي ، وهو رقم تراجع الى ٧.٥٪‏ في اوائل القرن العشرين ؛ من المتفق عليه بين المؤرخين الاقتصاديين ان هذا التراجع في المكانة الاقتصادية للصين ( وكذلك الهند ) يعود بالدرجة الاولى الى سياسة النهب والإفقار الاستعماري التي مارستها الدول الاستعمارية الكبرى في مستعمراتها . لقد تم على سبيل المثال ارغام منتجي الپورسالين الصيني من قبل التحالف الاستعماري الذي هيمن على الصين ، بضمنه الولايات المتحدة ، على التوقف عن صناعته والتحول الى تصدير مواده الخام بأسعار منخفضة تطبيقاً لسياسة ” الامتيازات الامپريالية ” ثم إجبارهم على استيراد منتجات مصنعة مكلفة من ذات المواد الأولية التي كانوا يصنعونها ، مما أبقى الميزان التجاري للبلد المُستَعمر في حالة عجز دائم . باختصار فقد تعرضت الصين لواحدة من اكبر عمليات النهب والإفقار الاستعماري على مدى قرن كامل منذ حرب الأفيون التي استغرقت أربعينيات القرن التاسع عشر وحتى انتصار الثورة الشيوعية عام ١٩٤٩ تحت شعار ماسمي حينها في الولايات المتحدة سياسة ” الباب المفتوح ” الذي يبدو ان الرئيس ترامپ يحاول اغلاقه او تضييق فتحته مع الصين والعالم . لكن هذه السياسة ترسخت بشكل وقائع تاريخية تمثل الجزء الأساسي في الذاكرة الصينية الحية التي تغذيها مناهج دراسة التاريخ الصيني ومحتوى الخطاب السياسي العام الذي تشترك فيه مختلف اطياف الصينيين بغض النظر عن طبيعة انتماءاتهم الدينية والعقائدية ؛ هذه الذاكرة الحية تمثل احد مرتكزات ودوافع الستراتيجية الدولية الصينية او مايمكن تسميته بالمحتوى التجاري للقومية الصينية التي تشهد نمواً مضطرداً منذ بداية المرحلة التي اعقبت حقبة ماو ودخول الصين مرحلة الإصلاحات السياسية والاقتصادية والعقائدية .

ليس خافياً طبيعة السياسات التجارية والمالية الدولية التي تنتهجها الصين منذ بداية صعودها الاقتصادي الصاروخي خلال العقود الاربعة الماضية . هذ الصعود الذي وضعها في المرتبة الثانية من حيث حجم ناتجها القومي الاجمالي بعد الولايات المتحدة ومتفوقة عليها في حجم التدفقات والموارد المالية التي تحققها تجارتها الخارجية وميزان التجاري الإيجابي مع معظم شركائها التجاريين . الخطر الأكبر الذي تمثله الصين ليس هذا التوسع في حجم صادراتها من المواد المصنعة ولكن في طبيعة الستراتيجيات الاقتصادية الدولية التي بدأت بانتهاجها منذ مطلع الألفية الجديدة بعد تكدس ارقام مهولة من العوائد المالية ، وخاصة بعد حلول الأزمة المالية العالمية لعام ٢٠٠٨ جراء انهيار قطاع الائتمان العقاري الامريكي والتي اصابت الاقتصادات ” الأطلسية ” حيث طالت بنتائجها الكارثية الاقتصاد الامريكي واقتصاديات اوروپ الغربية والاقتصادات المرتبطة عضوياً فيها مثل اقتصاديات دول الخليج العربي المنتجة للنفط ؛ لكن الاثار كانت محدودة في بلدان ومناطق خارج هذا الاطار فيما سجلت بعض الاقتصادات صعوداً رغم الأزمة ومنها الاقتصاد الصيني .

لم يتوسع الاقتصاد الصيني بسرعة اكبر فحسب ولكنه سجل لنفسه سابقة صارت موضع دراسة لدى المتخصصين الغربيين في العلوم الاقتصادية والسياسية : ان تحقيق النمو والتوسع في الاقتصاد ممكن في ظل نظام أوتوقراطي ، وان مقولة الانتصار النهائي للبرالية الاقتصادية ومستلزماتها من لبرالية سياسية قد عادت لتكون موضع تساؤل ، وكان ذلك نصراً للقوة الناعمة الصينية ونموذجها لادارة الحياة العامة ، كما عزز النظرية القائلة ان الاقتصاد الصيني قادر على النمو رغم أزمة الغرب الاقتصادية وتراجع وارداته الصينية في الوقت الذي كان يسود فيه الاعتقاد ان العلاقات التجارية مع الغرب شكلت احد المحركات الاساسية للتوسع والنمو الاقتصادي للصين .

لعل الانجاز الصيني الأهم الذي يكمل الانجاز في الجبهة الاقتصادية هو الانجاز في مجال السياسة الخارجية التي تجنبت الانجرار الى الصراع العسكري بل توجهت نحو تعزيز مكانتها الدولية كقطب عالمي باستثمار إنجازها الاقتصادي ومكانتها التاريخية والثقافية . لقد بادرت الصين منذ بداية الألفية الى التحرك على جبهات عدة لتحسين موقفها الستراتيجي على المستوى الدولي . لقد كانت الجبهة الاقتصادية هي الاساس ؛ قامت الصين بضخ مليارات الدولارات في افريقيا واسيا الوسطى وامريكا اللاتينية مستفيدة من انسحاب المؤسسات المالية الدولية غربية وامريكية التصميم مثل البنك الدولي وبنك التنمية الآسيوي ، وخلافاً للمقرضين الغربيين لم تضع الصين شروطاً تتعلق بتعديل الأنظمة السياسية باتجاه الديمقراطية اللبرالية او الشيوعية مقابل القروض التي قدمتها .

بادرت الصين الى إطلاق مبادرة البنك الآسيوي للاستثمار في البنى التحتية باعتباره الالية التنفيذية الرئيسية لوضع برنامج ” طريق الحرير ” او ماعرفت رسمياً باسم ” النطاق والطريق ” ؛ قامت ادارةٍ اوباما بدعوة حلفائها لمقاطعة هذه المؤسسة المصرفية التي تتخذ من پكين قاعدة لأعمالها ، لكن الحلفاء تجاهلوا هذه الدعوة حيث اعلنت كل من بريطانيا وفرنسا وألمانيا وأستراليا واخرين انضمامها للمؤسسة الوليدة بصفتهم شركاء حاملين للاسهم .

في جبهة اخرى قامت الصين بالانفاق على تعزيز قوتها الناعمة وتتولى حالياً تمويل ورعاية مايزيد عن خمسمائة مؤسسة كونفوشيوسية حول العالم ؛ تم ذلك في وقت اضطرت معه العديد من الدول الغربية الى إغلاق العديد من مؤسساتها الثقافية في الخارج على خلفية تقليص الانفاق بينما قام التلفزيون الصيني الوطني بتأسيس حوالي ثلاثين مكتباً له حول العالم .

من المهم ملاحظة ان السياسة الخارجية الصينية قامت بالتخلص من آية اعباء ايديولوجية ونجحت في التخلص من الارث الماوي الداعي الى تصدير الثورة ، بل يمكن توصيف التوجه العام للسياسة الخارجية الصينية الحالية بأنها معادية للحركات الثورية . يأتي هذا التوجه منسجماً مع توجه الصين بشكل عام لابطال دعوى الغرب بان القيم الغربية هي قيم عالمية صالحة لكل زمان ومكان وتستثمر جيداً في كل تجارب الفشل الامريكي والغربي مثل العراق وافغانستان وأماكن اخرى عديدة حيث تتعثر اللبرالية الغربية في خطواتها ذاتها . هذه التجارب الفاشلة تعزز دعوى الصين بأن الشعارات الامريكية الداعية لنشر قيم الديمقراطية اللبرالية الغربية مجرد غطاء لإخفاء مصالح جيوستراتيجية ، ويتم استقبال شعارات الصين حول التعددية الثقافية والحضارية بالترحاب على المستوى العالمي ، بل تقدم نفسها في بلدان افريقيا واسيا على انها تجربة بلد من ذلك العالم . في هذا الاطار تمت الاستجابة على نطاق عالمي واسع لدعوات الصين بضرورة التضييق على حرية الحركة التي كانت تتمتع بها المنظمات غير الحكومية الممولة غربياً وامريكياً والداعية الى نشر قيم اللبرالية الغربية . لقد حذت بلدان كثيرة حذو الصين في انهاء وجود مثل هذه المنظمات على أراضيها او قامت بتحديد نطاق عملها ووضعت تحت رقابة صارمة ، بل وتم ذلك في بعض البلدان الآسيوية الحليفة للصين باعتبار ان هذه المنظمات تروج للمثلية الجنسية ، وتم تشجيع نمط صيني مبتكر من المنظمات غير الحكومية التي تقوم الحكومات بإنشائها وهي التي تعرف اختصاراً باسم ” Gongos ” ، وهو اسم يحمل التناقض في داخله لكنه اصبح نموذجاً صينياً يحتذى ؛ من ابرز الأمثلة هي فروع المؤسسات الإعلامية الحكومية مثل التلفزيون الصيني والزعم انها مؤسسات ذات خط تحريري مستقل . عندما تتم مناقشة ذلك مع المسؤولين الصينيين يسوقون أمثلة عديدة على ذلك في الغرب مثل آلبي بي سي ومحطات تلفزيونية وإذاعية حكومية ومنظمات ناشطة في مجال حقوق الانسان تحظى بدعم ورعاية وحماية حكومية امريكية وغربية .

رغم ان الزعم بان الصين قد اصبحت قوة عظمى عالمية هو ادعاء سابق لأوانه ولكن من الصعب المجادلة في ان الصين تشكل اليوم قطباً عالمياً يتمتع بموارد مالية وصناعية هائلة ويعزز مكانتها تراث تاريخي وثقافي عميق في الزمان والمكان ، بل واصبح ثقافة تحتذى على المستوى الشعبي في قلب العالم الغربي الراسمالي بقيادة الولايات المتحدة . ان القوة الاقتصادية والنفوذ العالمي الناعم للصين يشكل رافعة واضحة الأثر في موازين القوى العالمية ولعل الأهم هو مهارة الصينيين في استثمار قدراتهم وهفوات خصومهم بشكل مثالي ، ومن غير المستغرب ان نقرا لستراتيجي كبير مثل هنري كيسنجر يصف فيه القادة الصينيين بأنهم أفضل السياسيين في العالم وأنهم الاقدر على شم رياح التغيير في السياسة العالمية ( كتابه – سنوات الاضطراب ) .

من هنا نبدأ بتقييم الإجراءات التجارية العقابية الاخيرة التي امر الرئيس ترامپ باتخاذها ضد الصين ومن المهم تفحص ذلك بالارقام .

في الثاني والعشرين من الشهر الماضي أعلن الرئيس ترامب مجموعة من الإجراءات المضادة لسياسات الصين المتعلقة بحقوق الملكية الفكرية ، ومن ضمن تلك الإجراءات فرض رسوم تمييزية على انواع محددة من السلع الصينية الواردة الى الولايات المتحدة اضافة الى الرسوم العامة المفروضة على الواردات من الحديد والألمنيوم ، مع قرار لاحق بتعليق تنفيذ رسوم الحديد والألمنيوم بحق الاتحاد الاوروپي ومجموعة من الدول الغربية والاسيوية الحليفة منها مما يجعلها نوعاً من الإجراءات التمييزية العقابية جزئياً ضد الصين .

تشير القرارات الصادرة الى شمول ١٣٠٠ سلعة صينية برسوم تبلغ ٢٥٪‏ ؛ السلع المشمولة ذات نوعية موزعة على عدد من أصناف السلع ذات الطابع الستراتيجي من الناحية الاقتصادية ، وهي تشمل تقنيات المعلومات والروبوت وصناعة السفن والسكك الحديد ذات التقنية المتقدمة والمركبات العاملة بمصادر الطاقة الحديثة والادوية والرعاية الطبية عالية التقنية . لقد جاء اختيار هذا النوع من المنتجات وفق اعتبار محدد وهو انها تحتوي مدخلات تقنية غير شرعية ، وسيتم في وقت لاحق اعلان قوائم تفصيلية محددة بأسماء المنتجات المستهدفة كما سيتم مراعاة معيار محدد اخر فيما يتصل بقوائم المنتجات التي ستفرض عليها الرسوم وهو يستند الى تقليص الاثار السلبية التي يمكن ان تصيب المستهلك الامريكي الى حدها الأدنى ؛ من المتوقع ان تشمل هذه الرسوم سلعاً تبلغ قيمتها ٥٠-٦٠ مليار دولار . اضافة لهذه الإجراءات فان الولايات المتحدة ستتقدم بشكوى الى منظمة التجارة العالمية كما سيتم فرض قيود اضافية على المستثمرين الصينيين في قطاع التكنولوجيا الامريكي من قبل وزارة الخزانة الامريكية . في الجملة تعتبر هذه الإجراءات هي الاقوى والأشمل التي تفرض على التجارة الصينية من قبل الولايات المتحدة .

من جانبها فان لدى الصين جملة من الإجراءات المضادة خاصة اذا ماعلمنا ان الرد قد يشمل سلعاً امريكية تستوردها الصين وتبلغ قيمتها السنوية حوالى ١٣٠ مليار دولار ، وقد يتسبب فرض رسوم مقابلة على هذه السلع إضراراً بالمستهلك الامريكي وقد تؤدي الى تضييق القاعدة الشعبية للرئيس ترامپ . لقد قامت الصين ايضاً بفتح بعض الملفات الامريكية في اطار منظمة التجارة العالمية ومنها ملف تحقيق يستمر عاماً حول إعانات حكومية تتلقاها زراعة نوع من الذرة يسمى ” سرغهام ” ، وهو فرع زراعي – صناعي يشكل مورداً رئيسياً لولايات امريكية مهمة مثل كنساس وتكساس ، كما اعلنت الصين انها سوف تستهدف صادرات زراعية اخرى تشمل لحوم الخنزير وفول الصويا وهو ماقد يلحق إضراراً بولايات امريكية اخرى مثل ايوا ونبراسا وإنديانا وميزوري . كما تداولت الصحافة الصينية قراراً حكومياً محتملاً بإلغاء صفقة شراء لطائرات بوينغ والاستعاضة عنها بطائرات ايرباص الفرنسية .

هذه اجراءات تداولتها الاوساط الصينية حتى هذه اللحظة ، ولكن اذا ما انحدر الجانبان الى الرد على اساس المقابلة بالمثل واحدة بواحدة فإن اجراءات الولايات المتحدة ستلحق الضرر بالقطاع الذي تسعى لحمايته . ان الإجراءات التقييدية التي تسعى وزارة الخزانة لاعتمادها بشأن الاستثمارات الصينية في قطاع التكنولوجيا الامريكي ستلحق الضرر بالشركات الامريكية المتخصصة في هذا المجال التي تمتلك حصصاً في الصين ، ولو ابدت ادارةٍ ترامپ قدراً من الاستعداد للتفاوض حول ذلك لكان بالإمكان تجنب الكثير من الأضرار ، لكن ادارة ترامپ تبدو مصممة على المضي في سياسة لَيْ الذراع . ان مايحصل من اجراءات متقابلة بين الصين والولايات المتحدة ليس بالأمر الجديد في عالم المنافسة التجارية بين الدول وهنالك قواعد لضبط مسار ذلك ولكن يبدو ان ادارةٍ ترامپ تمضي الى ابعد مما يمكن ضبطه بموجب قواعد التنافس التجاري الدولي ، اي نحو المواجهة .

ان مايدفع الادارة الحالية نحو هذا السلوك هو تأثير العقائديين من أعضائها الذين يصرون على ان الولايات المتحدة قادرة على كسب آية حرب تجارية لانها تستورد اكثر مما تصدر ، ولكن الوقائع على الارض تسير في اتجاه اخر وإمامنا نموذج واضح : حين اعلنت الولايات المتحدة فرض رسوم على وارداتها من الحديد والألمنيوم بادر الاتحاد الاوروپي نيته فرض رسوم على واردات امريكية بذات القيمة مما دفع الادارة لتعليق تنفيذ قرارها بحق عدد من الشركاء التجاريين باستثناء الصين ( واليابان ) . فكيف من المتوقع ان ترد الصين ؟!

قد تقرر الصين عدم المضي في الإجراءات المقابلة لان الاقتصاد الصيني قد بلغ حجماً لاتستطيع الإجراءات الامريكية الحالية التأثير عليه كثيراً رغم انها قد تلحق الضرر الجزئي ببعض الاعمال . لقد بلغت الصادرات الصينية حوالى تريليوني دولار عام ٢٠١٦ والأعمال التي سيصيبها الضرر الناجم عن فرض القيود على ماقيمته ٥٠-٦٠ مليار دولار من المنتجات المصدرة من الصين الى امريكا لن يمثل اكثر من ٢.٥٪‏ من إجمال الصادرات الصينية اليها .

هنالك امر اخر قد لاتعكسه هذه الأرقام بدقة ؛ إن الصين ليست سوى حلقة اخيرة في السلع المصدرة منها الى الولايات المتحدة ؛ انها حلقة اخيرة في نهاية سلسلة آسيوية وماتصدره من سلع وخاصة الاستهلاكية منها يتضمن قدراً جوهرياً من المنتجات الآسيوية الوسيطة وماتقوم به الصين بالدرجة الاساسية هو تصنيع جزئي مكمل وتجميع نهائي للسلع وإعدادها للتصدير ، اي ان القيمة الإجمالية لهذه السلع تتضمن حصصاً لبلدان آسيوية اخرى تبلغ الثلث تقريباً من القيمة الإجمالية لها وبالتالي فان الإجراءات الامريكية ضد الصين ستكون موجهة نحو بلدان ليست مقصودة بهذه الإجراءات الامريكية .

الاكثر من ذلك فقد اضطرت ادارةٍ ترامپ الى التراجع في قضية الرسوم المفروضة على الواردات من الحديد والألمنيوم حيث تم استثناء الاتحاد الاوروپي وكندا والمكسيك والبرازيل والارجنتين وأستراليا ونيوزيلندا وكوريا الجنوبية من هذه الرسوم ، والواردات من هذه البلدان تمثل ثلثي اجمالي الواردات الامريكية من هذه المواد وبالتالي فان تأثير هذه الرسوم اقتصادياً على الصين سيكون طفيفاً جداً .

قد يكون هذا التخبط هو الذي دفع بكبير المستشارين الاقتصاديين في البيت الأبيض الى التنحي ، وقد تكون هذه الإجراءات الامريكية هي البداية ورأس جبل الجليد في سلسلة الإجراءات الاقتصادية التي تزمع ادارةٍ ترامپ المضي قدماً فيها تجاه الصين ، ولكن قد تكون ايضاً البداية في حرب تجارية يستخدم فيها الطرفان كل موارد القوة التجارية لديهما وقد يسبب احدهما للاخر إضراراً كبيرة ؛ غير ان العالم ليس الولايات المتحدة والصين ويتعين على ادارةٍ ترامپ ان تحسب ان الحلفاء في عالم القوة العسكرية والنفوذ المدعوم بالسلاح ليسوا بالضرورة حلفاء تجاريين بل ربما يكونوا من اشرس المنافسين . هذا العالم معقد ومتشابك ولامحل فيه للحسابات الساذجة خاصة مع خصوم محنكين مثل الصينيين كانوا عبر التاريخ اصحاب السهم الرئيسي في التجارة الدولية باستثناء فترة الهيمنة الكولونيالية .

لقد أبدى الكثير من الخبراء الامريكيون نصحهم للإدارة بتجنب المواجهة التجارية مع الصين وقدموا سيناريوهات بديلة ، وماهو موضع جدل اساس يتعلق بجوهر الستراتيجية : مايتبناه ترامپ هي ستراتيجية ذات هدفين يعطل احدهما الاخر ؛ انه يسعى لانعاش اقتصاد بلاده في وقت يقلص فيه من فرص التبادل التجاري الخارجي سواء مع الحلفاء او الخصوم . لكن خبراء الاقتصاد يقترحون اجراءات بديلة تقوم على دعم التوسع الاقتصادي في ألداخل وزيادة الانفتاح التجاري مع العالم مع إقرار بان الصين تُمارس سياسات اقتصادية غير مشروعة وغير عادلة ؛ ومن هؤلاء الخبراء كاتبي المقال الذي نقدمه اليوم وهما ماثيو غودمان احد كبار خبراء الاقتصاد في مركز الدراسات الستراتيجية والدولية وإيلي راتنر وهو متخصص بالدراسات الصينية في مجلس العلاقات الخارجية الامريكي . لقد نشرا مقالتهما في مجلة فورين افيرز في ٢٢ / اذار – مارس / ٢٠١٨ تحت عنوان ” نحو سبيل أفضل لمواجهة الصين في ميدان التجارة ” .

لنتابع

ان خطوة الرئيس ترامپ بفتح ملف العلاقات التجارية مع الصين ووضع الصين وسلوكها التجاري موضع المساءلة امر يحسب له ، ولكن طبيعة ومضمون القرارات التي اتخذها تثير الكثير من الاضطراب وقد تقود الى العزلة كما ان التوسع في فرض التعرفة الكركية من شانه الإضرار بالشركات الامريكية والمستهلك الامريكي فضلا عن كونها اجراءات عقابية تطال حلفاء للولايات المتحدة وقد تقوض نظام التجارة العالمي ؛ هنالك سياسات أفضل يمكن انتهاجها !!

لقد ألحقت الصين الضرر بنظام التجارة العالمي ومصالح الولايات المتحدة ؛ لقد أغرقت الصين الاسواق العالمية بالسلع المدعومة كما أرغمت الشركات الامريكية على النقل القسري للتكنولوجيا في سرقة مكشوفة لحقوق الملكية الفكرية وكان ذلك سبباً في تزايد البطالة الامريكية وتباطؤ النمو ، كما تسعى الصين للهيمنة بطرق غير مشروعة على تقنيات المستقبل مثل صناعة الروبوت والعلوم الطبية والذكاء الصناعي .

امريكا اولاً ، امريكا وحيدة ..

ان توجه ترامپ نحو مواجهة نزعة التوسع التجاري الصينية تحظى بشعبية واسعة في الوسط السياسي الامريكي ويتصاعد تأييدها كذلك في اوساط قطاع الاعمال الخاص ، ولكن الوسائل المستخدمة تواجه شكوكاً كثيرة . بموجب الإجراءات التي اعتمدتها الادارة مؤخراً فقد تم اللجوء الى قوانين امريكية قديمة نسبياً ونادراً ماتم استخدامها خاصة وانها صدرت في الحقبة التي سبقت انشاء الاليات الدولية الجماعية الخاصة بالنزاعات التجارية مثل منظمة التجارة العالمية . من القوانين التي استخدمت قانون التوسع التجاري لعام ١٩٦٢ وقانون التجارة لعام ١٩٧٤ ، وهما قانونان يسمحان للحكومة الامريكية بمواجهة طيف من المخاطر التي قد يتعرض لها الرفاه العام بضمن ذلك فرض قيود على الواردات او تنامي الاعتماد على الخارج مما قد يعرض الامن القومي للخطر او لمواجهة اي تمييز في المعاملة قد تتعرض له الشركات الامريكية . لقد لجأ ترامپ الى هذه القوانين لفرض موجة كاسحة من الرسوم على الواردات من غسالات الملابس وألواح الطاقة الشمسية ثم على الواردات من الحديد والألمنيوم وأخيراً على ماقيمته ٥٠ مليار دولار من السلع الصينية على خلفية خروقات تتعلق بالتكنولوجيا .

ان اجراءات ترامب قد تفلح على المدى القصير في معالجة الممارسات التجارية الصينية الضارة بالاقتصاد الامريكي ولكن أضرارها تفوق منافعها ، وهنالك توافق بين الاقتصاديين على ان التعرفات الكركية هي وسيلة غير سليمة لمعالجة اوضاع كهذه . ان التعرفات المفروضة على الحديد والألمنيوم قد تكون نافعة لصناعة الحديد الامريكية ولكنها ذات أضرار بالغة على مجمل قطاع الصناعة الامريكية . ان آلاف الوظائف التي ستنشأ عن ذلك القرار يقابلها حوال نصف مليون وظيفة سيفقدها الاقتصاد الامريكي ككل وبمعدل ثمانية عشر وظيفة مفقودة مقابل كل وظيفة جديدة . ان هذا ليس افتراضاً نظرياً بل سبق حصوله حينما قام الرئيس بوش الابن بفرض تعرفة كمركية على الحديد عام ٢٠٠٢ الامر الذي ادى الى خسارة حوالي مائتي الف وظيفة .

ان قرارات ترامب ستوجه ضربة قوية لنظام التجارة العالمي ؛ سوف تقوم بلدان اخرى باتخاذ قرارات مماثلة من خلال استخدام تفسير موسع لمفهوم الامن القومي وفرض قيود مماثلة على الشركات الامريكية ، كما قد تقوم البلدان المتضررة برفع الشكاوى ضد الولايات المتحدة امام منظمة التجارة العالمية .

من النتائج المهمة لقرارات ترامپ الخاصة بالحديد والألمنيوم هي إعاقتها امكانية تشكيل تحالف تجاري دولي لمواجهة الممارسات التجارية الصينية الضارة ؛ ان شمول هذه الإجراءات معظم الشركاء التجاريين للولايات المتحدة في اوروپا واسيا سيعيق آية امكانية لتوحيد الجهود لمواجهة الصين في ميادين اخرى مثل سرقة حقوق الملكية الفكرية التي تعاني منها هذه البلدان وقد اعلنت بعضها العزم على اتخاذ اجراءات مقابلة ضد الولايات المتحدة ، بل ان بعضها مثل كوريا الجنوبية قد لاتبدي مايكفي من التعاون في ملف التسلّح النووي الكوري الشمالي . لقد تم في وقت لاحق استثناء بعض الشركاء من التعرفات الجديدة لكن الأضرار قد وقع ، كما ان بعضها مثل اليابان مازالت مدرجة على قوائم الدول المشمولة باجراءات ترامپ الجديدة .

قاسٍ ولكن موجه بعناية

اجراءات ترامپ ليست الخيار الوحيد وهنالك مجموعة من الإجراءات السليمة مقرونة بارادة سياسية صلبة من جانب القيادة الامريكية بامكانها تجريد الصين من المزايا غير العادلة دون ان تسبب إضراراً مؤكدة .

ان الهجوم هو أفضل وسيلة للدفاع . ينبغي تفعيل عمل لجنة الاستثمار الأجنبي في الولايات المتحدة CFIUS وهي الهيئة الحكومية التي تقوم بفحص الاستثمارات الأجنبية من منظور الامن القومي ؛ هنالك مشروع قانون في طريقه للإقرار من قبل الكونغرس توافق عليه الحزبان لتعزيز الرقابة على التكنولوجيا الحساسة ويتعين على الكونغرس جعل هذا القانون فاعلا دون وقوع أضرار للبيئة المرحبة بالاستثمار الأجنبي ، وبشكل يؤمن مايكفي من الموارد لتمكين لجنة الاستثمار من اداء واجباتها في كل قضية مهما كثرت . كما ينبغي تعزيز تعزيز مكتب الممثل التجاري للولايات المتحدة USTR وهو الهيئة الحكومية المسؤولة عن تقديم المشورة الخاصة بتنمية التجارة الخارجية الى رئيس الولايات المتحدة بما يمكن هذه الهيئة من تعزيز التجارة والتفاوض واعادة التفاوض حول الاتفاقيات التجارية .

ان اصلاح التجارة هو جزء أساسي من من آية سياسة لمواجهة التحدي الصيني . انه ليس خطأً من ناحية المبدأ ان يقوم الرئيس ترامپ باستخدام قوانين التجارة الامريكية القديمة لمواجهة السلوك السيء للصين وخاصة النقل القسري للتكنولوجيا ، ولكن الإجراءات المتخذة ينبغي ان تحظى بدعم بقية الشركاء التجاريين ولاينبغي لها ان تخرق الالتزامات الدولية ، وعلى العكس من ذلك فأن فرض التعرفات الكمركية من شأنه خرق قوانين منظمة التجارة العالمية ويستدعي اجراءات مقابلة .

من المهم ان تستهدف الإجراءات الامريكية حشد الحلفاء الرئيسيين لمواجهة الإجراءات الصينية المؤذية وبطريقة منسقة بشكل أفضل . ان الإجراءات الامريكية المنفردة ستكون محدودة التأثير بينما تستطيع الولايات المتحدة حشد العديد من البلدان الآسيوية او الاوروپية لإعداد قضايا مشتركة ضد الصين في اطار منظمة التجارة العالمية اضافة الى تبادل المعلومات حول النشاطات الصينية في مجال الاستثمار .

يتعين على الولايات المتحدة ايضاً المبادرة الى كتابة قواعد جديدة للتجارة الدولية للقرن الحادي والعشرين ؛ من شأن ذلك الحد من الممارسات غير العادلة التي تقوم بها الصين وإفهام پكين ان عليها العمل وفق هذه القواعد اذا ارادت الاستمرار في الاستفادة من من التجارة والاستثمار المفتوحتين في الباسفيك – اسيا وما هو ابعد من ذلك .

لقد كان ذلك هو الهدف الذي توخته اتفاقيات الشراكة عبر الپاسفيك TPP والشراكة والاستثمار عبر الأطلسي TTIP ( وقد أهمل ترامپ كلاهما ) وكان من شأنهما ارساء قواعد وضوابط ذات مستوى عالٍ لمواجهة العديد من القضايا ذات الصِّلة بالصين بضمنها قضية الشركات الحكومية والاجراءات والتدابير الحكومية وتوطين المعلومات . لقد تضمنت الاتفاقيات المشار اليها قواعد منظمة للعمالة والبيئة من اجل تمهيد ارضية مناسبة للعمال الامريكيين وانهاء آية منافسات لاضرورة لها . ان قرارات ترامپ الانسحاب من تلك الاتفاقيات سوف تسبب خسارة في المدخولات تصل الى حوالى ١٣١ مليار دولار بحلول عام ٢٠٣٠ . كما سيتم استبعاد الولايات المتحدة من آية مفاوضات تتعلق بحوالي عشرين اتفاقية تم بذل الكثير من الجهود بشأنها تخص الملكية الفكرية وضوابط اخرى ذات صلة .

مساعدة الذات

ان مواجهة الصين ليست قضية تجارية محضة . يتعين على الولايات المتحدة ان تشجع الاستثمار في داخلها . ان نوعية الرعاية الطبية والتعليم والبنية التحتية يمكنها ان ترفع من مستوى العيش للشعب الامريكي اكثر من آية اتفاقية تجارية او تعرفة كمركية ولذلك يتعين على الساسة الامريكان ان يقدموا رؤى خلاقة جديدة عابرة للحزبية واعادة تموضع تلك الصناعات التي تركت البلاد خلال القرن العشرين . ان افكاراً مثل تعميم التأمين الخاص بالأجور ودعم اعادة توطين المشاريع واجراءات اخرى مماثلة من شأنها تحقيق الاهداف المتوخاة ومواجهة المنافسة الصينية غير العادلة بوسائل اكثر نجاعة ومن دون اثار سلبية لانها ذات طابع وطني خالص .

ان على الساسة الامريكيين ان يكافحوا من اجل احباط النزعة التجارية الحمائية التي تنتشر في اوساط الحزبين الجمهوري والديمقراطي والتأكيد على ان الولايات المتحدة ملتزمة بمبادئ حرية التجارة خاصة وان غالبية امريكية شعبية تصل حد ٧٠٪‏ من الجمهور الامريكي تعتبر التجارة الخارجية فرصة لتعزيز النمو الاقتصادي فيما لايتجاوز عدد من يَرَوْن فيها خطراً ٢٥٪‏ ؛ مثل هذه النسبة موجودة في اوساط الحزبيين الملتزمين من الديمقراطيين والجمهوريين وينبغي استثمار هذا الزخم الحزبي والشعبي العام .

لاشك ان ترامپ قد قدم خدمة كبرى للبلاد حين وضع قضية النزعة التوسعية التجارية للصين في أولويات النقاش الوطني ، ولكن من غير الملائم اللجوء الى قرارات العزلة ومعاقبة الحلفاء واحباط مايمكن حشده من جهد جماعي لوضع الصين في موضع المحاسبة وان اغلب الإجراءات التي اتخذتها الادارة كانت ذات مردود عكسي .

ان المطلوب هو جدول اعمال لاعادة صياغة قواعد التعامل التجاري بما يضمن تفعيل القيادة الامريكية للعالم وتعزيز الرفاه وتشجيع الاستثمار على المدى البعيد وجعل الشعب الامريكي في موضع القدرة على مواجهة اي منافسة غير عادلة بما في ذلك الصينية .

شارك
المقال السابقصفقات لتوزيع سوريا ( مرحلة ما بعد الغوطة )
المقال التالىفساد عبر القارات
فائز ناجي عبدالرحمن السعدون من مواليد بغداد / الأعظمية ١٩٤٦.. درس العلوم السياسية في جامعة بغداد وتخرج فيها عام ١٩٦٧.. انخرط للعمل في السلك الدبلوماسي العراقي منذ منتصف السبعينات وعمل في البعثات الدبلوماسية العراقية في جنيف والاكوادور وجمهورية مالي وطهران وبوخارست ... تخصص في الشؤون الإيرانية منذ عا....
المزيد عن الكاتب

1 تعليقك

  1. اجدتم وابدعتم في تقدم هذه الدراسة الوافية الكافية لواقع ومستقبل العلاقة الصينية الاميركية .

اترك رد