صفقات لتوزيع سوريا ( مرحلة ما بعد الغوطة )

 

يبدو أن هناك ترتيبات روسية أميركية بالتنسيق مع الأردن مع وجود قناعة بأن مرحلة شرق الفرات مؤجلة إلى مرحلة بعيدة بسبب القرار السياسي الأميركي بالبقاء إلى أجل مفتوح، رغم أن هناك تباين أميركي حول انسحاب قريب من سوريا، بعدما صرح الرئيس الأمريكي عندما قال نحن نهزم داعش، سنخرج من سوريا قريبا جدا، قريبا جدا، وأضاف سنخرج من هناك قريبا جدا وسنعود إلى بلادنا حيث ننتمي، وحيث نريد أن نكون.

تحت وطأة خسارة القطاع الجنوبي وتهجير آلاف المقالتين من فيلق الرحمن وأحرار الشام من شرق دمشق إلى الشمال دخل جيش الإسلام مفاوضات مباشرة مع الجيش الروسي لتقرير مصير آخر جيب للمعارضة شرق العاصمة والذي يضم ثمانية آلاف مقاتل.

برزت عقدة أن أنقرة وفصائل متحالفة معها رفضت استقبال قيادات من جيش الإسلام بسبب اعتراض تركي على عقد فصائل اتفاقات عقد التصعيد مع روسيا برعاية مصرية، وأمام هذا الواقع بدا أن إحدى المناطق التي يمكن أن يذهب إليها قياديون أو مقاتلون من جيش الإسلام إلى أرياف درعا، السويداء، القنيطرة التي تسود فيها اتفاقية التصعيد بتفاهم أميركي روسي أردني.

دمشق تضغط على موسكو للذهاب إلى شن هجوم على جيب ريف حمص في الرستن وتلبيسة وهي المنطقة التي جرى التوصل في القاهرة مع روسيا لاتفاق خفض التصعيد، وهي معركة تقع ضمن سوريا المفيدة بدلا من التوجه نحو جنوب البلاد التي وقعت فيها هدنة نصت على التزام أميركا بأن تقاتل فصائل الجيش السوري الحر التي تضم 35 ألف مقاتل جبهة النصرة وجيش خالد التابع لداعش مقابل التزام روسيا بإبعاد قوات غير سورية في إشارة إلى النجباء وحزب الله عن الجنوب في مرحلتين الأولى بين 5 و 15 كيلو مترا والثانية وراء 20 كيلو مترا.

هناك اعتقاد بأن دمشق تضغط لتحسين الموقف التفاوضي للوصول إلى ترتيبات جديدة، ومن المرجح أن تكون المعركة المقبلة جيب حمص، لذلك استعجل جيش التوحيد وهيئة التفاوض في حمص إلى الاتصال بأنقرة للوصول إلى تسوية تبعد ريف حمص عن المعارك ونشر نقاط مراقبة تركية شمال حمص، لكن أنقرة تعطي أولوية لقضم ريف حلب بعد عفرين، خصوصا وأن المفاوضات جارية بين أنقرة وموسكو للاتفاق على آلية تسليم تل رفعت إلى أنقرة والاتفاق على خرائط انتشار فصائل معارضة والجيش التركي هناك.

هناك اتفاق على تسليم تل رفعت جنوب شرقي عفرين لأنقرة خصوصا بعدما انسحب النظام من أطراف مطار منغ ومناطق في تل رفعت، ما يجعل تركيا تنشر 13 نقطة مراقبة، وهي مناطق سيطرت عليها وحدات حماية الشعب الكردي في مطلع عام 2016 على المناطق الواقعة جنوبي شرقي مدينة عفرين وهجرت نحو 250 ألفا من سكان تل رفعت من المنطقة، حيث لجأوا إلى المناطق الواقعة في مدينة أعزاز الواقعة ضمن مناطق درع الفرات، في المقابل تسيطر قوات النظام على نصف مساحة سوريا مقابل سيطرة حلفاء واشنطن على ثلث سوريا شرق نهر الفرات، ما يعني أن عمليات توزيع قطع سوريا بين القوى الخارجية مستمرة.

تهدد أنقرة واشنطن باقتحام منبج إذا لم تسحب الوحدات الكردية من منبج تنفيذا لتعهدات سابقة من واشنطن، وفي مؤشر على تقارب في الفترة الأخيرة بين أنقرة وواشنطن في أعقاب الاتصال الهاتفي بين أردوغان وترمب، دعا ترمب إلى تعزيز التعاون مع تركيا فيما يخص الأزمة السورية، وحض في اتصال هاتفي مع نظيره الفرنسي ماكرون في 27/3/2018 على العمل المشترك مع أنقرة، إذ أكد على الدور أهمية الدور التركي في منطقة الشرق الأوسط على اعتبار أن أنقرة حليف استراتيجي في حلف شمال الأطلسي ( ناتو )، وتناول أردوغان مع ترمب شراء صواريخ الدفاع باتريوت بعد أن انتقد ترمب شراء تركيا منظومة إس 4 من روسيا.

بعد سيطرة تركيا على كامل قرى وبلدات عفرين بدأت عوائل سورية لاجئة في تركيا العودة إلى المناطق التي تسيطر عليها تركيا في إطار عمليتي درع الفرات وغصن الزيتون شمال سوريا، حيث أرسلت تركيا والأمم المتحدة في 28/3/2018 نحو 26 شاحنة تحمل مساعدات إنسانية إلى محافظة إدلب شمال غربي سوريا، بجانب 6 شاحنات تحمل أسرة ومخيمات وبدورها كذلك أرسلت الأمم المتحدة 20 شاحنة مماثلة عبرت معبر جيلفا جوزو المقابل لباب الهوى على الجانب السوري متوجهة إلى إدلب.

أطلقت موسكو المناقشات مع أطراف دولية وإقليمية للتحضير لجولة المفاوضات السورية المقبلة في جنيف، وهناك تحضيرات مكثفة تجريها موسكو مع طهران وأنقرة لإنجاح قمة ثلاثية تنعقد في إسطنبول في 4/4/2018 من أجل وضع تصورات مشتركة للمرحلة المقبلة بعد انتهاء استحقاقي الغوطة الشرقية وعفرين.

وهناك تركيز على مسألة تشكيل اللجنة الدستورية السورية، التي تم إقرارها في مؤتمر سوتشي للحوار السوري، وتولي موسكو أهمية لمناقشة هذا الملف مع دي مستورا، لكن تبحث موسكو مع أنقرة وطهران ثمة نقاطا متفقا عليها ووضع ملامح مشتركة للتحرك خلال المرحلة المقبلة لدفع العملية السياسية وآليات المحافظة على الاتفاقات السابقة المتعلقة بتثبيت وقف إطلاق النار مع التأكيد على المحافظة على مسار استانة، ودفع العمل المشترك لتنفيذ قرارات مؤتمر سوتشي.

حصول بوتين على 76،69 في المائة من نسبة الناخبين سيعطيه زخما لإجراء سياسة خارجية أكثر نشاطا وثقة خصوصا في سوريا، خصوصا وبالدرجة الأولى تموضع روسيا لمدة طويلة ولأول مرة في التاريخ في الساحل الشرقي للبحر المتوسط، وكلما تعقدت العلاقات مع الغرب ازدادت الفرص لدى الدول في الشرق الأوسط خصوصا السعودية وتركيا وهو ما يزعج الولايات المتحدة خصوصا وأنها تمتلك مقومات حول الموارد الخام من الهيدروكربونات والمعادن وتفوقها على المنافسين الآخرين مدعومة بكبر مساحتها وبروز أسلحة جديدة لديها ولو أنه محدود من الصناعات عالية التقنية لكن الأسعار المنافسة يجعل من روسيا دولة منافسة أعطاها قاعدة للتحرك، خصوصا وأنها ودول الشرق الأوسط وبشكل خاص مع السعودية مهتمون بالتصدي للتحديات والمخاطر المشتركة التي من بينها الإرهاب وهبوط أسعار النفط.

استثمرت روسيا فهم دول المنطقة المخاطر المتعلقة بهيمنة لاعب وحيد بالإضافة إلى وجود ميول لديه باللعب على أوراق كثيرة في المنطقة منها ورقة الإرهاب وورقة الطائفية وورقة الأكراد وورقة الأقليات وورقة الإسلام السياسي وورقة النفط وورقة النووي الإيراني، وفي نفس الوقت لا ترغب دول المنطقة وعلى رأسها تعقيد علاقتها مع الولايات المتحدة بل هي بحاجة ماسة نحو تنويع علاقاتها السياسية والاقتصادية الخارجية، والتركيز على مصالحها الوطنية أكثر.

لا تريد دول المنطقة مواجهة بين روسيا والولايات المتحدة في المنطقة وخصوصا في سوريا، وحيث أن تسوية في سوريا تمثل مصلحة متبادلة بين جميع الأطراف، ورغم ما حدث في الغوطة الشرقية وعفرين يبقى واضحا تفوق التوجه نحو التعاون الوثيق والشراكة.

هناك قلق لدى شركاء روسيا بعد بروز تصورات بأن وزراء الثلاثية اتفقوا على عقد مؤتمر حوار وطني سوري في اسطنبول ومن ثم في إيران على غرار ما جرى في سوتشي الذي سيخالف الاتفاقات التي تم التوصل إليها في فيينا وسوتشي رغم أن لافروف وزير خارجية روسيا في 16 مارس 2018 اعتبر أن هناك عدم دقة في الترجمة، ورغم الدور التنسيقي الذي تلعبه الأمم المتحدة يجب عليها العمل على أساس تلك المساهمات التي ستقدمها الدول الثلاث الضامنة وتحرص روسيا أن تكون تشكيلة اللجنة الدستورية كاملة الشمولية والتمثيل، من ناحية مشاركة جميع فئات وشرائح المجتمع السوري الإثنية والدينية والسياسية والتي ستفتح الطريق أمام عملية سياسية واسعة ستضع بدورها نهاية الأزمة الدموية.

لا تعليقات

اترك رد