في حياة الأوطان وموتها

 

“يحيا” أو “يموت”، كلمتان متضادتان، يلهج بهما النّاس ويهتفون، في حياة البلد الّذي ينتمون له، أو بموت البلد الّذي يعادون، حتّى تكاد لا تخلو يافطة في تظاهرة، موالية أو معارضة، من إحدى الكلمتين.

ويرى الوطنيون، أنّ من المستحيل أن تموت أوطانهم، مهما مرّتْ بأزمات، وتعرّضت لنكبات وأحتلالات، بل أحياناً يتمنّى المرء موته على أن تعيش بلاده، يتجّلى هذا في الهتاف القديم الجديد “نموت نموت ويحيا …”، أو في الشّعار الشهير “هذا الوطن يمرض ولا يموت”.

ترجم الكتاب والشّعراء، إيمانهم في إستحالة أن تموت أوطانهم، إلى صور شعرية بليغة، لحسّاسيتهم العالية، وعاطفتهم المشتعلة، يقول الشّاعر التركي “محمد عاكف” عن بلاده:

“لن يموت هذا الوطن، ولنفرض فرضَ مُحال أنَّه سيموت،

فإنَّ كاهلَ الأرضِ، لا يقوى على حمل هذا التَّابوتِ العظيم”

نفس الصّورة، أشتغل عليها الشّاعر السّوري “عمر أبي ريشة”، مخاطباً سوريا، بقوله:

“لن تموتي فكاهلُ الأرضِ لا يقوى على حملِ نعشكِ الجبَّارِ”

الكاتب المصري الراحل “جلال عامر”، سخر على طريقته ممن يقتلون أوطانهم، ويدعون البكاء عليها “بوطنيتهم”، ففي مقال له بعنوان “كلنا لها”، تخيل أنه حضر جنازة “مصر”، وكيف كان الرئيس في مقدمة المشيعين، غامزاً إيّاه، بكونه واحداً ممن يقتلون القتيل، ويمشون في جنازته، وسرد شيئاً عن الأحاديث “المفترضة” التي دارتْ بينهم، حتى ختم مقاله بضربة قوية، بالقول: “إن دفن مصر ألغي في النّهاية، لأنهم سيبيعون جثتها إلى طلبة كلية الطب”!

أمّا إن أردنا أن نقول شيئاً عن العراق، فيحقّ لنا ما حقّ لأبي ريشة، بالبناء على الصورة للشاعر محمد عاكف، مع تصرفٍ يسير:

“لن تموت، ولنفرض فرضَ مُحال أنّك تموت..، فعلى أيِّ مذهبٍ نُصلّي عليك َ الجنازة؟

ولنفرض فرضَ مُحال أنّك تموت..، فإنَّهُ لا يوجدُ قبرٌ بهذا الحجم الكبير، إلّا إذا قسّموك َ على ثلاثةِ قبورٍ أو أكثر، قبورٌ تُسمّى أقاليم، يحملون إليها الجثامين الّتي كانت جسداً حيّاً واحدًا، الجثامين هذهِ صَنعتْ توابيتها من خشب ِ نخلةٍ واحدةٍ،

النَّخلة هذهِ تسمى العراقْ.

العراق الّذي يُرادُ له أن لا يبقى سيفًا.

لا تعليقات

اترك رد