استنطاق الصامت في احجار الصافون عند هيام البدر


 

بلا شك ان الفنون التشكيلية متعددة الاساليب والتقنيات ، والفنان الذي ينتمي لأحدها لابد ان يتمكن باسلوبيته قواعد الحرفة التقنية ، وان يستطيع توظيف مختلف الخامات للوصول الى نتاجات ابداعية مختلفة ايضا .. والفنانة (هيام البدر) استطاعت ان توظف خامة جديدة متمثلة باحجار الصافون ، والصافون هو جبل في الساحل السوري يعرف حاليا بـ(جبل الاقرع)، سميت حجارة صافون نسبة لـ( الاله الاوغاريتي بعل ) ، اذ ان صافون كان عرش الاله بعل ..

ان هذه الاحجار متنوعة الاشكال والالوان ، الامر الذي جعل الفنانة تحرّك منظومتها التخيلية وتستشعر تلك الحجارة لتدفع بها نحو عالم جديد بعيد عن الصمت والسكون الذي لاحق الحجارة منذ وجودها الى لحظة امساك الفنانة بها ، لتولد من جديد في عالم خاص ربما هو عالم الفنانة الوحيد .. انه عالم التشكيل المفعم بأستطيقا جمالية بعيدة عن مألوفية الواقع..

ان الفنانة وفق رؤيتها التخيلية تمكنت من تشكيل موضوعات متعددة عبر تلك الحجارة الملساء الصماء ، التي نطقت بتشكيلاتها الجديدة لتحاور عالم التلقي ، ولتحكي قصصاً اشبه بالف ليلة وليلة .. فهناك موضوعات تحمل جمالية العاطفة والوجدان من خلال تصميم وتشكيل عائلة ملونة بالوان المحبة والسلام ، لترسم الابتسامة والروح الضاحكة عبر سيميائية بإشارات وعلامات حركية كان لشكل الحجارة الاثر البالغ في التشكيل الجمالي .. وموضوع اخر يمتلك دلالات الحزن من خلال ملامح الهجرة والنزوح ..

والفنانة هنا اعطت اهمية في كيفية رصد حركات ومشاهد الواقع الذي يعيش فيه العالم المعاصر سيما البلدان العربية .. تلك المشاهد التي تحاكي روح العصر .. لقد انتجت الفنانة خطابات جمالية الى العالم من خلال ضرب شكلانية الحجارة لتنهض بباطنها وتحرك الساكن الذي يختبيء وراء صمتها .. فهي لا تبغي المحاكاة فحسب انما تجعل بساطة شكلها المرتكز الرئيس في تكوين البنية التشكيلية للخطاب البصري ، اذ جعلت من لباس الحجارة هو اللباس الذي يشكّل موضوعتها ..

وبالرغم من تلك البساطة في هذه الخامة إلا أن الفنانة استطاعت ان تتلاعب بعقلية وتخيلية واسعة الافق وتجعل من اختيارها للحجارة رؤية مفاهيمية تنتمي لفن معاصر ، اذ ان الكثير من اعمال الفن المفاهيمي المتمثل بفن الارض ، قيام الفنان بتوظيف مختلف انواع الحجارة او ما تتركه الارض من ميثيولوجيا تحاكي المهمش والمبتذل ، لينتج خطاب جمالي يحاور المتلقي .. كما فعل الفنان الأمريكي (روبرت سميثسونRobert Smithson 1938–1973) ، اذ استخدم أشياء من عالم الأرض كالصخوروالأحجار ، لتشكيل خطابه الفني المفهومي ( رصيف ميناء حلزوني – 1970 ) ..

وهنا اصبحت الفنانة تخرج عن اللوحة التقليدية وتعيش مع عالم الطبيعة بشكل مباشر ؛ باعتبار ان الوجود الخارجي اصبح هو اللوحة وكل حيثياته عناصرها ، ليكون البناء التشكيلي الجديد يحتضن جمالية وفق الرؤية المفاهيمية للفنانة ، فهي تسعى للدخول جسدياً وروحياً في عالم الطبيعة والبيئة الخارجية .. بذلك تستمتع الفنانة في كيفية رصد التكوين الشكلاني البيئوي وعملية رص الحجارة بطريقة احترافية تمنح المتلقي لذة جمالية ليستمتع في الحوار البصري مع تشكيل الموضوعات .. تقول الفنانة في ذلك (( لقد عانيت في هذا الفن ولم ألق الدعم من أي شخص ، فقد اعتمدت في تشكيلاتي على نفسي ومخيلتي .. كما اضفت امور كثيرة منها تثبيت الاعمال على الزجاج ) .. انها جعلت من موضوعاتها وفكرتها الذهنية طيعّة رغم الصعوبة في هذا النوع من الفنون ..

ان عملية اجتزاء معطى خارجي وتبديل كيانه المضاميني بكيان اخر ليس بالسهل اليسير ، بل يمكن التعبير عنه بالسهل الممتنع ؛ باعتبار ان عملية الانتقال من عالم الى اخر تحتاج الى وعي معرفي وثقافي خاص بالجانب الفني .. والفنانة (هيام البدر) تمتلك وعياً معرفياً من خلاله اثبتت القدرة على الاستكشاف وبناء رؤية جمالية تنتمي الى عالم الفكر المعاصر سيما عبر تثبيت مفهومي الحضور والغياب ، اذ كان التشكيل البصري في نتاجاتها يمتلك مقومات الحضور من جهة والغياب من جهة اخرى .. انها جعلت من الحجارة حاضرة في استنطاقها وغائبة عن الصمت الذي توشحها طيلة وجودها قبل الولادة الابداعية ..

الفنانة (هيام علي بدر) من سوريا .. الساحل السوري .. قرية بسنادا .. تخرجت منكلية الاداب قسم اللغة العربية جامعة تشرين ..

شارك
المقال السابققراءة في ” رسـالة ” لشريفة العلوي
المقال التالىقصة النجم “حاذق” !
الدكتور قاسم جليل الحسيني ، مواليد 1970 – دكتوراه تربية تشكيلية - عضو نقابة الفنانين العراقيين منذ عام 1988- عضو جمعية التشكيليين العراقيين – معرض اول عام 2008 على قاعة ملتقى الاكاديميين والاساتذة الجامعييين – مشارك في العديد من المعارض داخل القطر وخارجه – وحاصل على العديد من الشهادات التقديرية – مش....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد