عصر القولون

 

من المهم أن يدرك القارئ أن هذا العنوان تحريف لعنوان قصيدة الشاعر ويستن أودين (عصر القلق) التي كتبها في منتصف القرن الماضي، ولم يكن القصد من تحريف العنوان إلا محاولة لجعل “الدرس يمتّد”، ولغرض جعل الموضوع أكثر مقاربة لما يعانيه إنسان القرن الواحد والعشرين. فلم يعد الأمر مخفياً أو مقتصراً على عيادات الأطباء (النفسيين وغير النفسيين) ما يلاحظ من مشكلة كبيرة لدى الإنسان المعاصر متمثلة في الشعور بالضياع الذاتي والقلق الداخلي، بل يكفي مطالعة مواقع التواصل الاجتماعي لاكتشاف كيف تمكّن القلق من النفوس وبدأ ينهشها من الداخل.

لقد خبر العالم اليوم أنواع الحروب، وتبعات الحروب، وشهد مختلف الاضطرابات والكسادات الاقتصادية، وعاصر أشكال الجيشانات والهيجانات والصدامات والتهديدات والتهجيرات والنزوحات، فضلاً عن التغيّرات الديموغرافية والصراعات الاجتماعية التي تتمثل في أشكال العنصريّة المستحدثة، والقوميّة المتطرّفة، والصراعات الإثنية والدينيّة والقبلية والطائفية، ورهاب الأجانب، وهلمّ جرا. فلا عجب أن يكتب برتراند راسل Bertrand Russell عن هذا العصر ويقول: ” في زماننا هذا، الحمقى فقط هم الذين يشعرون بالثقة والاستقرار، بل إننا نجد ذوي الاستيعاب والإدراك يملأ جوانحهم الشكّ والحيرة والتردد”. علاوة على كلّ ما سبق، يجب أن يدرك القارئ، إن كلّ الأسباب أعلاه لا يمكن اعتبارها السبب الأصلي الكامن وراء ما نعانيه من قلق، ذلك إن قلق البشرية هو نفسه المسبب في إحداث هذه الدواهي والاضطرابات.

إن أوضح الظواهر تعبيراً عن القلق تتمثل في تفشي العصاب وضروب الاضطرابات الانفعالية التي تتأصل أسبابها في القلق نفسه. وقد اتفق العلماء على إن القلق يعدّ القاسم المشترك لجميع الاضطرابات النفسي-جسمانية: كالصداع التوتّري والقرحة والأرق والمفاصل والقولون العصابي والكثير من اضطرابات القلب والضعف الجنسي وما شابه ذلك. بالأخص إن لم يكن لدى المرء خطوات بناءة متفق على اتخاذها في هذا الشأن. وإن هذا المرء، عاجلاً أم آجلاً، ستتحول مشكلته إلى سقم مزمن، وإلى دوامة لا نهائية من الارتباك والحيرة والتشوّش.

ربّ سائل يسأل: لماذا يتخذ القلق هذه الأشكال الغريبة من الأعراض؟ ولماذا لا يكشف عن نفسه بصورة مباشرة بدل هذه الأعراض الجسمانية المقلقة؟ وللجواب عن هذا السؤال يجب أن يفهم السائل إن هناك أناس لا يعرفون كيفية التعبير عن مشاعرهم، وحين تسألهم ماذا يشعرون لا تنطوي إجابتهم على معنى دقيق عما يحسون به، فإن سألت أحدهم: كيف حالك؟ يكون الجواب مقتصراً على: (زين)، (ماشي) الخ.. وكلّا من الأجوبة لا تعني شيئاً بعينه. لأن وعي الإنسان بمشاعره لا ينطوي على التعبير عنها كيفما اتفق وحيثما حلّ وأينما كان. لأن الفكر وإدراك الفكر لا يتجزآن من أي شعور بالذات. ولكن كيف يتسنى للمرء أن يتكون لديه أساس للفكر على ما سيفعله أو ما لا يفعله ما لم يعرف أولاً ماذا يحبّ وماذا يريد؟

ويمكن أن نضيف إلى ذلك كلّه: إن معظم الناس (يشعرون) بأنهم كذوات لا قيمة لهم ولا قوة، ودائماً ما يتساءلون: أنّى يكون بمقدورنا أن نعمل أمام تيار العصر السريع الهائج؟ ولعلّ هذا

الضرب من التساؤل النابع هو الذي جعل الكثير منهم يشعر بأنه قلِق، وربما قلّص هذا القلق من مقدار الثقة بأنفسهم مما حملهم على التفكير بأنهم لا حول لهم ولا قوة. لذا يجب أن نبيّن إن مثل هذا التفكير حين يستحوذ على العقول ويستطرد بهذا الاتجاه، يحيل الفرد نهباً للاتكالية التي تنشأ في الغالب عن الخور والإحساس بالضعف واللاجدوى.

وفي النهاية، إن الإنسان المنسجم والمتصالح مع ذاته ومشاعره يكون أقل عرضة للقلق وبالتالي للأمراض النفسي-جسمانية (مثل اضطراب القولون الذي أخترناه عنواناً للمقال)، وإن أعراض قلق الإنسان وحيرته وتشكيكه بنفسه، تحدث لأن قيمه اضطربت وأضحت متناقضة، فلم يعد لدى الإنسان جوهراً نفسياً ولا يمتلك صفاءً ذاتياً. لذا –عزيزي القارئ- يتعين علينا أن نعيد استكشاف مصادر القوّة والتكامل الثاوية في أعماق نفوسنا. وهذا، بطبيعة الحال، ينبغي أن يسير جنباً إلى جنب مع استكشاف وتأكيد القيم في نفوسنا وفي مجتمعاتنا. ولكن ما من قيم تكون فعالة، في ذات الشخص وفي المجتمع، ما لم يكن لدى الشخص مسبقاً الاستعداد للعمل على تعميق القيّم تلك، أي أن يكون لديه الاستعداد ليسهم بنشاط فعّال في اختيار وتوكيد القيم التي يعيش معها.

المقال السابقالديانة العالمية الموحدة !!!! – ج2
المقال التالىبـَعـْدَ قلبي
حميد يونس حميد · طبيب نفسي وأديب عراقي. · كاتب مقالات وبحوث نفسية وأجتماعية وأدبية في عدد من الصحف والمجلات العراقية والعربية. · له رواية واحدة (آخر أمراض الكوكب) قيد الطبع.....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد