الحرب الباردة بين الأمس واليوم

 

المشهد الأوروبي المثير في التعاون والتعاضد فريد من نوعه ، ويحمل في طياته فصولا من الدراما الإغريقية ناحية إثارة التوتر بين روسيا والغرب.

طردت الولايات المتحدة وحلفاؤها يوم الاثنين الماضي عشرات الدبلوماسيين الروس ردا على حادثة تسمم الجاسوس الروسي السابق في المملكة المتحدة .

وقد كانت حادثة طرد الدبلوماسيين الروس هي الأكبر منذ حقبة الحرب الباردة والتصرفات العدائية نحو روسيا منذ أيام الاتحاد السوفياتي السابق.

وهناك مخاوف جادة وحقيقية من أن تتحول الأزمة الدبلوماسية وتجميد العلاقات بين موسكو والغرب إلى ما يشبه شبحا لحرب باردة تلوح في الأفق بين روسيا الاتحادية من جانب والولايات المتحدة وحلفائها الغربيين من جانب أخر.

كيف كانت الحرب الباردة في القرن العشرين ؟

الحرب الباردة مصطلح في السياسة الدولية وقاموس العلاقات السياسية الدولية يصف العلاقة التي كانت سائدة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي بين عامي 1949 و1989م بأنها نوعا من الحرب الباردة.

وخلال تلك الفترة لم تجر أي حرب مباشرة بين الفريقين خشية التورط في حرب نووية مدمرة للبلدين وللعالم . وقد كان شبح نشوب حرب بين القوتين العظميين مخيفا حتى في الأحلام لدرجة أن أحد المفكرين يقول: ” سيقول من يشهد الحرب النووية القادمة يا ليتني قد مت قبل الذي قد مات من قبلي لشدة هولها .”

كان المفكرون ينظرون للحرب الباردة على أنها حرب بين قوتين متناقضتين في الجوهر فقد كانت الولايات المتحدة تمثل ” الرأسمالية ” في حين كان الاتحاد السوفياتي يمثل ” الشيوعية ” .

كلا الجانبين كان يمتلك أفكارا مغايرة للآخر في إدارة البلاد وكان كل جانب منهما يعتقد أن أفكاره هي الأفضل والأصلح والأقوى. وكان مصدر التوتر الرئيسي هو اعتقاد كل فريق أن الفريق الأخر يسعى لنشر أفكاره ونظام حكمه في الكثير من دول العالم .

كيف بدأت الحرب الباردة بين الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة ؟

ليس هناك جواب شاف لهذا السؤال. فقد تحالفت الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي لإسقاط دول المحور في الحرب العالمية الثانية وقد نجحا معا في كسب الحرب وتحطيم أسطورة النازية . وحتى الآن يحتفلان معا كل على طريقته بسحق النازية والتغني بأمجاد الحرب العالمية الثانية . التحالف بين الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة لم يدم طويلا . ولهذا السبب يعتبر المؤرخون أن انتهاء الحرب العالمية الثانية عام 1945 كانت علامة فارقة في التاريخ الحديث .

لقد تركت الحرب أوروبا منقسمة إلى فريقين : الأول مع الاتحاد السوفياتي والثاني مع الولايات المتحدة وخير دليل على ذلك كانت ألمانيا التي انشطرت نصفين نصف رأسمالي ونصف شيوعي.

لقد كانت الولايات المتحدة الأمريكية تحمل فكرا ونظاما حكوميا مغايرا تماما لذاك الموجود في الاتحاد السوفياتي فاختلف الفريقان على طريقة إدارة العالم بعد الانتصار في الحرب . هل يتم اعتماد النظام الشيوعي أم النظام الرأسمالي؟ وحيث أن كل طرف يعتقد أن نظامه هو الأفضل فقد نشب الخلاف بين القوتين العظميين ونشأ التنافس بينهما للسيطرة على العالم وتوسيع مناطق النفوذ واشعال حروب بالوكالة هنا وهناك .

ما الذي حدث؟

أسست القوتان العظيمتان حلفين رئيسيين : الولايات المتحدة والغرب شكلا حلف الناتو بينما شكل الاتحاد السوفياتي ودول أوروبا الشرقية حلف وارسو . وكان كل فريق يخشى الفريق الأخر وسادت أجواء عدم الثقة وبدأ كل حلف بإنتاج وتخزين السلاح بدون قيود أو حدود كما عملا على تطوير السلاح النووي والصواريخ العابرة وبرامج الأسلحة الذكية وحرب النجوم .

شهد عقد الستينات من القرن الماضي سباق تسلح شديد كان على رأسها الصواريخ العابرة للقارات التي تستطيع حمل رؤوس نووية والصواريخ متعددة الرؤوس وفي نهاية الستينات وبداية السبعينات استطاعت القوتان أن تطورا درعا صاروخيا قادرا على اسقاط الصواريخ القادمة من الجانب الأخر.

في عام 1962 اقترب العالم كثيرا من الحرب النووية عندما نجح السوفيت في نصب الصواريخ الروسية في كوبا وهو ما عرف في ذلك الوقت باسم ازمة الصواريخ الكوبية .

ثم بدأت فكرة جديدة في الحرب الباردة بين الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة وهي الحرب بالوكالة فقد بدأ كل فريق بدعم حلفائه وأنصاره بالمال والعقيدة والسلاح لدرجة أن المؤرخ العاقل الحكيم يمكن أن يلغي وصفها بالباردة لشدة ما صار فيها من سفك للدماء بالوكالة في شرق أسيا وأفريقيا وأمريكا والشرق الأوسط . في حقيقة

الأمر لم تكن الحرب الباردة بين الشرق والغرب باردة في يوم من الأيام . لقد تحول العالم إلى رقعة شطرنج يحركها الأحلاف الدولية كما تريد. لقد مات الكثير من الناس في أكثر من مكان في العالم بسبب صراع القوى الكبرى ونزاعها حول مناطق النفوذ ولا يستطيع أحد من المؤرخين الحياديين أن يتابع الوجه المحلي للصراعات التي حدثت في ذلك الوقت في كمبوديا والكونغو وكوريا واثيوبيا والصومال والعديد من الدول الأخرى . لقد كانت الحرب الباردة ساخنة حد الغليان .

مقاربة التوتر بين الحرب الباردة الجديدة والقديمة:

بدأت أصداء الحرب الباردة الجديدة تلوح في الأفق مع طرد الدبلوماسيين الروس من دول الغرب.

ونسأل أنفسنا هل حقا سبب طرد الدبلوماسيين الروس هو محاولة قتل الجاسوس الروسي في لندن أم أن هناك سببا أخر ؟

في عام 1986 تبادلت الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي لعبة الطرد المتبادل للدبلوماسيين واستمرت اللعبة لعدة أسابيع . فقد قامت إدارة الرئيس رونالد ريغان بطرد 80 دبلوماسيا روسيا بينهم خمسة دبلوماسيين متهمين بالتجسس .

وتجري مقاربات للأمور ومقارنات تاريخية متعلقة بتسميم الجاسوس الروسي السابق التي اتهم الغرب بها روسيا وخلو الاتهام من أدلة واضحة رغم مطالبة موسكو للغرب بمشاركتها التحقيق أو تقديم أدلة وسلوك الاتحاد السوفياتي السابق أثناء الحرب الباردة حيث كان الغرب يسوق الاتهامات تلو الاتهامات للسوفييت وكانت دائما اتهامات سياسية غير مقرونة بأدلة .

وفي هذا السياق ، يقول ميشيل كوكس ، أستاذ العلاقات الدولية في مدرسة لندن للعلوم الاقتصادية : ” لقد حاول الاتحاد السوفياتي بوضوح أن يقتل الناس الذين اختلف معهم ويعيشون خارجه . وعمل روسيا الاتحادية ليس جديدا في هذا الخصوص . ” ويعتقد الغرب أن هذا النوع من السلوك الروسي يعيد روسيا والغرب إلى مرحلة الحرب الباردة .

من جانب آخر يقول مالكولم غريغ : ” التكتيك التي تنقله الأخبار مثل الاغتيالات لها تاريخ أعمق من حقبة الحرب الباردة . لها معنى أخر نواجهه في الحرب الباردة الجديدة .”

السؤال هو إلى أي مدى يجب أن نشعر بالقلق؟ يقول ميشيل كوكس : ” مازلنا نمتلك الأسلحة النووية وهي حتى الآن العائق الرئيسي أما فرص السلام . هناك علاقات اقتصادية وطيدة بين الاتحاد الأوروبي وروسيا الاتحادية يجب أن لا نتجاهلها. وهناك الكثير من المواطنين الروس الذين يعيشون في الغرب. ”

وهناك الكثير من الفروقات بين الاتحاد السوفياتي وروسيا الاتحادية الحديثة اليوم الأمر الذي يجعل أي توتر بين القوتين العظميين أقل قلقا . يتابع مالكولم غريغ قائلا : ” روسيا الاتحادية ليست الاتحاد السوفياتي ومركزها الدولي مختلف تماما اليوم ومندمجة بالاقتصاد العالمي أكثر مما كانت عليه أيام الاتحاد السوفياتي السابق وهذا يجعلها أقل تأثرا بالضغوطات الاقتصادية . ” من جانب آخر يقول البروفيسور ميشيل كوكس: ” أنا لا أتخيل الرئيس بوتين يذهب بعيدا في قضية تجميد العلاقات مع الغرب وتحمل المزيد من العقوبات الاقتصادية عليه . ” لكنه يعتبر أن حالة التوتر الحالية لا يمكن التكهن بنتائجها حيث يقول : ” في السابق وحتى عام 1989 بقي الفريقان بعيدان عن بعضهما خلال فترة الحرب الباردة فقد كان هناك اطارا ومجالا للتأثير والتأثر لا يمكن تخطيه ومقبولا من الطرفين أما اليوم فهناك تداخل في النفوذ في مناطق التوتر الكبرى في العالم كما يحدث حاليا في سورية وأوكرانيا. لقد تحطمت كل قواعد الاشتباك التي كانت سائدة في يوم من الأيام . ”

نتابع في المقال القادم ……..

لا تعليقات

اترك رد