المثقفون : شخصيات وخطابات وآفات


 

تتصل رسالة المثقف بذاته ، ودوره التنويري في المجتمع. فعند الحديث عن المثقف ودوره في الثورة نقصد المثقف الحقيقي وليس مدعي الثقافة ولا محدود الثقافة ولا مستهلكها ولا أرباع وأنصاف المثقفين ولا متشدقي الكلام الذين يملأون حياتنا ضجيجا ويركبون الأحداث ويدلون في كل موضوع بدلو ؛ عبّأه آخرون لهم أو سطوا هم على طروحاتهم . وإنما نقصد ” المثقف العضوي ” بمفهوم “غرامشي ” ، الذي يمتلك الدور الإيجابي نحو المجتمع بكل شرائحه ، ولا يكون منعزلا في برج عاجيّ .

ويسبق هذا الدور تناول طبيعة تكوين المثقف ، فقد مللنا من شخصياتٍ تدّعي الثقافة ولم تتكون معرفيا بشكل صحيح ، وإنما تم ” سلقُها ” أو سلَقت هي ذاتها، ثم التحقت بركب الجماعة الثقافية دون أن تمتلك العلم ولا الرؤية ولا الأدوات الثقافية ولا الخبرات ولا الفلسفة بشكل كاف ، ولم تسع إلى تجديد ذاتها، أو الاهتمام بأمور أمتها. تلك نظرة عامة ، واستثناءاتها محدودة فقد أفلت القليلون من هذا التعميم وتعايشوا مع الواقع المؤلم ، واستطاعوا أن يتجاوزوا التهميش إلى فرض الوجود ، والتعتيم الإعلامي إلى الظهور الحياتي ، وجوائز النظام إلى احترام الجماهير ، وضعف الإنتاج الفكري إلى رصانة المنتج وعمقه وإن تكلّف المثقف عبء نشره وترويجه ، بعد محاربة مؤسسات النشر الرسمية له .

تعود الظاهرة الثقافية في الواقع العربي المأزوم إلى : عملية تكوينه الصعبة ، بسبب بنية المنظومة التعليمية بكل سلبياتها وتقاعسها وتخلخلها. كذلك ، طبيعة علاقة المثقف بالدولة التي بدأت بلهاث النظام وراء المثقفين لاستيعابهم سابقا ، إلى لهاث أنصاف المثقفين وأدعيائهم إلى حظيرة النظام وما يلقي به من فتات لاحقا ، وممارستهم أدوارا تحريضية ضد مخالفيهم أو بالأدق مخالفي النظام.

في هذه الإدانة ، يستوي الأستاذُ الأكاديمي ، والكاتب الصحفي البسيط ، لأن المسألة ليست ألقابا علمية ولا مؤهلات دراسية ، وإنما فكر وفهم ودور وسلوك. يضاف إلى ذلك عدم وجود مؤسسات كبيرة ترعى المثقف وتدعمه ، لأن الأمر ببساطة أن التعليم والثقافة في ذيل اهتمامات المجتمعات .

وتكمن القضية أيضا في أهمية تكوين مثقفين جدد ، يساهمون في الإنتاج المعرفي والثقافي العربي ، لأن إحصائيات التعليم والقراءة والترجمة والتأليف والنشر تنبئ بوضع كارثي ، حيث أصبح المشهد المعرفي والعلمي برمته أشبه بواحة خضراء وسط خضم من الرمال ، فمن المهم أن يعود المثقفون إلى واجهة المشهد : خبراء ، وباحثين ، وأدباء ، وفنانين ، ليقودوا الأمة إلى حوار بنّاء، نعرف فيه أولويات الوطن ، وخططه التنموية ، بعيدا عن هرطقات ما يسمى خطط النظام وأرقامها وطموحاتها ، وقلما نجد أثرا لها.
******
ولمناقشة واقع الثقافة العربية – أيضا – لابد من فض الاشتباك حول الهوية الثقافية العربية، في الاتفاق على الأسس والروافد التي يشكل الدين واللغة والموروث الحضاري والمعرفي أسسا لها ، ثم الارتفاع فوق الصراعات بين المذاهب الفكرية المختلفة والاتفاق على قواسم مشتركة ، تتصل بحقوق الإنسان وسبل رعاية المثقفين والمبدعين وحماية استقلالهم الفكري ، وأمنهم النفسي ، والمادي . وأيضا حرية الفكر والبحث العلمي وطرح الأسئلة وهي إجراءات مسلم بها وليست أمورا مختلف عليها .

ثم تأتي قضية الحوار الفكري ، التي تحولت من نقاش إلى صراع ، وتطور الصراع إلى أبعاد شخصية واجتماعية ، حيث سادت المواقف النفسية والقناعات المسبقة على حساب التقدير الشخصي واحترام الطرح العلمي ، والاستعداد للنزول على الرأي الآخر ، وتقبل الحقائق .

فقد سئمنا فئة المثقفين متحجري الفكر ، متصلبي المذهب ، وهم يمارسون هذا الدور في نقاشاتهم العلمية ، مع محاربة من خالفهم فكريا ، أو جاء بالجديد على طروحاتهم العلمية . هؤلاء الذين يملأون الجامعات العربية ، وقد وقف كثيرهم عند ما تناولوه في رسائلهم، وجاءت مباحثهم اجترارا لأفكار سابقة بأردية جديدة .

كما مللنا من هؤلاء الذين ربطوا حياتهم ودورهم وفكرهم بأحزاب وجماعات سياسية وإن كانت معارضة، فباتوا أبواقا وليسوا خبراء . ومن هنا ، لابد أن يكون للمثقف / العالم / الخبير القدرة على الوقوف على مسافة ما من حزبه وجماعته السياسية ، حتى يرى الأمور من على بعد ، فيكون الحكم أكثر شمولية وموضوعية،

ليساهم في التقدم الفكري لجماعته، ويكون لديه الحرية النفسية الكافية لنقد واقع الممارسة وإرشادها وتوجيهها . وبناء عليه ، يترك المثقف – أو ينبغي له – الركوض وراء المنصب السياسي والعلمي ، إلى ما هو أعظم وهو الدور الطليعي التنويري .

******
النقطة الأهم تتصل بطبيعة الخطاب المستخدم في الحياة الفكرية ، وهو خطاب على مستويات ، ولاشك أننا لا ندين خطاب النخبة للنخبة ، ولا البسيط للبسيط ، وإنما ندين خطاب النخبة للبسطاء والعامة ، وحوار العامة مع النخبة. فالنخبويون يتحدثون بخطاب جل مفرداته يتجاوز أفهام العامة ، مما يسبب بلبلة وسوء فهم ، وهذا لدى المثقف المتقعر ، غير الواعي لدوره التنويري التغييري، معتبرًا أن لغة الخطاب واحدة داخل وخارج المؤسسة الأكاديمية ، وينتج عن هذا ما يسمى سوء الحوار بين العامة و أهل الفكر ، الذي يبدو تشنجا وعصبية ، وأن يدلي غير المختص بدلوه في قضايا عميقة ، فيبدو الأمر كحوار الطرشان .

فمن المهم أن يكون للمثقف وجه إعلامي جماهيري ، فإن لم يستطع فلتكن هناك وجوه معينة لها القدرة على مخاطبة الجماهير ، ناقلة خلاصة البحوث الأكاديمية إلى الميدان العام ، بهدف التوعية واكتساب التأييد لها ، لا أن تنقل الخلاف من داخل أسوار المؤسسات الأكاديمية ، إلى خارجها ، فيقتحم العامي حرم الأكاديميات ، وتضيع قضايا الأكاديمية في حوار العوام .

وهذا يجرنا إلى الإشارة إلى قضية الأكاديمي المنحصر حبيس جامعته ، الذي لا يتعاطى مع قضايا الواقع إلا بمقدار ما يسجله في أبحاث ترقيته ، ليجعل من نفسه مجرد معلم في مدرسة ، وليس باحثا في جامعة ومجتمع ، فهذا ما يسمى الأكاديمي المنكفأ على وظيفته ، المنعزل عن مجتمعه . وهو في ذلك ، حبيس داخل دائرة تخصصه ، لا يكاد يستكمل دائرته المعرفية ، ليكون مثقفا موسوعيا مؤمنا بوحدة العلوم ، وتكامل التخصصات .

******
أما عن الخطاب الديني وعلاقة المثقف به ، فمن اللافت أن هناك أنماطا جديدة من الخطاب الديني ظهرت على الساحة العربية فيما يسمى ظاهرة الدعاة الجدد
الذين يستخدمون مفردات بسيطة ، ولغة سهلة ، مقتربين من هموم العامة ، مساهمين في تغيير قيمي ومفاهيمي لدى الناس . هذا لا شك أمر جيد، ولكن القضية في نقل الخلافات بين الجماعات الإسلامية إلى ساحة العامة ، مثل الخلاف بين الجماعات الحركية الإسلامية ذات النشاط السياسي ، والجماعات السلفية ، والصوفية ، والخلافات المذهبية ، وهذا يؤدي إلى مزيد من البلبلة التي تولد حساسيات في النفوس ، فتفرق الصف ، وتعمق المذهبية ، وتكون معول هدم ، وتضييعا للجهود .

فمن المهم أن يتم ترشيد هذا الخطاب ، ليكون خطابا نهضويا بنّاءا ، يحرّض على القيم العليا ، ينبذ الخلاف ، ويعزز الوحدة ، وهذا يستلزم المزيد من التفهم من الخطاب الآخر ونعني به الخطاب العلماني المتشدد في غلوائه ، الذي يحارب الفكرة الإسلامية : قيما ومفاهيم وطرحا ، لا أن يقتصر حواره على رفض ما هو معيق للنهضة ، مكبل للأمة ، مفرق لوحدتها .

فما نراه في ساحة الخطاب الديني مجموعة من التناقضات ، ما بين خطاب المؤسسة الدينية الرسمية وهو خطاب جاف خال من العاطفة ، حريص على إرضاء الأنظمة ، يستخدم لغة تراثية ، ينأى عنها البسطاء ، و خطاب آخر للدعاة الجدد موزع بين سلفية وصوفية وحركية ، وخطاب علماني محارب للدين في كليته ، أو ممعن في تبني الطرح الغربي وإقصاء للدين .

لا تعليقات

اترك رد