أطفالهم …… و أطفالنا

 
الصدى - أطفالهم …... و أطفالنا

صدر عن منظمة اليونيسيف، المنظمة الدولية للطفولة، قبل أيام قليلة، التقرير الدولي عن مستوى العدالة و الحقوق المتاحة، و توفير المستلزمات الضرورية لنشأة و نمو الأطفال في دول العالم الأول، أو الدول المتقدمة ، أو الدول الأكثر غنى في العالم .. بالتأكيد لن تشمل هذه الدراسة و لا التقرير أيا من أطفالنا في العراق أو سوريا أو فلسطين، و غيرها من دول العالم الثالث أو العاشر إن شئنا، بإعتبار أن أمور بلادنا العربية تدهورت و تراجعت عقودا و ربما قرون عن ما كانت عليه قبل عشرين أو ثلاثين عاما ..

أعدت هذه الدراسة بإعتقادي للتأكيد على تعاظم درجة التفاوت و الفروقات ما بيت الأغنياء و الفقراء في دول العالم الغنية و المتقدمة بشكل خاص، و هنا التركيز فيما يتعلق بتربية و نشأة الأطفال، و تأثير هذه الفروقات على أمور كثيرة تتعلق بالمجتمع و تطوره و العلاقات مابين الأفراد، و مستويات الدراسة و العمل و التشغيل، إلى غير ذلك .. و قد ركز التقرير على قياس و بحث أربعة عناصر رئيسية في الدول الخاضعة للبحث، هي، الفروقات المتعلقة بالدخل، التعليم، الصحة العامة، و و درجة القناعة و القبول بمستويات الحياة و المعيشة العامة ..

تقدمت الدانمارك دول العالم الغنية المتقدمة المشمولة بالدراسة، و عددها حوالي الأربعين، و بضمنها إسرائيل، كأفضل بلد في العالم لتربية و تنشأة الأطفال، تلتها كل من فنلندا، النرويج، و سويسرا ..

و إعتمد التقرير في دراسته، مقارنة التفاوت ما بين الأطفال المنتمين لأسر فقيرة و أقرانهم من المنتمين لأسر غنية في مجالات الدخل و التعليم و الصحة و الرضا عن مجالات الحياة المختلفة في ذلك البلد ..

و أدناه الدول العشرين التي تربعت على قمة الجدول محققة أعلى المعدلات العامة في الدراسة، و كما يأتي :
1- الدانمارك
2- فنلندا
3- النرويج
4- سويسرا
5- النمسا
6- هولندا
7- إيرلندا
8- أستونيا
9- سلوفينيا
10- لاتفيا
11- التشيك
12- كرواتيا
13- أستراليا
14- ألمانيا
15- اليونان
16- المجر
17- بريطانيا
18- الولايات المتحدة الأمريكية
19- البرتغال
20- ايسلندا

و من النتائج المهمة التي تمت ملاحظتها، أنخفاض مستوى بريطانيا على سبيل المثال عن بقية الدول الغنية في مجال المساواة في رفاهية الأطفال، حيث جاءت في المرتبة ١٤، و معها كل من المانيا و اليونان و المجر .. كما أنها إحتلت مستوى متدنيا أيضا في مجالات التعليم و الصحة و الرضا عن الحياة، فمثلا في مجالات التعليم، و هو محور مهم و حساس في عموم الدول المتقدمة، جاءت بريطانيا في الترتيب ٣٧ من بين حوالي ٤٠ دولة شملت بهذه الدراسة، خاصة في مجالات القراءة و الرياضيات و التعليم ..

كذلك يلاحظ تدني مستوى الولايات المتحدة الأمريكية ، الأقتصاد الأكبر عالميا، و ألمانيا، الإقتصاد الأكبر أوربيا، في هذا الجدول العام، مما يعطي إنطباعا مهما و خطيرا ..
كما برزت كل من تركيا وإسرائيل كأعلى دول التقرير من حيث عدم المساواة بين
الأطفال ..

على أية حال ، الدول الخاضعة للبحث كلها أعتبرت من الدول الغنية، و معظمها من دول العالم الأول إن صح التعبير، و مثل هذه الدراسات تساعد الأمم المتحدة و المنظمات الدولية في تحديد مساراتها و أهدافها و خططها، كما تساعد الدول المعنية في تعديل مساراتها و إصلاح ما يمكن إصلاحه خاصة إذا وجدت هذه الدول في أسفل الترتيب و حصلت على تقييم ضعيف ..

لكن هناك مشكلة كبيرة يوجهها العالم بشكل عام، سواء من خلال نتائج هذه الدراسة أو غيرها، و هو تعاظم الفوارق الطبقية ما بين الأغنياء و الفقراء إلى مستويات غير مسبوقة، و تأثير ذلك على مستويات معيشة و صحة و تعليم الأطفال، ففي حين يتمتع أطفال الأغنياء بفرص علاج و تعليم و دخل و مستوى سعادة و رفاه عالية، نجد أن الفقراء من هؤلاء الأطفال بدأوا يفقدون العديد من مكونات الحياة الكريمة الإعتيادية الطبيعية، فلا علاج طبي و صحي كافي، و لا تعليم بالمستوى المعقول، و لا دخل كافي يؤمن للطفل و عائلته حياة كريمة و يغنيه عن العوز و الحاجة ..

لكن، كل هذا في تلك الدول الغنية، و ” أطفالهم “، حتى الفقير يعيش مستوى حد أدنى لا بأس بها لو قورنت بما يعيشه و يعانيه ” أطفالنا ” ..

عن أطفالنا المساكين ، ماذا أقول .. عن أطفال العراق الذين عاشوا الأمرين أيام الإحتلال الأمريكي الغربي، على يد قوى الإحتلال و من يعينها، آلاف الأطفال قتلوا و شردوا و عذبوا، و قتل أهاليهم أو عذبوا أمامهم، أو دمرت بيوتهم أمام أعينهم .. كم من الأطفال رافقوا آباءهم أو أمهاتهم في المعتقلات و السجون .. كم من الأطفال أغتصبوا و قتلوا أو أحرقوا .. ماهو ذنب هؤلاء الأطفال، و كيف نشأوا منذ الإحتلال عام ٢٠٠٣ و حتى اليوم، بل حتى قبله، أيام الحصار الذي تسبب وفقا لتقارير دولية في مقتل عشرات الآلاف من هؤلاء الأطفال بسبب نقص الأدوية و العلاج الطبي و الأغذية و غيرها ..

في سوريا، منذ بدء الأحداث و حتى اليوم، هناك مايقارب ال ١١ مليون مشرد و مهجر و مهاجر و لاجئ، ربما نصفهم من الأطفال .. ماذا يأكلون، و ماذا يشربون، و ماهو نظامهم التعليمي، و كيف ينشأوون، و ماهي ظروفهم النفسية و الشخصية و المعاشية .. كم من الأطفال السوريين قتلوا خلال هجرتهم بالقوارب و سط المياه الهائجة و الباردة، كم من آلاف الأطفال فقدوا أو قتلوا أو جرحوا أو شردوا أو فقدوا أهاليهم ..

اما في فلسطين، فحدث و لا حرج، فمشاكلهم و معاناتهم ربما أعمق و أقدم و أكبر بشكل ما، سواء في الضفة أو غزة، فالهم واحد و المشاكل واحدة، و مشاكلهم مستمرة منذ أواسط القرن الماضي ..

خيرا عملت اليونيسيف عندما ركزت دراستها على الدول الغنية، فلو تطرقت للحال في الدول الفقيرة أو المتخلفة أو دول العالم الثالث أو الرابع ، لتاهت في حساب و تعداد المشاكل و المعوقات، و في ذكر الأسباب و إقتراح العلاجات، و لما تمكنت من إيجاد سبيل واضح للوصول إلى الحد الأدني، اللهم ربما في بعض دول الخليج التي تحاول جاهدة الخروج من خانة الدول المتخلفة و النامية بما يأتيها من أموال وفيرة من مبيعات البترول و الثروات الطبيعية الأخرى ..

نحن لا ننسى أحوال العراق طبعا قبل الإحتلال، و بشكل خاص في السبعينات و الثمانينات و أوائل التسعينات من القرن الماضي، حيث كان نموذجا لأعلى المستويات و أرقاها في مجالات التعليم و الصحة بشكل عام، و لعدة سنوات، طبعا لا داعي للتطرق لهذا التفاصيل اليوم، فالسكوت الآن أفضل ..

ندعو الله أن يزيد الأغنياء و الفقراء غنى، و أن تكون هناك قسمة أكثر عدالة للثروات و الأموال، و أن يبعد عنا شرور الفساد و الفاسدين الذي هم أساس كل داء وبيل في بلادنا ، و من الله التوفيق ..

لا تعليقات

اترك رد