دور ” التطور الذاتي ” في المنظمة


 

مما لا خلاف عليه أن التطور و التغيير يعتبر سنّة الحياة, و قد جعل الله تعالى هذه السنّة في خلقه على الأرض لكي يعمروها و يطوروا أنفسهم و ما حولهم نحو الأفضل و الأحسن, و لولاها لبقي كل شئ على الأرض كما خلقه الله تعالى أول مرة ..

و العبرة في ذلك, خلق الإنسان ككائن عاقل مفكر, و كل عاقل و مفكر لا بد و ان يتوقف في لحظة من اللحظات ليفكر في أمر ما يراه غير مناسبا في الشكل و المضمون, و يرغب في تطويره نحو الأحسن و الأفضل ..

و سابقا قيل, و يقال دائما ” أنا أفكر .. إذن أنا أعيش / أو إذن أنا موجود ” , و هذا يعبر بوضوح عن ارتباط قيمة عيش و وجود الإنسان بكونه يفكر ..

و على الأغلب كل من يفكر بشكل سليم و صحيح لا بد و ان يغير و يصحح و يطور في أوضاعه و أحواله, أو في الأوضاع و الأحوال المحيطة به, و ذلك تبعا للظروف و الموقع و الموقف الذي يجد ذلك الشخص نفسه فيه ..

أن عملية التطور الإنساني و الحضاري, كانت موجودة قبلنا, و هي مستمرة الآن, و ستبقى بالتأكيد بعدنا و الى ما شاء الله جل جلاله ..

أن التطورات العلمية و التكنولوجية و الإنسانية المختلفة التي جلبتها الحضارات الإنسانية, ما هي إلا عبارة عن تراكمات لأفكار و أعمال بني البشر مثلنا, ممن كانت لهم القدرة على الفعل و التغيير و التطوير في أنفسهم و ما حولهم ..

لقد جلبت العقود الأخيرة السابقة من الزمن الكثير الكثير من التطورات و التغييرات في مجالات العلوم و التكنولوجيا المختلفة و الحياة بشكل عام, ربما فاقت كثيرا ما جلبته العقود و العصور الزمنية السابقة لها ..

و كل واحدا منا يستطيع بكل تأكيد تلمس واحد أو اكثر من اوجه و جوانب التطور هذه في حياته اليومية بشكل من الأشكال ..

لقد كان لعلم الإدارة نصيبا كبيرا و مهما في التغيير و التطور, حاله حال بقية العلوم الصرفة و الإنسانية الأخرى, أن لم يكن يفوقها أحيانا ..

لقد انعكست التطورات و التغييرات في العلوم الإدارية, على الأسلوب و الكيفية التي يؤدي بها العمل الإداري في المنظمة, و تباينت هذه التغييرات, وفقا لحجم و نوع عملها, و النمط الإداري و القيادي فيها, و البيئة التنظيمية و البيئة الخارجية لهذه المنظمة ..

أن كون الإنسان عضوا في منظمة أو جهاز إداري معين يستوجب عليه أن يواكب دائما حركة التطور و التغيير, ليكون مستوى تفكيره و أدائه حجما و نوعا بالشكل المطلوب ..

و قد طورت الجامعات و المعاهد الدراسية و التعليمية برامجها لتصب باتجاه تعزيز هذا التطور و التغيير, و لما فيه تزويد الأفراد بأكبر قدر ممكن من المعرفة و المعلومات و المهارات ، كما عملت المنظمة من خلال أجهزة و إدارات التدريب و البحوث و التطوير فيها على استكمال النقص في المهارات و القدرات و المعارف لدى العاملين فيها لما فيه الرفع من مستوى أدائهم و إنجازهم إلى مستوى الطموح ..

و قد ظهرت في السنوات الأخيرة مفاهيم متعددة في اتجاه تعظيم أهمية الخبرة و المعرفة و المهارة, ربما من اشهرها و أهمها, مفهوم ” المنظمة التعليمية أو المتعلمة – LEARNING ORGANIZATION ” , و التي تدل بشكل أو بآخر على مدى اهتمام هذه المنظمة بالمعرفة و العلوم, و محاولة إبرازها, و محاولة نقلها و إكسابها للعاملين فيها, لكي تنعكس بالتالي على محصلة أدائها ..

لكن هناك عامل مهم يبقى أحيانا غائبا عن أذهان بعض الإدارات و المنظمات, ألا و هو ” التطوير الذاتي SELF DEVELOPMENT ” ، فمهما بلغت طاقات و اهتمامات الإدارات في المنظمات المختلفة, في مجالات المعرفة و العلوم و التكنولوجيا و نشاطات التدريب, يبقى هناك عامل مهم لا بد من دراسته و تحفيزه, إلا و هو ”

الرغبة – DESIRE ” , و ” القدرة – CAPABILITY ” المتاحة و المتوفرة لدى العاملين ..

أن إجبار العاملين على التعلم و التدرب و التطوير قد لا يأتي دائما بنفس النتائج, لو كان ذلك الشخص هو ذاته راغبا و مندفعا نحو التعلم و المعرفة, و أتيحت له نفس تلك الفرص و المجالات ..

كذلك فأن التطوير يجب أن لا يقف فقط عندما يتاح داخل المنظمة من فرص التدريب و التعليم و التطوير فقط, بل أن يكون للشخص نفسه دور مهم في تطوير ذاته و رفع مستوى أدائه و معرفته نحو الأعلى و الأحسن و الأفضل ، فعلى الأغلب يكون الإنسان نفسه عارفا بخفايا نقاط ضعفه و قوته, و يجب أن يحاول دائما تدعيم نقاط القوة, و تحجيم أو إزالة نقاط الضعف لديه ..

لكن يجب أن لا نغفل هنا دور الإدارة في المنظمة على تحفيز العاملين لديها و تحريك عامل التطوير الذاتي لديهم من خلال إتاحة فرص التدريب و التعلم, و من خلال إشراكهم في حلقات دراسية و مناقشات, أو تكليفهم بتقديم محاضرات و برامج تدريبية أو عروض أو تقارير معينة, تجعلهم يحثون الخطى باتجاه زيادة قدراتهم المعرفية و العلمية ..

أن التطوير الذاتي يعتبر بمثابة طاقة كامنة مخزونة لدى البشر, يمكن للإدارة الاستفادة منها و تحريكها و معاملتها بنفس الاهتمام الذي تعامل به العوامل و الموارد الإدارية و الاقتصادية الأخرى ..

لا تعليقات

اترك رد