حوار مع الفنان المسرحي التونسي لطفي الناجح


 

الفنان المسرحي التونسي لطفي الناجح
الهوة بين المسرح العربي والمسرح العالمي موجودة و عميقة منها عقدة الجسد وكذلك تخلفنا التقني
المهرجانات العربية المسرحيةعلى كثرتها لم تخرج من النمطية الفلكلورية
تأخرالمسرح العربي يراجع بالأساس الى اننا لم نخرج بعد من بوتقة الدين والتعصب والتكلس الفكري

يرى الفنان المسرحي التونسي لطفي الناجح أن المسرح التونسي هو امتداد للأجيال وتجارب الرواد وخلال قراءة الإرث المسرحي التونسي العريق يمكننا أن ندرك ونُحسّ قوته الجمالية وخطاباته الفلسفية المنفتحة ولم تلجمه أو تروضه السياسة بأي مرحلة وظل معلما ونموذجا مضيئا بالإنسانية والتحرر ومقاومة التابوهات.
نلتقي هنا عبر هذا المنبر بضيفنا المسرحي التونسي لطفي الناجح والذي تم تكريمه قبل أيام من المهرجان الدولي للمسقاة المسرحي بالجديدة بالمغرب، طرحنا على ضيفنا العديد من الأسئلة لمحاولة فهم المشهد المسرحي التونسي والتحليق في رحلة سريعة مع واقع وهموم والتعرف قليلا على تجربة ضيفنا..نرحب بضيفنا وإليكم الحوار:

*كيف تصف لنا واقع المشهد المسرحي التونسي في ظل ظروف معيشية و سياسية تزداد تعقيداتها يوم بعد يوم؟
ـ اولا دعنا نفهم الظروف الإجتماعية و السياسية التي تمر بها تونس بعد ثورة، الوضع هنا ليس كارثيا مثلما يروج اليه اعلاميا فتونس استطاعت تغيير نظام الإستبداد الذي كان يضرب بعصاه كل الأشكال الفنية البديلة التي تتعارض و سياق الحزب الحاكم انذاك فاليوم اصبحت الحرية الغذاء اليومي للمثقف التونسي و المسرحي مما نتج عن ذلك ظهور تجارب مسرحية مختلفة بعيدة كل البعد عن الإجترار و التشابه فواقع المشهد المسرحي التونسي هو حقيقة نتاج تراكمات انفجرت فنيا عبر جيل جديد يطمح الى أفق فني رحب.

*يثار نقاش حاد و تخوفات متشائمة و أخرى ايجابية مع افتتاح مدينة الثقافة في تونس و سبق أن سمعنا أنها كلفت على الدولة مبلغا خياليا، لو ممكن تعطينا فكرة مختصرة عن هذه المدينة و لماذا يتخوف البعض أن تتحول لمقبرة الإبداع ماهو رأيك؟
ــ مدينة الثقافة التونسية التي انتظرناها منذ النظام السابق و نحن نسمع عن هذه المدينة حتى صارت جزء من جزء من نقاشاتنا اليومية فمنذ ذلك التاريخ و الدولة التونسية ترصد ميزانية لمدينة الثقافة و لكن سرعان ما تتبخر هاته الميزانية، لكن بعد الثورة أصبح المطلب الأساسي هو ثقافي، المطالبة بإستكمال بناء مدينة الثقافة التي كلفت الدولة اكثر من مائة و عشرين مليار دينار تونسي و هذا ان دل على شيء فهو يدل اساسا على رهان الدولة من خلال وزارة الشؤون الثقافية على الثقافة و الفن فبهما تمكنا من اجلاء المد الإرهابي بنشر الثقافة و المعرفة في كل الولايات و الأحياء كذلك، و أما عن التخوفات فهي موجودة فعليا لكنها ايجابية لأن حقيقة مدينة بحجم مدينة الثقافة التونسية هذا المشروع الضخم من حقنا ان نخاف على مشروعها الثقافي البديل، مدينة الثقافة هي منارة ثقافية عالمية يوجد بها عديد القاعات المسرحية و السينمائية و قاعة الأوبيرات و كذلك الأقطاب الفنية الأخرى، فبعد افتتاحها يوم الواحد و العشرون من مارس سنة ثمانية عشرة و الفين انطلقت مدينة الثقافة بإحتضان الدورة التأسيسية الأولى لأيام

قرطاج الشعرية و كذلك أيام مسرح المدينة و القادم الأفضل لن يكون الا بالفعل الثقافي البديل من خلال مشروع ثقافي واضح المعالم.

*تونس قبل الثورة ليست تونس بعدها، ما المتغيرات التي حدثت وتحدث للمسرح و هل من مسارات فكرية و فلسفية واضحة؟
ـ سبق و تحدثت عن أن تونس أوشبابها انتزع كرامته و حريته فكان متأكدا أن القيم النبيلة لا تهدى بل تفتتك، نعم عشنا متغيرات جذرية يعلمها العالم بأسره من تغيير نظام الحكم و بروز تيارات اخوانية ظلامية كانت تعتقد أنها هي البديل لنظام بن علي، المحاولات هنا كانت دامية و سقط فيها العديد من الشهداء الذين سقوا بدمائهم أرض الوطن الثائر ضد منظومة الرجعية و التعصب الفكري لتبرز في سياق التغيير بعض التيارات الفكرية و الفنية عن نذكر منها الكاتب و المفكر التونسي حاتم التليلي و الذي صدر له مؤخرا كتاب “أدونيس سورياليا” و غيره من المفكرين و كذلك “المسرح و خرائط أخرى فالمسارات الفكرية و الفلسفية بعد الثورة اتجهت الى فهم الواقع و ابتداع أشكال فكرية و فنية جديدة، ظهر ذلك من خلال بعض الروايات و الأعمال المسرحية المحترفة و الهاوية.

*هل يوجد مسرح شبابي نشط، ماهي الأسماء المسرحية الفاعلة؟
ــ هنا يجب الا يفوتنا أن نذكر أن المسرح التونسي هو امتداد للأجيال بمعنى أنه لا يمكن الحديث عن التجارب آلمسرحية الشبابية دون ذكر الدور الفعال الذي لعبته الأجيال التي سبقتنا، نذكر مثلا محمد الحيدري وهو رائد من رواد المسرح التونسي و كذلك علي بن عياد، محمود المسعدي، محمد ادريس، عبد القادر مقداد، المرحوم آلمنصف السويسي،الفاضل الجعايبي، و الفاضل الجزيري، توفيق الجبالي، المرحوم عز الدين قنون، محمد بن عثمان، أنور الشعافي و رجاء فرحات وغيرهم ممن أثثوا المشهد المسرحي التونسي انذاك و حتى اليوم، فبالضرورة سنجد شعلة شبابية في المسرح التونسي لهم أفكار مختلفة و بديلة فعلى سبيل الذكر لا الحصر المخرج علي اليحياوي، صالح الفالح، عماد المي، الشاذلي العرفاوي، حافظ خليفة، عبد القادر بن سعيد، سامي النصري، محمد الصالح عروس وكذلك الجيل الذي يليهم و هو جيلي من مسرحيين و مخرجيين الذين يحاولون التموقع بين تجارب المسرح التونسي والعربي.

*تم تكريمك بالمهرجان الدولي للمسقاة المسرحي بالجديدة بالمملكة المغربية ماذا يعني لك هذا التكريم؟
ـ تم تكريمنا بالمهرجان الدولي للمسقاة المسرحي بالجديدة بالمغرب فجاء هذا التكريم على اثرالإشراف على ورشة تكوين الممثل بالمهرجان و تقديم مداخلةفي الندوة الفكرية حول موضوع اشكالية المسرح العربي فعنونت مداخلتي ب “المسرح العربي و حقيقة البعد الجمالي التقني ” رفقة بعض الدكاترة و المحاضرين العرب و الأجانب نذكر من مصر د.سلومة، من بلجيكيا د.لوزيني، من المغرب د.الطويل محمد و محمد فطال و كذلك د. محمد العزيز و بحضور مدير المهرجان السيد عبد الرحيم النسناسي.

هذا التكريم أعتبره جزء من نضالاتنا المسرحية نعتز به كثيرا ويدفعنا الى مواصلة المسار الفني بكل حب و جمال، فحتى لا ننسى انه تم كذلك تكريم الدولة التونسية عن طريق وزارة الشؤون الثقافية لمساهمتها في التعاون الثقافي الدولي المغربي التونسي.

*لطفي الناجح ممثل مسرحي و سينمائي حدثنا عن أهم محطاتك؟
ــ لطفي الناجح من مدينة الصخيرة ولاية صفاقس بدأت دراستي بالمدرسة الإبتدائية نوال الجديدة ثم المدرسة الإعدادية بالصخيرة و معهد العهد الجديد بنفس المدينة أين تحصلت على شهادة البكالوريا شعبة الاداب، ثم التحقت بالمعهد العالي للمسرح و الموسيقى بالكاف أين تحصلت على الشهادة الوطنية للإجازة الاساسية في المسرح و فنون العرض و الان اواصل دراستي بالماجستير علوم ثقافية بالمعهد العالي للفن المسرحي بتونس و ككل مسرحي لي تجارب مسرحية محترفة اذكر منها مسرحية “احتجاج” لعبد الفتاح الكامل، “مسودة” لوائل الحاجي، “شاردة ” لفرحات دبش، “كعب لغزال” لعلي اليحياوي، “او لا تكون “لأنور الشعافي ،المرحلة اثنان و ثلاثون لمعز مرابط و الإيطالي اندري بولوتشي، “حكايات من القصر” من اخراجي و رشيد بن مصطفى، و مسرحية “عطش” كذلك من اخراجي و العمل الفرجوي التنشيطي “المشي على العصيي”. اما التجربة السنيمائية تمثلت في مشاركتي في فيلم “الحبس كذاب” لنبيل البركاتي و كذلك فيلم “مقدسات الكاف” للسعد الوسلاتي و اخيرا فيلم “مريم العذراء” للمخرج الإيطالي قويدو تشيزا. وتجارب فنية أخرى منها الاشراف على عدة ورشات تكوينية للشباب في قطاع المسرح و فن الشارع.

*هل أنت راض على لطفي الناجح كفنان؟
ـ لطفي الناجح يشق طريقه بكل ثبات و ثقة منتهجا في ذلك سياسة المرحلية و التدرج نحو الافصل لانه بكل بساطة كان اختياره للفن المسرحي مسألة ذاتية من خلال موهبته عندما كان صغيرا و هو يرتاد دار الثقافة الصخيرة التي قدمت له الكثير من خلال مؤطرين نذكر منهم لطفي بن حسين و نزار نغم و مديرة دار الثقافة انذاك السيدة الفاضلة عفيفة بوبكر الجد التي امنت بقدراتنا.

بعد هذه التجربة المسرحية المحترفة و المتنوعة و المشاركات العربية و جوائز هامة لبعض الأعمال التي شاركنا فيها اقول اني راض على الفنان المتمرد الذي بداخلي و لن اندم لإختيار الفن المسرحي كمهنة شاقة خاصة على مستوى المعيش ما نجنيه من المسرح هو خبز حاف حقا و لكن ما نقدمه للناشئة في هذه المرحلة التي تعيشها تونس أهم من أي شيء اخر، علما أنه لي زوجة من ميدان الصحافة نتقاسم معا عبء الحياة.

*تكثر المهرجانات العربية المسرحية و يظل مردودها ضعيف و يرى الكثير أنها كم تفتقد للكيف و مجرد بهرجة شكلية و دعائية تبتعد عن المسرح كفن عام بعد عام، فنود سماع رأيك بهذه القضية؟
ـ كثيرة هي المهرجانات العربية المسرحية لكن على كثرتها لم تخرج من النمطية الفلكلورية فكل المهرجانات تعد متشابهة (افتتاح،عروض، اختتام) وقليلة هي المهرجانات التي انطلقت من من اللاشيء لتصبح وجهة يحج اليها المسرحيون بأعمالهم من كل أصقاع العالم كمهرجان مسرح التجريب بالقاهرة و مهرجان افينيون بفرنسا و ايام قرطاج المسرحية .

ان المهرجانات العربية المسرحية التجارية و بعض الاعمال كذلك افسدت طقوس الفعل المسرحي لتصبح بعض التظاهرات و الإحتفالات المسرحية لاتمثل الجهة او الدولة المنظمة بل اصبحت مهرجانات اشخاص حاكمة، يجب أن يعي الفاعليين الثقافيين أن المفهوم تطور و تجدد و التاريخ لا يعود الى وراء “غيروا”

*برأيك لماذا لا ترى أعمال مسرحية عربية في مهرجانات دولية عالمية خارج جغرافياتنا علما أن اللغة لم تعد عائقا بفصل وجود الترجمة كحال الافلام؟ الا يعكني هذا وجود هوة بيننا و بين الأخر؟ أين يكمن المشكل؟
ـ الهوة بيننا و بين المسرح العالمي موجودة و عميقة و يتجلى ذلك في ان التجارب المسرحية الأروبية مثلا تجاوزت عقدة الجسد فأصبح التعامل معه اداة أو فكرة تترجم أشكال التعبير الحر، أما تأخرنا فهو راجع بالأساس الى اننا لم نخرج بعد من بوتقة الدين و التعصب و التكلس الفكري فننظر للجسد عورة و شيئ من الرجس و هنا استثني المسرح التونسي لانفتاحه على التجارب العالمية و منة جهة أخرى او تقنيا و جماليا يشهد المسرح العالمي تطورا هائلا في الميدان التكنولوجي في حين نجد المسرح العربي يعاني قصورا كبيرا في استخدام التقنيات الحديثة.

*أعلنت الهيئة العربية للمسرح دعم مهرجان بكل بلد عربي كيف ترى هذه الخطوة؟ أنتم في تونس ما اهم مطالبكم الضرورية التي يمكن أن تساعدكم بها الهيئة لدعم المسرح التونسي؟
ـ الهيئة العربية للمسرح هو مشروع ثقافي و فني متميز فمن خلاها أحييت عدة مهرجانات عربية للمسرح في عدة دول عربية و كانت في كل دورة تحرص الهيئة على حرفية التنظيم و كذلك دعم بعض الإصدارات المسرحية و انتظم مؤخرا في تونس مهرجان الهيئة العربية للمسرح و هي مساحة للابداع من خلال مشاركة عدة أعمال مسرحية من جميع دول العالم و تقديم كذلك ندوات فكرية و تربصات في المسرح.

هدف الهيئة العربية للمسرح هو الخروج من النمطية السائدة لأغلب المهرجانات التي تعنى بالمسرح، فعلاقة المسرح التونسي بالهيئة هي علاقة تشاركية تعلمية و تبادل الخبرات في القطاع المسرحي، في تونس لنل تقاليد مسرحية من خلال ايام قرطاج المسرحية و عدة مهرجانات اخرى تساهم بشكل أو باخر في النهوض بالفعل المسرحي.

*الكلمة الأخيرة
ـ تزامنا مع اليوم العالمي للمسرح السابع و العشرون من مارس من كل سنة اليوم الذي تم فيه تكريمنا بالمهرجان الدولي للمسقاة المسرحي بالجديدة المملكة المغربية و بما أننا نؤمن بأنا الفن هو الشيء الوحيد الذي يقاوم الموت على حد عبارة جيل دولوز … أهدي هذا التكريم الى كل فنانيي العالم و الى عائلتي و عائلة زوجتي و زوجتي و ابنتي ميان الناجح.


حاوره ـ حميد عقبي

المقال السابققراءة في فيلم جحيم البارد
المقال التالىقراءة في هستيريا المواقف العراقية اتجاه السعودية
حميد عقبي سينمائي وكاتب يمني مقيم في فرنسا، اخرج خمسة أفلام سينمائية، منها ثلاثة أفلام قصيرة وهي معالجات سينمائية لقصائد شعرية "محاولة الكتابة بدم المقالح"12 دقيقة 1997 ــ بغداد، فيلم 'ستيل لايف"2005 ــ 20 دقيقة فرنسا، فيلم الرتاج المبهور" 2006 فرنسا 32 دقيقة. نشر 21 كتابا إليكترونيا منها 4 مسرحيات،....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد