سانت ليغو بنكهة عراقية

 

لم تقم المفوضية العليا للإنتخابات بدورها في شرح قانون الإنتخابات و تعريف الناخب بحقوقه و تبصيره بوجهة صوته الذي سيدلي به لكي يتوجه إلى قاعة الإقتراع و هو على بينة من أمره – إذا لم يغير وجهته بعد معرفة ما يجهله – بقدر صراخ المرشحين و جيوش الكتل الألكترونية و المنبرية حول واجبات الناخب الشرعية ( لا الوطنية ) بعد تحوله إلى سلعة انتخابية قابلة للتداول و البيع و المبادلة . أنا على يقين أن الغالبية العظمى من الناخبين تظن أن التأشير على اسم المرشح يعني أن صوتها يذهب إليه مباشرة ، لا يمنة و لا يسرة ، و لا أظنني بعيداً عن الحقيقة لو قلت أن نسبة كبيرة من المرشحين أيضاً يظنون ذلك و يجهلون كيفية احتساب و توزيع الأصوات و لا يعرفون شيئاً عن سانت ليغو و عن تعديلاته العراقية ( ليلائم الأجواء العراقية ) ، إذ أن هناك تعديلات طبقت في دول اخرى غير ما اجريناها نحن ، و لا عن العتبة الإنتخابية التي قد يظن بعضهم أنها من العتبات المقدسة خاصة إذا استقى معلوماته من رجل دين من تلك الفصيلة التي تتحدث في حرمة مقاطعة الإنتخابات أكثر مما تتحدث في حرمة تعاطي المخدرات إذا كانت ترى حرمتها ، لا أتجنى على المرشحين خاصة الشابات و الشباب منهم فقد تابعت بعضهم على شاشات التلفاز و هم يقرأون أجوبة الأسئلة التي توجه لهم في ورقة معدة مسبقاً و تدربوا عليها لساعات قبل تسجيل البرنامج و مع ذلك كانوا يتلكأون و يتأتئون وهم يقرأونها كما يقرأون بياناً عسكرياً .

يذهب الناخب إلى قاعة الإقتراع مستصحباً معه إضافة لمستمسكاته الرسمية ( بتعبير شرطة المرور) ، مستصحباً معه زوجته و بناته و أولاده ليؤدوا واجبهم الذي لم يعد وطنياً بل شرعياً و يؤشروا بطاقاتهم الإنتخابية جميعاً وفق توصية رب الأسرة الذي لا تجوز مخالفته شرعاً وهو أيضاً لم يأت بشيء من عنده فقد لُقن في الخطبة الأخيرة بما عليه أن يفعل ، لكن الخطيب الذي نصب نفسه واعظاً سياسياً و شرعياً في آن واحد لم يبصره بحقوقه الإنتخابية مثلما بصره بواجباته و من أبسط حقوقه و أهمها أن يعرف لمن يذهب صوته بالضبط .

في الريف العراقي و قد أصبح العراق كله ريفاً أصوات رب الأسرة و زوجته و بناته بالتأكيد لن تذهب للقوائم المدنية على اختلافها فقد أفتى بعض المراجع علانية بحرمة انتخابها بل تذهب مجتمعة للكتل التي يثق بها الخطيب الذي يثق به رب الأسرة أما الأولاد فقد لا يلتزمون بوصية أبيهم بحكم السن و بحكم الإختلاط خارج البيت و متابعة ما ينشر في مواقع التواصل و التأثر بالتيارات الداعية لإحداث شرخ في الكتل الكونكريتية المهيمنة على العملية السياسية على يد ” الشباب ” لكن هل يعي هؤلاء الشباب ناخبين و مرشحين تفاصيل عملية فرز الأصوات ؟ هل يعي الناخبون مخاطر التصويت لمرشحين صغار لن يجتازو العتبة الإنتخابية ناهيك طبعاً عن الكبار ؟ هل يعرفون أن أصواتهم عندها ستذهب الى الكتل الكبيرة حتى و إن لم يصوتوا لها مع افتراض شفافية و نزاهة تامة ؟ هل يعون أن إقحام سانت ليكو بتعديلاته العراقية لن يسمح بصعود مرشحيهم ؟ عالم الرياضيات أندرية سانت ليغو ( الكافر ) وضع نظاماً لاحتساب القاسم الإنتخابي لكن هذا النظام للأسف لا يلائم مجتمعاتنا ( المؤمنة ) فجرى تعديله ، التعديل سيحرم القوائم الصغيرة و المرشحين الذين تحمس لهم الشباب من الفوز و ليتهم اكتفوا بذلك ، إذ أن كل الأصوات التي منحت لمرشحين فشلوا باجتياز العتبة الإنتخابية ستذهب ظلماً و عدواناً للكتل الفائزة لتتنعم بها ، فتخيل أنك تنتخب نانسي عجرم فيذهب صوتك إلى أحلام ، مع حفظ الألقاب طبعاً لكننا نورد مثلاً يفهمه الشباب .

ماذا عن المرشحين الشباب و الكتل الصغيرة ، هل يعون هذه الحقيقة و نحن لم نتناول إلا جانباً ضئيلاً من لعبة الإنتخابات و إذا كانوا يعونها فكيف يسمحون لأنفسهم و هم يدعون الرغبة في التغيير أن يكونوا شبكة لاصطياد الأصوات و إهدائها إلى الكتل التي يريدون تغييرها ؟

و للأمانة فإن سانت ليكو أصبح كافراً بعد التعديل العراقي و لو أنه قبل التعديل لم يكن ملاكاً و لم يكن ملاكاً أيضاً في التعديل الذي اعتمدته بعض الدول باحتساب نسبة 1.4 بدلاً من 1 صحيح فهو لا يحقق العدالة المنشودة إذ أن قسمة الأصوات على 1.9 ( في التعديل العراقي ) بدلاً من 1 تقلل حظوظ الكتل الصغيرة لكن القسمة على 1 أيضاً لا تمثل العدالة ، النسبية على الأقل لاستحالة تحقيق العدالة المطلقة ، و الحل أن يستبعد سانت ليغو نهائياً سويدياً كان كما ولد أم عراقياً كما مات و يجري التصويت على أساس فردي ، الغاية هي الحصول على برلمان غير خاضع لهيمنة الكتل الكبيرة ، لكن هذا الحل ليس في متناول اليد فالكتل الكبيرة المهيمنة على كل المؤسسات بما فيها مفوضية الإنتخابات تعلم جيداً أنها بذلك ستخسر كل شيء ، هذا الحل سيكون ممكناً فقط عندما نصحوا ذات يوم لنشاهد منظراً أشبه بظاهرة طبيعية ، ذوبان الثلوج من قمم الجبال مثلاً ، الزعماء يتبعهم الغاوون ينزلقون من قمة جبل الذهب الذي يمتطونه و يتركوه لمستحقيه من أبناء الشعب في صحوة ضمير جماعية ، لكن يا أصدقائي هذا يحدث في الأحلام فقط أما في الحقيقة فإن الثلوج التي تغطي الجبل تذوب فقط عندما تحس بحرارة البركان الذي يوشك أن ينفجر تحتها .

المقال السابقالفن تحت رحمة المؤسسة
المقال التالىماك أوفِن..؟!! -ج١-
عماد عبود عباس كاتب عراقي عضو عامل في نقابة الصحفيين العراقيين 1974 وعضو اتحاد الصحفيين العرب و الاتحاد الدولي للصحافة İFJ اكمل دراسته في جامعة سراييفو في يوغسلافيا السابقة عمل في مجال الاعلام مدير تحرير و مذيعا و منتج برامج، يكتب العمود الصحفي و المقالة في عدد من الصحف و المواقع الالكترونية....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد