إلى الأمازيغية تملالت


 

قبل سنتين، التقيت فتاة أمازيغية تدعى تملالت، كانت تحب أن يناديها الآخرون بهذا الإسم رغم انها تملك اسما عربيا شائعا، استفزتني كثيرا بادعائها أن شعبها تعرض للظلم على يد العرب والمسلمين، لم أترجم استفزازي وقتذاك إلى دفاع متشنج عن العرق والدين الذين أنتسبت إليهما بالصدفة، بل قررت أن أقرأ جيدا عما قالته لأدحض ادعاءاتها بالبراهين التاريخية، وها أنذا اليوم أضع في هذه العجالة بعضا مما عرفته من مصادر مختلفة..

لابد أن نعرف أولاً أننا الآن في العام 2967 حسب التقويم الأمازيغي، وامتلاك شعب ما لتقويم خاص به يشير بوضوح إلى وعي تاريخي وحضاري لذلك الشعب، ولنضف إلى ذلك أن أول رواية في تاريخ الإنسانية وصلتنا كاملة كانت لكاتب أمازيغي هو لوكيوس أبوليوس وحملت عنوان (الحمار الذهبي)، ولوكيوس هذا ولد في عام 125 م ضمن المنطقة التي نعرفها اليوم باسم (الجزائر) وكان أحد ملوك الأمازيغ (يوبا الثاني) الذي ولد في عام 52 ق.م واسع المعرفة والثقافة ويتحدث عدة لغات وازدهرت في عهده العلوم والفنون الجميلة والعمران، وهو ابن للملك (يوبا الأول) وزوجته الأميرة كليوباترا سيليني الابنة الوحيدة للملكة المصرية كليوباترا من الروماني مارك أنطونيو.. وهذا من شأنه أن ينبهنا إلى أمرين:

1. لم يكن الأمازيغ برابرة همجاً كما حاول البعض أن يصورهم.. بل هم مساهمون فاعلون في الحضارات الإنسانية الأولى.
2. أنهم كانوا جزءً من الأسرة العالمية التي لم تكن تعرف حدودا أو فوارق وكانت تمتلك منطقها الخاص الذي يختلف عن منطق اليوم المؤطر بالكيانات الوطنية والعرقية والدينية..
وهكذا كان بطليموس الموريطاني وهو ابن يوبا الثاني وكليوباترا سيليني، امبراطورا من الأباطرة الرومان رغم أصله الأمازيغي، وربما وفق المنطق نفسه كان شُشِنق وأسورقون وتكلوت فراعنة مصريين رغم كونهم أمازيغيو الأصل، وليسوا هم فقط بل جميع فراعنة الأسرة الثانية والعشرين الذين حكموا مصر قرابة القرن العاشر قبل الميلاد، وما زال الكثير من الأمازيغ يعيشون في مصر اليوم وتعد منطقة (سيوة) موطنا رئيسيا لأمازيغ مصر، وفي روما مقر الكنيسة الكاثوليكية، جلس عدد من الآباء الأمازيغ على كرسي البابوية منهم (فكتور الأول) للفترة (189ـ199)م وهو من مواليد طرابلس ويعتبر واحد من أهم بابوات الفترة المسيحية الأولى، وقد تم تطويبه قديسا وفق المعتقدات المسيحية، هناك أيضا البابا (جلاسيوس الأول) أمازيغي الأصل، وقد شغل المقعد البابوي للفترة 492ـ496 وكان مسؤولا عن تحديد الأناجيل التي اعتبرت قانونية ورفضه للأناجيل والكتب الأخرى التي اعتبرت (أبوكريفا) أي ممنوعة ومرفوضة من قبل الكنيسة الكاثوليكية، هناك أيضا البابا الأمازيغي ماكرينوس (الفترة 217ـ 218)م، الذي ولد في مدينة شرشال الجزائرية، وهي المدينة ذاتها التي دُفنت فيها كليوباترا سيليني زوجة الملك الأمازيغي يوبا الثاني، ويزخر التاريخ الأمازيغي بأسماء كبيرة راسخة في التاريخ الإنساني منها هانيبعل الذي حارب الدولة الرومانية وهزمها في عدة مواقع وهدد عاصمتها روما في عام 214 ق.م… وعرف التاريخ الإسلامي القائد العظيم طارق بن زياد الذي كان أمازيغيا اعتمده موسى بن النصير في احتلال شبه الجزيرة الإسبانية وكان بالتالي السبب الأول في نشوء دولة الأندلس.

ما يعجبني في صديقتي تملالت اعتزازها الكبير بأمازيغيتها وتأكيدها دائما أنها ليست عربية، وهو اعتداد بالنفس يتميز به الكثير من الأمازيغ الذين عرفتهم، إلا إن ما يجب أن ننتبه إليه أن فكرة العرق النقي الأصيل لم تعد صالحة للتداول اليوم بعد أن أثبتت الفحوصات الجينية (DNA) أن كل منا يحمل في داخله جينات مختلطة فليس هناك عربي خالص أو ألماني أو انجليزي وبالتالي أمازيغي خالص، فقبل الإسلام كان هناك تمازج وتزاوج بين الرومان والفينيقيين والنوميديين والأمازيغ وقد عاشوا معا لفترات طويلة في الشمال الأفريقي.. ثم جاء المسلمون في ما أتفق فيه مع صديقتي تملالت على أنه غزو للشمال الأفريقي، لكننا مجبرون على النظر إلى نتائجه المباشرة، فمن البديهي أن الأمازيغ امتزجوا معهم وخرجت أجيال تحمل جينات مختلطة كنواتج لحالات زواج أو اغتصاب او سبي.. ومما تذكره كتب التواريخ أن موسى بن النصير سبى 90 ألف امرأة أمازيغية نقلهن جميعا إلى المشرق العربي وأغلبهن تزوجن أو غدون إماء لعرب فولدن أجيالا ممن يحملون الجينات الأمازيغية في دمائهم.. ولو فحص أغلب العرب اليوم جيناتهم لتأكدوا من أن لهم أصولا أمازيغية..

ما اقترفه العرب المسلمون في الشمال الأفريقي كان فظيعا بالتأكيد لكنه حدث على أية حال، مثلما حدثت الكثير من المجازر التي اقترفها محتلون منتصرون بحق الشعوب الأضعف، والعرب أنفسهم تعرضوا إلى ذلك فمن المعروف أن الصليبيين أبادوا مدنا بأكملها ومثلهم فعل المغول والفرس والمماليك وغيرهم، القتل والسبي والهتك مفردات كانت سائدة في تلك الفترة وعانت جميع الشعوب من ويلاتها، لذا لم يكن غريبا أن يتعمد (عقبة بن نافع) إذلال الملك الأمازيغي (أكسيل) بعد أن تمكن من أسره، وليس غريبا كذلك أن يقوم أكسيل بقتل عقبة بن نافع بعد أن تمكن من الهرب.. ثم انتقام المسلمين من الكاهنة (دهيا) التي التف حولها الأمازيغ لتقودهم في حرب مقاومة أرهقت الجيش الإسلامي حتى تمكنوا من القبض عليها بعد خيانة (خالد بن يزيد)الذي كان أسيرا لديها إثر إحدى المعارك، لكنها اهتمت به واعتبرته ابنا لها، فسلمها إلى المسلمين الذين ذبحوها، وقد ذكر ابن خلدون (دهيا) مشيرا إلى أنهم كانوا يعتبرونها وثنية، واعتبرها البعض الآخر يهودية، لكنها كانت كاهنة لدين خاص بها حسبما يرى ابن خلدون، ولم يخف اعجابه بها حين اعتبرها شخصية مهابة..

لابد للتاريخ أن يعترف بأن الفتوحات الإسلامية في المغرب الكبير كانت الأبشع والتي تم نشر الإسلام خلالها بالقوة، إلا إننا اليوم مضطرون للتعامل مع الواقع وفق معطياته الراهنة ونكف عن الالتفات كثيرا إلى الخلف.. فلم يعد التعصب لعرق أو قومية أو دين مفيدا في زمن تأكدنا فيه من اختلاط جميع الأعراق، وذابت فيه الثقافات ضمن كيان انساني احتوى الجميع، وهذا يدفعنا إلى أن نأمل للكف عن طرح شعارات قومية عربية أو أمازيغية في المغرب الكبير، فالعرب كانوا محتلين في الواقع.. وأغلبهم يعلن رفضه اليوم لما فعله الأمريكان مثلا حين أذابوا الهنود الحمر في مجتمع غريب عنهم، لكنهم قاموا بالفعل نفسه مع الأمازيغ، وكما أدرك الأمريكان خطأ الاستمرار في هذا السلوك غير الأخلاقي، فعلى العرب أن يكفوا عن تداول خطاب ذي نزعة قومية في منطقة تشاركهم فيها قومية مختلفة.. والأمازيغ بدورهم رغم أنهم عانوا من ويلات هذا الاحتلال الذي طمس معالم بارزة من ثقافاتهم وتاريخهم، إلا إنهم يعيشون واقعا لم يعد قابلا للمزيد من الانقسامات والتشظيات، لهم الحق الكامل في التعامل بلغاتهم وعرض ملامح ثقافتهم الخاصة بالطريقة التي يرونها مناسبة، دونما ضرورة لترسيخ فكرة التقاطع مع العرب التي يدعو إليها بعض المتعصبين الأمازيغ..

لا تعليقات

اترك رد