أبانا الذي في فرساي

 

الأسماء الكبيرة التي احتفظ بها الناس في عقولهم وقلوبهم وعلى صفحات الكتب ليست أسماء من مشى في القطيع البشري ولكنها أسماء الفئة التي تمردت عليه وشغّلت عقولها وتأملت الكون الفسيح وخلصت إلى نتائج مهمة مهدت الطريق للتقدم الإنساني على مر العصور .

وكل ما ينعم به إنسان اليوم ما هو إلا ثمرة جهد علماء ضحوا براحتهم ودمهم وحياتهم في سبيل الوصول إلى الحقائق المطلقة التي يستمتع بها إنسان اليوم ونحن في حقيقة الأمر نتنفس الهواء من غير جهد الأفكار العظيمة التي ماتت من أجلها عقول منيرة تبحث دائما عن خير الإنسان ورفاهه . ويمكن أن نسأل أنفسنا السؤال المعهود : ماذا لو لم تكن تلك القامات موجودة على الأرض في ذلك الزمان ؟ ماذا لو حذفت حياة هؤلاء المفكرين والأنبياء والعظماء والمصلحين والفنانين والأبطال من تاريخ البشرية ؟ كم يبق من خير للأسماء التي لحقت بالقطيع البشري ؟ عندما نتأمل مسيرة ابراهيم الخليل ويعقوب ويوسف ويسوع ومحمد وعلي وبوذا وكونفوشيوس وكوبرنيكوس وأفلاطون وسقراط وأرسطو واين سينا والفارابي والخوارزمي والصادق ونيوتن والمعري وفولتير فماذا يكون مصير الأرض لو أن هذا الرعيل من العباقرة المصلحين لم ير نور الشمس على الأرض .

هناك دائما صراع بين الفكر والفكر ؛ والفكر الحر لا يخشى الفكر الآخر بل يجمّله ويطوره ولا يهزم الفكرَ إلا فكرٌ أقوى منه. وسائل الحرب ألوان وصنوف مختلفة ولكنها لم تستطع في يوم من الأيام أن تسكت صوت كوبرنيكوس أو غاليلو أو سقراط . لقد رحل هؤلاء

العباقرة ولكن فلسفتهم وعبقريتهم عاشت للأبد . لا يستطيع أحد أن يمحو تاريخهم المجيد وجدّهم وجهدهم المتواصل في تنازع البقاء. والطريف في الأمر أن القاتل بقي نسيا منسيا في حين أن الضحية تخلد اسمه وعمله للأبد وفي هذا الصدد نتذكر ما قاله أمير أثناء الحروب الدينية الأوروبية : ” الخنجر لا يجدي شيئا أمام الروح .” وتبقى الأفكار الجيدة مثل البذور التي تذروها الريح تنشرها في بقاع الأرض المختلفة ويظن الجلاد أنه انتهى منها ليتفاجأ بأنها تنبت هنا ثم تنبت هناك ولا يستطيع إيقافها أحد.

يُحكى أن زيوس ملك آلهة اليونان عهد إلى بروميثيوس وأخيه إبيمثيوس بمهمة تزويد الكائنات بما يضمن لها البقاء. أعطى إبيمثيوس البليد كل القدرات الى الحيوان ولم يترك شيئاً لأبناء أثينا، الذين لا يستطيعون أن يحصلوا على قوتهم وحماية أنفسهم.

فأشفق عليهم بروميثيوس وعلّمهم الصيد والدفاع عن النفس. ثم قام بمؤازرة إلهة الحكمة أثينا، بتعليمهم كيف يصنعون النار ويستخدمونها لصنع الأدوات للحماية وقطع الأشجار.

غير أن زيوس، الذي يريد أن تنفرد الآلهة بامتلاك المعرفة، لم يستحسن فعله وطلب منه التوقف. فعارضته أثينا وشجعت بروميثيوس على تعليم أبناء أثينا الزراعة والقراءة والكتابة والحساب. مرت الأيام والإنسان يتطور، وبروميثيوس يحبه أكثر لأنه كان يشكره بينما هاجمت الحيوانات أخاه بعد أن أعطاها كل شيء.

وفي اللقاء السنوي في ميكون ، حيث تجتمع الآلهة ويقدم لها أبناء أثينا الأضاحي ، ذبح بروميثيوس ثوراً ضخماً ووزعه على جزأين. وضع في الجزء الأول العظام التي عليها اللحم الهزيل وغطّاها بالدهن اللامع، ووضع في الكومة الثانية العظام ذات اللحم المكتنز وغطّاها بأمعاء الثور.

ثم قدم الكومتين الى زيوس، كان العرف آنذاك أن تأخذ الآلهة ما تريد من الذبائح وتترك البقية للبشر. اختار زيوس الكومة التي يعلوها الدهن، وعندما اكتشف الحيلة، غضب وحرم أبناء أثينا، الذين يحبهم بروميثيوس، من النار حتى لا يستمتعون بالطعام والدفء ولا يتطورون.

عاد أبناء أثينا إلى الحياة البدائية وخسروا ما اكتسبوه ، ولم يعد باستطاعتهم أن يقوموا بأعمال الزراعة والحدادة والنجارة والبناء دون النار، كما لم يعد باستطاعتهم أن يصنعوا السلاح للدفاع عن أنفسهم، فلاذوا بالكهوف وعاشوا في البرد والظلام . تألم بروميثيوس وحزن عليهم ، ثم ناشد زيوس بالعفو والسماح بالنار، لكن زيوس رفض.

انتهت المناشدة بتصميم بروميثيوس على تحدي زيوس وسرقة النار من جبل الأولمب. ساعدته أثينا ودلته على مدخل سري الى مكان النار المقدسة في جبل الأولمب ، فسرق شعلة العلم والمعرفة ونزل بها إلى الأرض، إلى أبناء أثينا في الكهوف المظلمة.

عندئذ ثارت ثائرة زيوس وحكم عليه بعقوبة العذاب الأبدي . أمر بربطه الى صخرة بالسلاسل ثم أطلق نسراً متوحشاً ليلتهم كبده في النهار- في الليل ينمو الكبد لينهشه النسر في النهار. تمر الأيام والسنوات والنسر يعذب بروميثيوس إلى أن يأتي هيركليس ويقتله.

شعلة المعرفة

يقول هسيود في قصيدته الأسطورية إن زيوس خاف أن يرتقي أبناء أثينا، بعد حصولهم على شعلة المعرفة. لذلك رأى أن يشغله بما يعيقه. طلب من الحداد هيفاستوس أن يصنع امرأة، وزعت عليها المزايا الحسنة ماعدا هيرميس الذي أعطاها قلباً مخادعاً ولساناً كاذباً.

سماها زيوس باندورا ووهبها صندوقاً ثميناً وضع فيه كل الأوبئة والشرور ثم قدمها هدية الى ابيموثيوس. حذر بروميثيوس أخاه من

باندورا وحثه على رفضها، لكن ابيموثيوس افتتن بجمالها وقبل بها. في اليوم الثاني فتحت باندورا الصندوق، فانتشرت منه الأمراض والشرور ولم يبق فيه شيء غير الأمل . وكما قلنا سابقا لا يوقف الفكر إلا فكر أقوى منه وأوسع والحروب الفكرية والتيارات السياسية والدينية لا يوقف نموها إلا فكر أفضل وأكثر نضوجا منها ولا تستطيع القوة مهما بلغت من العنفوان أن توقف التقدم الفكري للمجتمعات . ظل لويس الرابع في السلطة قرابة سبعين عاما وكانت عبارته الشهيرة “الدولة أنا” وكان يجبر الناس خلال سنوات حكمه على الصلاة : “أبانا الذي في السماء تمجد اسمك . أعطنا خبزنا كفاف يومنا . ” لكن الشعب كان يغني سرا : ” أبانا الذي في فرساي .اسمك لم يعد ممجدا ومملكتك لم تعد على ما كانت عليه وسلطانك لم يعد مفروضا علينا لا في الأرض ولا في السماء . أعطنا اليوم خبزنا الذي نحتاجه في كل مناحي الحياة .”

اليوم يجتاح الفكر المتطرف والارهاب مختلف بلاد العالم العربي والإسلامي ويمارس فنون الظلم والقهر والعذاب والقتل ولا يأبه للضحايا ولا يمكن أن نوقفه عن تشويه قيم الحضارة الإسلامية والإنسانية إلا بفكر متطور يحترم الذات الداخلية وقيم الإنسان وكينونة الإنسان . الفكر الحر هو المنتصر دائما لأنه نابع من ذات الإنسان .

لا تعليقات

اترك رد