جسد


 

«يا لهذا الجسد وجماله!» قالت في نفسها. «كلّ شيء يسير بدقة متناهية. ذاكرة أزلية محفوظة.»

على الجانب الآخر من النهر، كانت أوراق الأغصان الملتفة على بعضها تتشابك في هيام، وحزم الضوء الذهبية تتسرّب عبر هذه الكثافة السحرية لتزيد المشهد فتنة.
افترشتْ نورا أعشاباً بدت لها بساطاً ساحراً، وراحت أصابعها تعبث بالوريقات على أنغام الطيور التي لا تغادر الأشجار في مثل هذا الوقت من السنة. كان ماء النهر يضيف سحراً إضافياً على المشهد بعفويّة انسيابه الهادئ.
أسندتْ نورا ظهرها إلى مرتفَعٍ غطّته الأعشاب. بدا لها المكان مقعداً مريحاً وبدأت تفاصيله تبعث في داخلها حيويّة جديدة. انتابتها أفكار عديدة وأخذتها بعيداً إلى أزمنة ساحقة في القدم. عادت حقباً إلى الوراء.. أو ربما كان قِدم ما كانت تشاهده.
رأت عوالم غير عالمها الذي تعيش فيه. تعرّفت على أماكن عديدة، بعيدة عن مكان تواجدها. تحدّثت مع أشخاص لم تعرفهم من قبل بلغات غريبة. لكنها تبحث عن شيء لا تدري بعد ما هو. شيء ما يشغل بالها: كهوف وحيوانات مختلفة، زواحف وطيور، أنهار تجري في اتجاهات مختلفة، أنواع كائنات غريبة نصف-بحريّة.
تبحث نورا عبر العصور عن ضالتها المفقودة. تقترب من أجساد كائنات تمرّ بها: إنّها تشبهها قليلاً. تلتقي نظراتها بنظرات الكائنات أحياناً ويبتسم بعضها لها. لكن الحيرة لا تفارقها. إنّها، كما يبدو، تبحث عن سرّ مفقود.
امتعضتْ نورا لعدم إدراكها ماهيّة هذا الشيء الذي تبحث عنه. ابتعدتْ عن المكان والكائنات. خطت خطوات سريعة في اتجاه آخر. كانت المسافة هذه المرّة أبعد. استمرّت في البحث: «لن أهدأ طالما بقيتْ فيّ قوة.»
بعد قليل، مرّ بمحاذاتها شابّ جميل، فالتهبت لرؤيته أحاسيسها. التفتت إليه، توقف الشاب دون أن ينظر إليها، ثم جلس بهدوء وأرخى جسده حتى لامس الأرض وافترش البساط الأخضر. حاولتْ الاقتراب منه، لكنه كان قد أغمض عينيه وطوى ذراعيه تحت رأسه ونام. وقفتْ قبالته وهو يغطّ في نوم عميق. كان يبدو عليه الإعياء.
جلستْ إلى جانبه وأخذت تراقب تنفسه البطيء: صعود وهبوط، إيقاع له سحر خاص. مرّت أمامها صور كثيرة: حشرات، أسماك، طيور، وهذا الجسد الإنسانيّ البديع.
«يا لَهذا الجسد وجماله!» قالت في نفسها. «كل شيء يسير بدقة متناهية. ذاكرة أزلية محفوظة.»
تراءتْ لها أحداث كثيرة، في الأمس والغد البعيدين. كلّ شيء كان ينساب ببطء وهدوء. وهذا الجسد الذي أمامها، ما فتئ يزداد جمالاً.

لا تعليقات

اترك رد