” قسمة فنيخ ” !!

 

(فنيخ) رجل من محافظة ميسان له القدرة على تمييز حركة الانسان وحركة الخنزير بين كثبان البردي والقصب في الهور ويدرك حكمة العدل الالهي من دون دراسة ولا مدرس.
ففي احدى ليالي الهور المظلمة جاء الى داره ضيف (سيد معمم) معروف عنه حبه للمال واستحواذه على أملاك كثيرة بطرق مختلفة فرحب (فنيخ) بالضيف واجلسه في ( ديوانيته ) وطلب من زوجته ان تطبخ اخر دجاحة كانت في داره وان تضعها بين يدي الضيف , ففعلت .
قال (فنيخ ) للسيد المعمم : يا سيد هذي الدجاجة اخر ما املك.وساشاركك العشاء فهل تحب ان نقسم الدجاجة بقسمة الله ام بقسمة (فنيخ) ؟
ففكر الضيف بدهاء ثم قال : كيف تكون قسمة (فنيخ) ؟
فاخذ (فنيخ) اليه سكيناً وقطع الدجاجة الى نصفين متساويين بالضبط وقال : هذا النصف لك ياسيد وهذا لي .
هنا لمعت في عين الرجل نظرة من الطمع ممزوجة بالخبث وادركها (فنيخ) وقال له :اذاً نقسم قسمة العدل قسمة الله ، (املاً ان يحصل على جزء من حصة فنيخ فوق حصته) .
فأخذ ( فنيخ ) نصفي الدجاجة وضمهما معاً وقطع جناحاً من الدجاجة والقى به امام الرجل وقال:هذا لك ياسيد وباقي الدجاجة لي .
فنهض السيد منتفضاً ثائراً يصفع جناحي عباءته ببعضهما وقال معربداً : يا كافر يازنديق هل انت اعدل من الله.. هل انت اكرم من الله.. أفيعطي الله جناحاً ويعطي (فنيخ ) نصف دجاجة؟! . فقال له ( فنيخ ) بكل هدوء :اما ترى ان الله وهب اناساً اراضٍي ومزارع وبيوتا وعمائر ودواب ومن كل النعم مثل ماتملك ( من لحم الوادم ) ولم يهبني سوى هذه الدجاجة فقط وارسلك بعدها ( جمالة ) لتشاركني بها .هذه قسمة الله , أفتعترض على قسمته ياسيد ؟!.
قسمة ( فنيخ ) هذه جعلت بعض الأفكار تتوارد الى ذهني منها لو ان ( الفايخين والخامطين ) من الفاسدين في بلادنا قاموا بمناصفة العراقيين بما ( لغفوه ) من خيراتهم واستحقاقاتهم وفق قسمة ( فنيخ ) لكان أجدى وأثوب لهم بدلا من التباكي وذرف دموع التماسيح على ماآل اليه حال ( المكًاريد ) وأفضل من الخطابات والوعود الفضفاضة ( الكمونية ) التي لم تعد تنطلي على أحد . واذا كان الحياء أو التردد أوالخوف يعتريهم من البوح بالمناصفة فبمقدورهم القيام بحملة تبرعات للمحتاجين وأعدادهم بسيطة ( ثلاثة أرباع الشعب ) بس !!. أو الاتجاه نحو غسيل أموالهم ( وجنه ماندري ) من خلال بناء مدارس ومستشفيات ومرافق خدمية وبذلك قد يتوب الله عليهم ( وتفوخ ) ضمائرهم.
ان تحقيق العدالة الاجتماعية من المقومات الكبيرة التي تعزز الأمن والاستقرار وتقف سدا فكريا منيعا بوجه الارهاب ، يضاف الى ذلك متطلبات أخرى منها المصالحة الوطنية الحقيقية وليست ( المناطحة ) المبنية على الدسائس والضغائن والنظرة الضيقة وكل هذا لايتحقق الا بعد اقتسام رغيف الخبز مع أبناء الشعب وهو لعمري أزكى وأجدى للعراق ، فاصدقوا القول والفعل قبل ان يأتي يوم وهو ليس ببعيد يأخذ كل ذي حق حقه وفق قسمة ( فنيخ )!!.

1- بتصرف ، حسام العبيدي ، (قسمة فنيخ) قصة من التراث العراقي ، الحوار المتمدن ، 19-7 -2008

لا تعليقات

اترك رد