المصارعة بين الطقوس السحرية والممارسات الرياضية

 

هناك حقيقة واضحة ادركها الانسان منذ عصور قديمة جدا وهي ان بقاءه مرهون بشيئين اثنين : اولها الغذاء وثانيهما التكاثر . فدون الغذاء يموت الانسان ، وبدون التكاثر يفنى جنسه الى الابد لذا كان لخصب الطبيعة اهمية بالغة في حياته وهذه الخاصية ارتبطت منذ البدا بالمرأة .

ومن اجل بقاء وديمومة الحياة اخذ يتصور ان بمقدوره تسخير الطبيعة لصالحه ليستطيع من خلال ذلكم تفادي النتائج السلبية التي قد تؤدي اليها تلك التغيرات وكانت بداية الاعتقاد بقوة السحر القائم على مبدأ التشبيه والذي يهدف الى استحداث الشيء بتقليد عملية حدوثه لذا كان يقيم طقوسا سحرية يتقمص من خلالها ظاهرة طبيعة معينة أو شيئا معينا وجوده حاجة ملحة ، كأن يكون نزول المطر أو ظهور الشمس ، أو تزايد الماشية.

وقد ارتبط تسخير الطبيعة بإقامة مراسيم وطقوس خاصة مرة كل عام ومن هذه الطقوس المهمة هي طقسة المصارعة ، التي لم تكن في عصور ما قبل التاريخ نشاطا رياضيا بل ارتبطت جذوها البعيدة بالحياة الدينية .

وطبيعة هذه الطقسة كانت ترتبط بمبدأ الخصب والتكاثر للطبيعة التي ارتبطت بدورها بالمرأة التي تزعمت النشاط الاجتماعي والسياسي والديني في الثقافات النيوليتية الشمالية في بلاد الرافدين وكانت تختار زوجها او ضجيعها عن طريق اجراء منافسة قوى بين الرجال الاشداء ليكون زوج جديرا بالمرأة الزعيمة . وكانت مسابقات المصارعة بين الرجال تجري قبل طقوس الزواج المقدس الديني حيث يتم زواج المرأة الزعيمة ممثلة الطبيعة باعتبارها الالهة الام من الرجل القوي المنتصر في المصارعة ، وبزواجهما هذا يشار الى اخصاب الطبيعة وازدهارها وهي في ذات الوقت جزء من طقوس استنزال المطر في الشمال حيث يذكر فوزي رشيد” بان طقسة أو رياضة المصارعة في العراق كانت تمثل في اغلب الظن الاختبار الذي يختار من خلاله الكاهن الذي يأخذ على عاتقه مهمة استنزال المطر والذي يكون كذلك عريسا في الزواج المقدس” .

اذ ان صفات الشباب والحيوية والسمنة التي تجمع بين العريس والمصارع وتشير الى ما تمتاز به الالهة الام البدينة المخصبة . ولان الزواج المقدس كان يحصل في ربيع كل عام لذا كان سرعان ما يفشل الكاهن المصارع العريس في الاختبارات القادمة لظهور رجل اقوى يليق بالكاهنة العليا الممثلة للإلهة الام.

وما يلفت الانتباه ان مشاهد المصارعة في الاعمال النحتية والتشكيلية تظهر في العصر السومري القديم في حوالي (2500-2350ق.م) اي انها كانت طقسة ذات اثر ديني كبير في حياة السومريين في عصور الاول لظهور الفن والتدوين ولكن سرعان ما اخذت تزول شيئا فشيئا في العصور اللاحقة وتفقد مدلولها الديني والسحري بعد معرفة الانسان في بلاد الرافدين السيطرة على النهار واستخدامها في الري .. وتحولت المصارعة الى مجرد رياضة تمارس في الاحتفالات والطقوس العامة .

ولكن تبقى جذورها تعود الى العصور الحجرية القديمة التي تكون قائمة على اساس ديني غذائي جنسي قبل أن تكون رياضة وانه كانت ذات يوم شكلا دراميا بما يحويه من صراع ونظارة أو مشاهدين يشاهدونه ، وروح ديني يعطيه عمقا طقسيا يعد جوهر الدراما واحد جذورها الاهم في العراق القديم.

المقال السابقأبانا الذي في فرساي
المقال التالى” قسمة فنيخ ” !!
خمائل شاكر ابو خضير الجنابي .. كاتبة عراقية الشهادات • بكالوريوس اداب / تاريخ / جامعة بغداد 2001-2002م • ماجستير تاريخ القديم /جامعة بغداد/كلية الاداب 2008م • دكتوراه فلسفة في التاريخ القديم/جامعة بغداد/كلية الاداب2014م. الخبرات • تدريسية في كلية الاداب / جامعة الامام جعفر الصادق(ع) مدة ....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد