الكاتب الدرامي فاروق محمد

 

أراد ان يكون ممثلا فقصد فرقة المسرح الشعبي عام 1968 لكنه لم ينجح واكتشف انه لايجيد التمثيل ,ثم استمع الى نصيحة استاذه الفنان جعفر السعدي الذي وجهه بان يقرأ كل شيء عن الدراما والمسرح وربما كانت تلك النصيحة لاتعبرعن وجهة نظر السعدي الحقيقية للممثل الفاشل فاروق محمد ,بل قد تكون اكثر من ذلك ,فهي ربما لتسهيل أمر للشاب فاروق علّه يعثر على ظالّته في مهنة اخرى غير التمثيل ,وبما انه جاء الى المسرح ,اذن يمكنه ان يقرأ ويتثقّف جيدا فيدخل الى المسرح بمهنة اخرى .واستمع فاروق لنصيحة استاذه فانكبّ يقرأ كل ماموجود في مكتبة بيتهم الكبيرة ,

فقرأ التراث والتاريخ والشعر اضافة الى المسرح والقصة ,وزاد حبه للغة الفصحى وعدّها كنز واسع له من خلال مفرداتها البليغة ودلالاتها الواسعة ,وأخذ يبحث عن كتب اخرى من خارج مكتبتهم البيتية حتى وصل الى درجة كبيرة من الثقافة والوعي وتوصل الى قناعة تامة بأنه بات يستطيع ان يكتب للمسرح الذي لم ينجح فيه ممثلا فكتب مسرحية (كشخة ونفخة ) الذي حاول فيه ان يكون حياديا في مفاهيمه الاجتماعية والسياسيّة وهو المبدأ الذي حاول ان يسير عليه لكنه حاد عنه في كثير من الاحيان بارادته او من دون ارادته فمنعهت له اعمال وحيّدت اخرى ,

وترك بعضها دون ان يحاول اعطائه لاحد المنتجين او المخرجين لخشيته من النظام أو لعدم قناعته من ان هذا العمل سيضيف لتاريخه شيء .كان فاروق محمد يكتب باللهجة الشعبية لكنه يعشق اللغة الفصحى ويجد فيها افاقا تمنحه الحرية في تناول حبكات تظيف لها اللغة دلالات من قوة المفردة العربية وايقاعها الساحر فكتب الكثير من الاعمال فيها .كما انه حاول التركيز على جوانب وجد انها لم يتم الغوص بها ولم تأخذ حقها من البحث والتناول مثل مواضيع المرأة ودورها في قيادة البيت والفعل الدرامي الذي يقود الموضوع ,والحدث ,كذلك فأنه ولج الكوميديا بالرغم من انه غالبا مايقول بانه لم يكتب اعمالا كوميدية خالصة ولا يحب ان يكون كاتبا كوميديا ,وانه يمكن ان يكتب خطا كوميديا في مسلسل أو تمثيلية ,

لكنه كان كوميديا في اكثر من عمل خالص ونجح في ذلك كما في مسرحية (بيت وخمس بيبان ) من اخراج محسن العلي وأعمال اخرى . وتميزت اعمال فاروق في المسرح والتلفزيون بأنها تعتمد على قوة الحدث منذ البداية اذ يبدأبفكرة ومعالجة انفجارية لكنها ماتلبث ان تفقد الكثير من بريقها فتبقى قريبة من تأزّمها الاول وقد لاتغادره الا قليلا. وقد يكون سبب ذلك هو تخوّفه الدائم من ان يدخل في اماكن محرّمة تعود عليه بما لا تحمد عقباه, توضح هذا مثلا في مسلسل (سيد البيت) اخراج كارلو هارتيون ,وتمثيل ابتسام فريد وسامي قفطان الذي بدأت احداثه قويّة ووصلت حبكته وكأنها ستدخل المحذورات, لكنها ماتلبث ان تتراجع فتعيش حالة من السكون في كل شيء ,

لا أقصد الخوف من مواجهة الانظمة السياسية فقط ,بل حينما يشعر المتلقّي بأن اهم ما في موضوع المسلسل قد تم طرحه في الحلقات الثلاثة الاولى ثم عّم البرود اغلب احداث العمل خاصة بعد خروج (ابراهيم )سامي قفطان من السجن اذ بدأ البناء الافقي البارد يطغي على الاحداث , وترك فاروق الاسباب والمسببات في كل ماجرى وأكمل العمل وكأن باقي الاحداث ليس سوى زمن ان اقتطع سوف لايؤثر على بنية العمل كثيرا .وأرى ان هذا كان بسبب قصر نفس فاروق السردي في السير الى مسافات زمنية تتجاوز الساعة والساعتين وبالاكثر الثلاث,

فهو قد تمرّس بكتابة المسرحيات والتمثيليات وحتى الثلاثيات بسهرات لا تصل لاكثر من هذا الزمن .ولهذا جاءت بدايات معظم اعماله بقوة وبفعل درامي يبتدأ بذروة ولا ينتظر كثيرا حتى يستقطب المتلقي لها ,فهو يمسك المتلقي بقوة منذ اللحظات الاولى ويقدم له وجبة دسمة من الافعال الدرامية المكتوبة بدقة والسرد الشيق ,بحوار شاعري جميل ,لكنه مايلبث ان ترتخي حباله ويبقى المتلقي حائرا ينتظر منه ان يعيد شد الحبال كي يتألّق معه مّرة اخرى ,وتلك الجرأة في السرد منذ البداية عرّضته الى اكثر من مأزق فتوقف عرض واحدا من أهم مسلسلاته مثلا(وينك ياجسر)اخراج فلاح زكي,

حينما توقف عرضه ومنع لاسباب بعضها ماذكرته حول شجاعة في طرح الموضوع منذ اللحظات الاولى دون ان يقوم بتجزءة افعاله القوية على المساحة الزمنية التي يجب ان يعيها ويتعامل معها وفق بناء تصاعدي متوازن .لقد سكن فاروق هاجس الغربة والاغتراب في الكثير من اعماله وكان هذا الشعور يتموضع في معظم افعاله وكأنه هاجس مخيف ومرعب يراوده دائما , بل اني ارى ان واحدا من اسباب عدم سيطرته على قوة الافعال في معظم مسلسلاته هو هذا الشعور الذي ما ان يفرغ من طرحه في حلقاته الاولى حتى يبرد كل شيء لانه يرى وببساطة بانه انتهى من حكايته وما الباقي الا لتكملة فرض المنتج والعملية الانتاجية التي تتطلب منه ان يكتب اكثر مما يبغيه هو ,واكثر مما يتطّلبه موضوعه .

ومراجعة بسيطة لبعض اسماء اعماله يثبت كلامي هذا مثل (الغائب ,القشّة ,ماتبقى من طروادة,ترنيمة الكرسي الهزّاز ) وهي مسرحيات تميّزت بقوة وجمال المفردة التي تسهم اسهاما فاعلا جدا في حدث وحبكة العمل الفني الذي اخذ مداه المطلوب دون ان تستعير زمن لي زمنها ولا احداث ليس سوى تكملة فرض . كما اهتم فاروق محمد بمواضيع الساعة ولم يستطع مغادرتها حتى في اعماله التاريخية الجميلة, فهو يختار دائما ماله علاقة, أو رابط, مابين الزمنين الماضي والحاضر,ويحاول ان يسقط مفاهيم الحاضر على بنية عمله التاريخي مسرحيا كان أم تلفزيونيا, ويحاول جاهدا ان يبث رسائلا وافكارا لايمكنه البوح بها , فيشبّه احداث الماضي باحداث الحاضر, ويقارن بينهما,ببنيتين مختلفتين من ناحية الشكل, لكنهما متقاربتين كثيرا من ناحية المضمون, وهذا ما كان في مسلسل (الاصمعي )مثلا ومسرحية (الشاهد ) الذي يقول عنها هو بانها (شاهد على زمن يسود فيه الطاعون ويقتل كل الناس ويبقى الشاهد ملكا على الجثث فرحا بهذه المملكة التي لايعارضه فيها احد ..

ويتصور ان الطاعون صديقه ولكن ليس للطاعون صديقا ,وفي النهاية هذا الصديق يخون الصداقة ويصاب الشاهد بالطاعون ويموت كالبقية ) ,وهي المسرحية التي كتبها عام 1989 وكان من المفروض ان يخرجها المرحوم عوني كرومي لكنه خاف من الطاعون وبقيت ليتسلمها عزيز خيون ويكون فيها طه المشهداني شاهدا .ويحاول فاروق ان يحاكي الواقع في جميع اعماله لكنه يخشى الحاضر حتى هذه اللحظة ولا يأمن لزمن أو يثق بحكومة خوفا من ان تعود الاولى لتقلب عليه الطاولة وهذا مايفسّر سبب الازمة التي تعيشها اغلب شخصياته فتعرض ازمتها ثم ماتلبث ان تبقى مأزومة تدور حول نفسها وتلجأ الى محاسبة النفس والاقربون, كما في شخصية ابراهيم في مسلسل (سيد البيت ), و مسلسلة (احلام الخوف ),

وكذلك في مسلسل (الزمن والغبار )الذي جاء مهلهلا وفيه من المشاهد التي يمكننا ان نقتطعها من المسلسل دون ان تؤثر فيه,بل ان ذلك سيزيد من قوة النص .وهنا يهمني ان اثبّت رأيا نقديا شخصيا حول معظم اعمال فاروق محمد وأقول: لو تخلّص فاروق محمد من خوفه الدائم ورعبه المتواصل, ومنح الحرية الكاملة لابطاله في ان يعبّرواعن مواقفهم .وان ينتهي من حيث تنتهي افعاله المطلوب صياغتها دون ان يلجأ للمواصلة بتكملة احداث قد انتهت فعليا لكانت اعماله من اهم الاعمال التي كتبت عراقيا وعربيا.

لكنه يبقى كاتبا مهما وسيناريست يعرف كيف يرسم المشهد, وهو واحد من افضل الكتاب الذين يحسنون تقديم ابطالهم ,لكنه يهتم بالابطال على حساب الشخصيات الثانوية, فيكون الرئيسي بطلا ويبقى الثانوي ثانويا .لفاروق محمد كثير من الاعمال في المسرح والتلفزيون بعضها تم تنفيذه والاخر ينتظر التنفيذ منها :مسرحيات(فجوة ,وجه السماء ,مزاد سري,الانسان الطيب ,حقل الاحلام ) ومسلسلات وتمثيليات مثل ( قبل رحيل المواسم ,سفر ومحطات ,ارجوحة النار ,احلام الخوف ,بلابل ,الايام الثلاثة ,صمت الورود ,أهواج صامتة ,الموازنة,القلم والمحنة ,رهين المحبسين ابو العلاء المعري ,ابو تمام طائر الشعر ,ج2 حب وحرب , اسرار صغيرة ,الزمن والغبار,الحرير ودائرة الشوك, فريق العنقاء , دورة الزمن ,جذور واغصان ,مواسم الحب ,الهروب الى المجهول ,امنيات النساء).

لا تعليقات

اترك رد