ملامح التجديد في شعر النهضة العربية – ج 1


 

بدأ المجتمع العربي ينهض من سبات عميق دام قرونا طويلة وقد بدت هذه اليقضة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر واوائل القرن العشرين في وقت فتح المثقون والاحرار من رجال الدين والمفكرون فيه عيونهم فرأوا شعبهم العربي يغط في نوم عميق ومن فوقهم الاخرون الغرباء يسومونهم سوء العذاب ويحاولون طمس معالم الامة العربية والاستحواذ على كل خيراتها واشاعة روح الجهل والامية فيها من جهة والاستبداد والجثم على الرقاب وبالقوة والاكراه من جهة اخرى فكانت بداية نهضة عربية في سوريا ومصر ثم تبعتها في العراق وشمال افريقيا ثم شملت كل اقطار الامة العربية .

و الادب العربي مر بفترة ركود طويلة بما فيه الشعر ,ثم سرت فيه نفثة حياة من جديد كمريض بدأ يتماثل للشفاء فلابد ان يمر بفترة نقاهة تعيد له صحته وقوته فسار في طريق التقدم ولايزال كذلك وقد كان الادباء والشعراء من اوائل قادة المجتمع العربي وهم اصحاب الرؤية الواضحة والفكر الوقاد ولهم الزعامة في السياسة والثقافة والثورة .

بدت روح النهضة العربية الادبية وعلى راسها الشعر في النصف الاول من القرن التاسع اوقبيله بقليل – أي في نهايات العصر العثماني – بعد ان خمدت وانتكست انتكاستها الكبرى خلال الفترة السوداء في تاريخ الامة العربية ابتداءا من دخول المغول( ا لتتار) بغداد وحتى بداية القرن التاسع عشر او قبيله بقليل .

وكانت الدولة العثمانية تجثم على انفاس الامة العربية ومهيمنة على البلاد العربية بحكمها القاسي حكما استعماريا ظالما – لا فرق بين استعمار واخر الكل يريد تحقيق مصالحه على حساب البلد الذي ابتلعه ويروم جعله تحت سيطرته مدة اطول- ادى الى تأخر في مختلف نواحي الحياة وخاصة الثقافية فقد اتبع الاتراك في نهاية حكمهم سياسة تتريك العرب للغتهم العربية ونشر التركية في بلادهم وخاصة في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين والقضاء على لغتهم الام – العربية – التي هي لغة القران الكريم والدين الاسلامي الذي يدين به الاتراك أي فضلوا اللغة التركية على دينهم في سبيل نشر لغتهم وطمس معالم العربية في البلاد التي تحت سيطرتهم وخاصة قبيل الحرب العالمية الاولى وفي زمن ( اتاتورك ) وكان نتيجة ذلك ان ساد الامة العربية ثالوث الفقر والجهل والمرض .

وقد ادى ذلك الى مهاجرة جماعات من البلا د العربية خاصة من سوريا ولبنان الى خارج بلادهم خوف القتل والتنكيل بهم من قبل الحاكمين الاتراك او الفرنسيين الذين جاؤوا واستعمروا البلاد من بعدهم او من سايرهم من الحكام العرب الذين كانوا يحكمون اهلهم واخوانهم للاجنبي وقد اسس هؤلاء العرب المهاجرون جاليات وجماعات وجمعيات في اميركا والبرازيل وغيرها من الدول التي هاجروا اليها وبرز منهم جماعات في مجال الثقافة والادب والشعر مثل ايليا ابوماضي وجبران والمعلوف وغيرهم.

اما في الشرق العربي فقد دبت الحياة تسري من جديد في الروح العربية وخاصة النهضة الفكرية وتسربت بين الشباب العربي وبعد اتصال البعض منهم بالغرب مثل بريطانيا او فرنسا اوغيرها واخذ شبابنا العربي يتطلع بما في هذه الشعوب ويدرك ضرورة التخلص من الاستعمار والثورة على العادات والنظم البالية والمتهرئة التي البسها هذا الاستعمار للامة العربية وكذلك كان من اسباب هذه النهضة التمازج العربي مع الغربيين عن طريق الارساليات التبشيرية- ولو انها كانت تهدف الى استعمار من نوع جديد- ودخولها الوطن العربي وايجا د المطابع ودخولها البلاد العربية ونشر الحرف العربي والفكر العربي وطبع بعض الكتب القديمة ومنها الدواوين الشعرية وكذلك فتح بعض المدارس باللغة العربية بعد غزوة نابليون لمصر.

ظل الشعر في فترة الانحطاط والتاخر – الفترةالمظلمة – مطبوع بطابع الفردية تقليديا وعناية الشاعر تنطوي على التزويق اللغوي واللفظي دون المعنى وتحول الى صناعة شعرية بحتة تكثر فيها الصور التقليدية الماخوذة ممن سبقهم وكثرت التشبيهات الى حد انعدام المعاني الشعرية الجديدة او طمسها .

وكان الشعر العربي في بداية النهضة العربية على موعد مع القدر، ينتظر من يأخذ بيده، ويبعث فيه روحًا جديدة تعيد فيه الحركة والحياة، وتعيد له الدماء في الأوصال، فتتورد ابياته وتزدهر نضرة وجمالاً وابداعا – بعد أن ظل قرونًا عديدة واهن المعنى اسير الحكايات والمحاكاة ، قليل الحركة، كليل الموسيقى الشعرية اوالقوافي والابداع .- ليعيد نشاطه الواسع والثابت في النفوس العربية المتعطشة اليه .

وشاء الله تعالى أن يكون الشاعر البارودي هو الذي يعيد الروح إلى الشعر العربي، ويلبسه أثوابًا قشيبة، زاهية اللون، بديعة الشكل والصورة، ويوصله بماضيه التليد، بفضل موهبته الفذة وثقافته الواسعة وتجاربه الغنية.

ولم يشأ الله تعالى أن يكون البارودي هو وحده فارس الحلبة ونجم عصره- وإن كان له فضل السبق والريادة- فلقيت روحه الشعرية الوثابة نفوسًا تعلقت بها، فملأت الدنيا شعرًا بكوكبة من الشعراء من أمثال: إسماعيل صبري، وحافظ إبراهيم، وأحمد محرم، وأحمد نسيم، وأحمد الكاشف، وعبد الحليم المصري.في مصر والكاظمي والزهاوي والرصافي والنجفي في العراق وناصيف اليازجي وابراهيم اليازجي وميخائيل نعيمة وعمر ابو ريشة في الشام وابوالقاسم الشابي في تونس وغيرهم كثيرفي بقية البلاد العربية ومنهم شعراء المهجر وكان أحمد شوقي هو نجم هذه الكوكبة وأميرها بلا منازع عن رضى واختيار، فقد ملأ الدنيا بشعره، وشغل الناس، وأشجى القلوب

اما في بداية هذا العصر فقد تغيرت وطبعت بطابع التحرر والانطلاق والدعوة الى الثورة على كل ما خلفه الاستعمار من اوضاع ومفاسد وطبع الشعر بطابع التجديد من جديد فتوسعت افق افكار وخيالا ت بعض الشعراء بعد اطلاع بعضهم على الاداب الغربية والتأثر بالشعر العربي القديم الذي بدأ ينشر من جديد في حركة ادبية بدأت تتحرك وتتحرر في البلاد ومن الشعراء من اوجد شعرا جديدا فتحررمن قيود القافية كما هو الحال في الشعر الحر الذي ظهر حديثا في الشعر العربي ونتيجة اطلاع الشعراء العرب على الفن المسرحي الغربي فوجد الشعر التمثيلي .

الشعر العربي تميز في هذا الوقت بثوريته و وطنيته و يدعو الى استنهاض الهمم والتخلص من الاستعمار والثورة على كل ما هو- قديم وبال لا خير فيه لأمتنا العربية – فكان في اغلبه شعرا هادفا قاد البلاد الى حركة وطنية قومية فكان الشعراء والمفكرون والادباء هم قا دة الثورات التحررية في الوطن العربي ومذكوا اوارها.

اوجدت النهضة العربية التي احدثت انقلابا في الحياة العربية الجديدة نوعا من التقدم الثقافي في كل المجالات الثقافية بما فيها الدينية والسياسية والتاريخية والادبية في النثر والشعر كان نتيجته نشوء انواع جديدة من الشعر مثل الشعرالحر والشعر المسرحي او التمثيلي او الشعرالمنثور كتب فيه جملة من الشعراء وخاصة الذين تاثروا بالثقافة الغربية اضافة الى عمود الشعر اذ بقي شامخا يكتب فيه الكثير من الشعراء العرب ولا يزال عمود الشعر هوالسمة الواضحة في الشعر العربي .

وعمود الشعر هو الشعر الموزون المقفى ويدعى بالشعر التقليدي ايضا لانه تقليد للشعر القديم وامتداد له في الوزن والقافية فالشعر التقليدي هو هذا الشعر الذي نظم على موسيقى بحر من البحورالشعرية العربية الستة عشر التي اوجدها العالم البصري الكبير الخليل الفراهيدي وتولد القصيدة على روي واحد وقافية واحدة ووزن واحد فالقصيد ة العربية فيه وحدة متماسكة من حيث البناء كانها بيت واحد واغلب شعر هذه الفترة من هذا النوع الذي يمثل اصالة الحضارة العربية الادبية .

لا تعليقات

اترك رد