الكتابة والكبت بين نار المعرفة وحرارة الحلم

 

قراءة في “وليمة” أنسي الحاج

“أكتب للجميع. أكتب خصّيصا لمن لا يقرؤني” (فيسنة ألكسندره)

“لا أريد أن أنافس بل أن لا يكون لي شبيه و أن لا يكون لأحد شبيه” (أنسي الحاج)

لأنّنا جبلنا على حبّ المعرفة والسعي إليها أو هكذا نظنّ خارج التّصنيفات ومخابر التّجميل اللّغوي في المناسبات الكبرى المنمّقة. يغيب النّقد وتحضر المجاملات فيزحف علينا الرّاحل أنسي الحاج ليسلّط نقده وقلمه على باعة الفكر وموت الأدب الّذي يشكو من تصلّب شرايينه و يبوسة خياله و من طغيان الأمّية الدّاعرة المسوّقة للجهل الّذي نعيشه.

ماذا يربطني بالآخر لأكون؟

نار الحروف شهيّة حارقة فالكتابة والكلام لأنسي الحاج ماهي سوى محاولةٌ للإفلات من قبضة التّهديد…هي الكتابة المخاتلة المراوغة التي تنفى لتثبت وتحضر من حيث تغيب.

فالكتابة هي القفز على الورق، تحتاج إلى لاعبين يحسنون تحريك اللّعبة بلا ضجيج الدّخان والمواء بعيدا عن التّملّق وسخف المنتج النّقدي حيث يستحيل المنشغل بالفعل الثّقافي إلى مقاول يبيع بضاعة منتهيّة الصّلوحيّة تقتل النّص عوض أن تحييه و هي التي تفوق الحقيقة اِشتعالا و جمرا.

ما الحقيقة؟

المعرفة نفسها لم تعد حقيقة لأنّها تولّد المأساة والشّقاء، فبقدر معرفتنا تزداد مأساتنا…هذا ما تعلّمناه من الأبثريولوجيا والأساطير على الأقلّ.

وعلى هذا الأساس فنحن نعيش وهم الحقيقة، وحتّى العقل لم يعد اليوم إمامنا كما يقول المعرّى، فصرنا نعيش المعقوليّة الحمقاء والجهل المعلّب.

يقول إنسي الحاج

أجمله ما بين الجهل والمعرفة
أكثره ألما وأشدّ اِعتصارا.

المعرفة عند إنسي الحاج ليست تذكّرا بل هي قمع وبينهما مصيري وأخاف أن أعرف ما سيصير على حدّ تعبيره…فالكاتب حين يكتب يكبت عوالمه.

فكم هي مؤلمة هذه العوالم المكبوتة داخل نفسه حيث يخاف المجتمع من النّقد خوفه من الموت لأنّ النّقد يعرّي ويكشف ويهاجم طمأنينة الكاتب.

يقول تودوروف “إنّ النقّاد ليسوا إلا أقزاما تعتلى أكتاف العمالقة”

لذلك حين أراد أنسي الحاج أن يكون مختلفا و كان يشنّ هجومه على مدّعي المعرفة كان يعرف أنّه فتح أمامه الأبواب ليتلقّى الرّصاص من كلّ الجهات فكتب مجموعاته الشّعريّة (لن 1960) و (الرّأس المقطوع 1963) و (خواتم 1991) و (الوليمة 1994) و لا يزال رائد قصيدة النثر مسكونا بالوجع و هو يراهم جميعا بمرارة من يرفض الإرتهان إلى الصفقة ليعيش خارج الصندوق و يعيش التّناقض و الإئتلاف يقول “أوّل ما يجب أن نقطع الطّريق عليه حتّي لا ينتهز الفرصة هو بغض الجهلاء و المتخايلون في شوارع الأميّة المستغضبون على واقع هم أحد أسباب النّقمة عليه”

إنّ الأدب حيلة يصطنعها الإنسان ليتحرّر من سلطة اللّغة وما الهفوات Lapsus في علم النّفس إلا دليل على كوننا لا نمتلك سلطة اللّغة بل هي الّتى تمتلكنا و لذلك ننزاح عنها بالجنون و بالهذيان…

إنهارت سلطة الكتابة بانهيار مفعول القراءة و رغم كثرة الكتب المعروضة في الأسواق الجميلة الإخراج فهي تفاحة شهية بغير مذاق.فماكل طنّان صرصار. ذلك شأن بعض الأقلام المتشابهة التي تكرّس فينا الجهل وتهجم علينا من كلّ الجهات.

حرارة الحلم

كيف يتسنّى لكلّ مختلف أن يخرق الجدار ويهدم المؤسّسة؟ يبدو إنسي الحاج في الوليمة صورة لإنسان تسحقه إيقاعات الحياة الرّتيبة وينهشه الآخر بأشكال الرقابة في غثيان حميم ينفلت نحو الحلم، الملاذ الوحيد والسفر نحو عوالم شعريّة مرتقبة فالحياة نثريّة جدّا وما الشّعر سوى فضاء يسيّج أحلامنا. يقول أنسي الحاج” الحلم يمحو ذاته من غير أن يمحو مطعّما شجرة الغربة بلقاح السّفر”

وتحنّ المعرفة إلى بساتين الأحلام لكي تضئ شفير الهاوية” عالم يجب أن أحيا فيه ولا يدعونني أصل إليه”

الحب عنده أكسير الحياة الخالد…فعل تطهير بالإثم والرّغبة والمرأة تمرّ في خياله الحالم كطيف السّراب فهواها هو عنده الصّراط المستقيم (ما كان وجهي لو لم تنظري بعيني…)

إنّها البلوغ بالنّشوة إلى سقف المطلق…لغة آتية من العالم الآخر…العالم السرمدي والحب الأبدي.

ويظلّ أنسي الحاج في تجربته الشّعريّة متيقّظا لم يفقد الدّهشة فهو شاعر الحبّ والوعي الحادّ واللّاوعي المشرّع على الشموس الدّاخليّة واع بدقائق الأشياء صارم مع الآخر. جريئ مختلف يقتحم غابات اللّغة العذراء وكهوف اللّاوعي وحقوق الحلم بحثا عن الفردوس المفقود واقتباس النّار المقدّسة فهو الشّاعر السّاخط حبّا مفتون بالصباحات الأولى. عشتار مندفع ومتيقّظ…سائل لزج متدفّق.

لم يعد الشّعر وسيلة للخلاص لأنّه يعيش هناك…وراء البعيد، لا نملك أن نتوقّف أو نقف. يقول جول دولوز “ينبغي أن لا نكتب إلّا بفعل هذا الموت أو أن نكفّ عن الكتابة إلّا بفعل هذا الحبّ أو أن نواصل الكتابة للإثنين معا”.

قرّرت أنا الممضي أسفله أن أتوقّف عن الكتابة الآن و ربّما غدا…فأنا أحتاج إلى ذاكرة يتوّجها عنف التّفكير في المستقبل.

لا تعليقات

اترك رد