منهج العقل العلمي وجوهر التجربة التاريخية لحركة التنوير

 

نافذة 3 منهج العقل العلمي وقدرات الفعل

ليس لبحثنا في إشكالية العقل العلمي منطقاً ومنهجاً، أيّ فرصة للتقوقع عند تخوم وضع محددات تعريفية في المفهوم نظرياً؛ لأنّ العقل العلمي بانتمائه للواقعة وللحقيقة يمثل بحثاً في تبادل التأثير مع حركة الإنسان وتفاصيل يومه العادي. وهذه الإشكالية تغوص عميقاً حيث قراءة تاريخية تستنطق التحقيق في مفردات مسيرة الإنسان وتفاصيل عيشه وتفاعلاته مع بيئته في الخضوع السلبي لاشتراطات عيشه أو نهوضه بمهمة صنع تلك البيئة والتقدم بها نحو آفاق جديدة متغيرة تستجيب لمطالبه، حاجاته وتطلعاته.

ومن أجل تبيّن ملامح الإشكالية، نقول: إنّه وسط كل شعب وأمة توجد المبادرات ويوجد من يبادر بها، أشير هنا إلى مشاعل المعرفي الثقافي الروحي.. فعند الأغريق كان سقراط وبلاتو \ أفلاطون وأرسطو وبعصر لاحق كان فولتير، جان جاك روسو، ديكارت وهيغل وماركس، هوبز، وهيوم وعند العرب وجدنا على سبيل المثال لا الحصر: ابن رشد وابن خلدون والماوردي ومن دون التسلسل التاريخي نمر بقامات العقل ومنطقه كالكندى والفارابى وابن سينا وابن طفيل وأخوان الصفا والمعرى باختلاف معارفهم وتخصصاتها ولكننا نجد، أيضا، آخرين أكثر سعة وحجم وجود؛ هم من حمل مشاعل التقدم والتطور وقدم منجز الفكر الإنساني بمراحل التنوير الأولى. هنا أشير إلى الكتّاب والنشطاء غير الأكاديميين، فالصحفيون والفنانون والأدباء وكل أبناء الطبقة الوسطى الذين عادة ما كانوا ينهضون فردياً جمعياً باشتغالات عقلية معرفية تملأ الجوانب الروحية بديلا عما كان يدور في فلك الفروض الفوقية للسلطتين السياسية والروحية..

إذن، فإن اشتغال العقل العلمي لا يأتي في فراغ وبلا مقدمات، كما أنه لا يأتي بخطاب فلسفي متقدم أو علمي معقد يهبط كرسالة أمطرتها السماء، ولكنه يأتي بفضل التنوير بـ ممهداته وأدواته. إنّ العقل العلمي يوجد ويشتغل بوجود المعارف لا بتفشي الجهل والأميتين الأبجدية والثقافية..

وكيما نستطيع مجابهة قيود السلطتين المتحكمتين بالمجتمع لا يفيدنا أية أعمال مغامرة للتقاطع مع سطوتهما الحديدية العنيفة فلطالما كان ذلك أدعى للحركات الانقلابية المغامِرة.. ولكن للتحرر والانعتاق لابد من محو الأميتين وكبح جماح التجهيل ومنطق الخرافة الذي تستقوي به سلطة دينية كهنوتية سلفية متعجرفة متمسكة بـ(قيود ماضوية) هي (نير) تلك السلطة الذي نريد إنهاء شرعته الاستعبادية.

ومجدداً ولدواعي تاريخية، أقول: لقد انتشرت في فرنسا وغيرها مقاهي الثقافة وملتقيات إبداع المضامين المعرفية السامية وجمالياتها فوجدنا فولتير وروسو وغيرهما من أدباء وشعراء وكتّاب لم ينشغلوا في التمترس عند خنادق صراع عقيم غير ذي جدوى مع السلطة السلفية بل جرى في تلك الظروف استثمار كل فسحة ونافذة لتنوير العقل وإطلاق حرية اشتغال منهجه العلمي…

بينما ما كانت حال المشاغلة بخطاب العنتريات السياسية وصراعاتها العنفية الدموية لتغير الوضع أو تُحدِث انقلابا (نموذجيا مثاليا) فوريا عاجلا.. ولهذا كان لابد من إعداد أرض التغيير وظروفه للانعتاق من سلطة الكهنوت الماضوي السلفي بتخلف ما كان يتضمن من قبيل واقعة الكنيسة وغاليلو غاليلي.. فجاء حرث الأرض بوساطة كل تفاصيل اليوم العادي لمن قابل الطبقة المتوسطة من البرجوازية الصغيرة ومنجزها وهو ما أسميناه حركة التنوير وما تضمنت من حقائق المعارف والعلوم والانتفاض على العبودية والخنوع لصالح تلبية شروط حرية الإنسان وحقوقه…

إنّ قيود مسمى المرجعية الدينية وصنمية العلاقة بين طرفيها كان ومازال تكبيلا للعقل وإشاعة للجهل والتخلف ولتشويه كل المعارف وربطها بشكل ما بـ ماورائيات الكهنوت الديني ومرجعياته المزيفة التي تريد إدامة التجهيل وإفشاء قيم الكسل والتبلد والسلبية بما يوفر فرص الاستعباد وخنوع الجموع كونها حينها ستكون مغيبة الوعي لتساق إلى حتفها بلا مقاومة و\أو إدراك للحقيقة…

إن المرحلة القروسطية وظلامياتها هي ما يقابل مرحلتنا اليوم وعتمتها وعنفها وتلك الثورة الدراماتيكية من عصر الظلام إلى عصر التنوير ما كانت لتتحقق لولا حراثة الأرض التي أشرنا إليها للتو؛ فلولا متغير التعليم ومخرجاته ومستوى تطور الثقافة والتنمية البشرية وطابع التفتح القيمي والانعتاق من التبعية والصنمية لمرجعية كهنوتية ما دخلت أوروبا والبشرية عصر الأنوار.

إن حدثاً مرتقباً للشعب العراقي الذي تراجع غب أشكال الحرمان والتجهيل ما يعني لا الفقر المادي وانعدام توافر الحاجات بل الفقر الروحي وتشوهات البدائل القائمة على خضوعٍ لمرجعيات كهنوتية وأخرى سياسية حد الانتحار وتقديم القرابين البشرية بذرائع لا علاقة لها بدين ومذهب. ولعل ذياك الحدث المرتقب المؤمل يتمثل في تحرير معارف الشعب ومخرجات تجاريبه وخبراته من سلطة الماوروائيات الغيبية وما يتفشى منها من أوهام تشوه المعارف والعلوم.

إنهم يفرضون نصوصاً هي القيد الماضوي السلفي الذي يتم إسقاط القدسية عليه والعصمة والصواب المطلق بقصد عدِّه القانون الأعلى لتثبيت سطوة رجال المافيا المفسدين ممن يرتدي جلابيب القداسة المزيفة. بينما الشعب الذي آلمته فواجعه وأوصابه لا يمكنه أن يحظى بأنسنة وجوده ما لم يفكك النص التراثي الماضوي المزيف وخرافات خطابه التقليدي بتوظيف العقل خارج أي شكل للتبعية الصنمية لمرجعيات دينية مزيفة لا تمثل ديناً ولا مذهباً ولا طروحاتهما ووصاياهما الأصل.

إنّ كل حدث ماضٍ يوصف لنا بطريقة فلا يصل منه سوى 50% فقط مما وقع فعليا أما النصف الآخر فيصلنا كما جاء به الناقل وإسقاطاته وبتعدد الناقلين مع اتحادهم في غاية إذلال الناس واستعبادهم لا يصلنا في الحقيقة، أيّ نص مقدس معصوم كما يُدَّعى بل يتلقف بعضنا ما يرد باستسلام يمرغهم بوحل الدجل والتضليل وتزكية سلطة الكهنوت الظلامي لا الديني كما يزعم ذاك الكهنوت السياسي المفسد. لهذا السبب يجب تنقية أو تصفية التاريخ وتجاريبه مما وردنا على وفق منطق العقل وعلى وفق ما يحكم منهجه العلمي..

إن الإنسان اليوم، بحاجة لرؤى الحداثة والعلوم وما يقبله العقل منها بخلاف دجل الساسة المفسدين فيرتدي جلابيب تساعدهم على استغلالنا حد التضحية بنا قرابين لجشع أطماعهم وصراعاتهم وطبعاً استعبادنا بما يبيح لهم محاولات التحكم بضمائرنا وأنفسنا وسلوكياتنا فـ هم وحدهم على وفق مزاعمهم وادعاءاتهم من يملك حصريا مفاتيح رضا الله وفرصة دخول جنته..!

إن طابع التطور العلمي ومنطق العقل واشتغاله المعاصر أوجد مؤسسة معرفية نوعية تتعارض ومؤسسة دينية (طائفية) مطلقة السلطة بكل ما تمتلكه من وسائل القهر والسحق والإذلال والاستعباد.. وتلك المؤسسة العلمية هي ما يجب التركيز عليها وتبنيها كي تهيئ الأرضية لمحو التيه وسط أضاليل ما أنزل الله بها من سلطان ولا تنتمي لدين ومذهب بقدر ما تعبر عن دجل سلطة مافيوية للخراب ولأشكال الاستغلال..

إنّ أول طريق التغيير حيث العقل العلمي أداة الأنسنة هو أن تتحدث المؤسسة المعرفية التنويرية عن رفض قاطع ونهائي للعبة تحكّم المؤسسة الكهنوتية الدينية بالبشر، حيث قوانين استعباد وإعادة إنتاج السلطة الدينية بجوهرها الطائفي السياسي. ولابد للإنسان المعاصر من الانعتاق والتحرر من مرجعيات صنمية هي سبب ظلاميات التخلف المتسلطة الحاكمة.. وللتأكد من فضح الجريمة نتساءل ببساطة وبلغة مباشرة: ألم تكن تلك المرجعية هي من فتح البوابات على مصاريعها لأحزاب الدجل السياسي؟ أليست هي السلطة التي تمنح لنفسها حق الفتاوى التي تصدر على مقاس التحكّم بالناس واستعبادهم بخلاف مبدأ استخلاف الإنسان حراً ليبني ويعمّر لا لينصاع لأوامر تستعبده وتختلق الصراعات الدموية ..؟

إذن، لابد للعراقي أن يتفكر ويتدبر.. فطالما استهلك وجوده بتبعية طوعية لمرجعية تخدم الكهنوت السياسي فإنه سيبقى مستعبدا مذلولا وطالما انتفض على زيف العلاقة العمودية الرأسية مع تلك المراجع الصنمية تحرر وفتح الطريق واسعا لمسيرة البناء والتنمية بما يخدم وجوده.

إن مزيد ترك الأمور بين أيدي المافيويين سيدفع نحو مرحلة أكثر رعباً بعنفها ودمويتها وبشاعاتها.. و كي لا ندخل تلك المرحلة الهمجية المظلمة بوحشيتها يجب أن نلتجئ للإنسان المفكر بمنطق عقلي علمي الجوهر والنهج، المتحرر من سطوة الآلة الجهنمية للطغاة المافيويين.. ولندرك جيداً أن الدهماء إذا ما اندفعت للانعتاق هي الأخرى قد تمارس العنف ودواماته ولهذا السبب أدعو لحسم الموقف قويا جوهريا بلا لبس وبلا حلول وسطية توهم بالتقدم خطوة فيما هي تتراجع خطوات..

يجب الاستناد إلى مرجعية العقل لا الخرافة وإلى مرجعية المنطق ونهجه العلمي لا الخطاب البياني وقشمريات ما ينطوي عليه دجل السفسطة السياسية. وبهذا يمكن القول: إن التنوير وعقلنة الحياة هو منقذ الشعب من تبعية أخرى غير المرجعيات ورجال الكهنوت (السياسي)؛ السياسي بجوهره وإن تبدى بجلابيب التدين..

بمعنى أن التنوير ومنطق العقل العلمي هو الطريق لرفض خطابات الحروب والاقتتال وشعارات يا ثارات كذا ويا وقائع كيت.. إن الثأر والانتقام وفواجع الحكم الطائفي المفسد هي طابع الوحشية للطائفية ومَن وراءها مِن كهنوت فيما الخلاص والتحرر يمر فقط عبر العلمنة والحداثة وطريق الديموقراطية المستند للمعرفة حيث العقل ومنطقه يمتاح من قراءة التاريخ قراءة جدلية مناسبة…

إن نظام العلمنة ودمقرطة الحياة هو طريق العدل والمساواة وإنصاف الإنسان وتحريره وتلبية حقوقه حيث لا تمييز يفرضه خطابٌ طائفي أو منطقُ خرافةٍ.. وهكذا فنحن نحتفظ بحاجتنا لاستعادة الإيجاب من تراثنا أي نتمسك بما يتفق منه مع العقل العلمي من أجل استعادة مسار النهضة التي أُميتت يوم تمّت تصفية حركة الاجتهاد والاستناد إلى العقل وتشغيله ويوم تم إشاعة منطق العبودية..

ونحن أحوج ما نكون للحرية بقوانينها حيث رفض الدجل وأضاليل من يرتدي جلابيب الزيف والقدسية ويسوق لسطوته بإصلاحات متوهمة، بتقنين العبودية (إصلاحيا ترقيعيا) فيما الموقف الحازم يتمثل في حظرها والانتهاء منها في عصر الحريات وحقوق الإنسان..

أما بشأن التعرف إلى هوية الإسلام السياسي ودجل خرافاته وكل خطابه فانظروا فيما جرى بشأن اجترار أسواق النخاسة وبازارات الرق والاتجار بالبشر وهو مما يمارسه ويرتكب جرائمه أطراف من مختلف المذاهب بخلاف منطق الحرية الذي يقتضي وقفا صريحا ونهائيا لكل أشكال العبودية وإنهاء سلوك الخنوع لمرجع وسطوته إلى درجة الخضوع لرغباته المرضية الجنسية والوبائية بكل أشكالها بذريعة أنه يجوز للمرجع ما لايجوز لغيره! إن التبعية لنظام أو آلية علاقة مع مرجع يُسقِط على نفسه العصمة والقدسية تظل حالا إجرامية يجب الانعتاق القطعي منها، وإلا فإن من يتبع هذا المنطق الأهوج يرتكب جريمة ترقى لجريمة القتل بل يرتكب مجموعة جرائم لا تقف عند مصادرة الحرية وإنما تصل إلى بيع إرادة إنسان حر لآخر نقيض بفلسفة نظامه الهمجي القائم على آلية الاسترقاق والاستعباد. أفَـ يرضى اليوم امرئ أن يكون بقيمة حيوان يباع ويشترى!؟ أم يرضى تشييئه كما أية سلعة في السوق أو في العراء!!؟

إن معالجتنا التنويرية بقصد تحرير العقل واستعادة منطق الاجتهاد ليست ضد الاعتقاد عند الفرد أو الجماعة ولكنها ضد ركن شكلي في التدين يتجسد بـ الكهنوت السياسي المتجلبب بالتدين الزائف ومن ثمّ فجزء من معالجتنا هو ضد المرجعيات الدينية الصنمية التي تُسقِط العصمة المطلقة والقدسية الإلهية على ممارساتها وفتاواها.. وتلكم أمور ما أنزل الله بها من سلطان ويجب وقفها قطعيا ونهائيا والتحرر منها بما يؤنسن وجودنا ويمنحنا الحرية التي وُلِدنا عليها وفيها قبل أن يصادرها بعض أدعياء التدين ممن نصَّب نفسه الممثل الإلهي الحصري…

اليوم في عصرنا، يوجد منطق العقل العلمي وحركة العقلنة ومعهما قيميا المساواة بين الناس رجالا ونساء ومن مختلف القوميات والأمم والشعوب والديانات والمذاهب والاعتقادات ونشر قيم التسامح وممارستها سلوكيا فعليا وبالتأكيد بما يستند للحرية فضاءً لاشتغال العقل بسلامة وسداد .. ولعل من قيم التحرر والانعتاق أن نحظر التفتيش في ضمائر البشر وسرائرهم بما يختلق الرقيب الداخلي ويقيد ويمنع الاجتهاد ويدفع لتيه على خلفية ضياع الشخصية ومحوها وعلى خلفية تفشي انعدام الثقة بالنفس وتسليم أسارها لآخر يستعبدها على الرغم من أن الحقيقة تؤكد قدرات المرء على الفعل المستقل من دون حاجة لوصاية متذرعة بسد نقص تتسم به الجموع في الفهم والقدرة على الاشتغال كما يُزعم ويُدَّعى.

لا تعليقات

اترك رد