وزارة الأوقاف الكويتية والتدين الشعبوي

 

انشغلت الكويت خلال الفترة الماضية ولا يزال بموضوع خطبة الجمعة التي نشرتها وتحدث عنها رجال الدين والفقهاء من على المنابر الدعوية في الجمعة قبل الأخيرة حول مواضيع الحجاب والسفور والإلحاد وكيف أن المجتمع الكويتي يعاني من هجمة تغريبية قوامها الدعوة الي الفلسفة والفيزياء ودورات الجذب وسفور المرأة الكويتية. ووصمت وزارة الأوقاف والشؤوون الإسلامية بدولة الكويت النساء غير المحجبات بأنهن أقرب الي الإنحلال الأخلاقي.

وكانت ردة الفعل على هذه الخطبة الدينية أتخذ مسارين مختلفين، فالأول دعا الي اعتذار الوزارة عن هذه الخطبة والدعوة الي الإبتعاد عن تجريح فئة كبيرة من نساء الكويت اللاتي لا يلبسن الحجاب، والثاني اتخذ موقفا داعما لهذه الخطبة بكل ما فيها من توصيفات واتهامات باعتبار أن الإسلام عليه أن يدافع عن وجوده ضد كل آثار سلبية قد تهدد الجماعة المؤمنة.

ورغم ايماني بحرية التعبير وحق وزارة الأوقاف الإسلامية في التعبير عن دورهم الاجتماعي وذودهم عن ثوابتهم وأفكارهم. إلا أن وبالمقابل، تعتبر هذه الخطبة سقطة سياسية ودينية جعلت من وزارة الأوقاف الرسمية والممثلة لحكومة دولة الكويت قريبة من التدين الشعبوي المحرض للجماهير والداعي الي الكراهية والنفور بدلا من أن يكون الخطاب الإسلامي داعيا الي الجدال والنقاش والحوار حول مختلف القضايا الدينية والسياسية والاجتماعية. فمناقشة قضية الحجاب والإلحاد والفيزياء لا تكون عبر التحريض والتهجم والتشوية لمن يعارض الفكر الإسلامي حولهما، بل بتقديم مواجهات عقلانية وجدالات فكرية كما حدث في العصر العباسي حيث كانت دور العلم ومجالس الخلفاء تعج بالنقاشات والحوارات حول مختلف الأفكار ومن ضمنها قضايا الإلحاد والوحي وخلق القرآن. فالنقاش والحوار العقلاني هو الأقوى حجة في دعم أي فكرة مهما كانت، وهو السبيل الوحيد لمعرفة الحقائق، وهو بالنهاية يعطي الحرية الشخصية في اعتناق كل فرد ما يريد أن يؤمن به أو يرفضه. ولا أظن أن الإسلام بحاجة، وخصوصا اليوم الي القوة والعنف والزجر والترهيب لإقناع أتباعه بأهميته وتفوقه. فالعصر الحديث الذي نعيشه هو عصر منفتح وواسع المعرفة تكون فيه المعلومة

متاحة للجميع بدون أي زيف أو توجيه. فالكتب والمواقع والصفحات الالكترونية قدمت الكثير لجيلنا الحالي، بل وأصبحت هي الزاد للأجيال الحالية في الإطلاع وقراءة الأحداث الواقعية للأديان والسياسة والجنس والفنون، بعد أن عجزت الحكومات العربية ومناهج التعليم من خلق أجيال واعية ومثقفة ومطلعة تملك القدرة على التفكير النقدي والسؤال والشك. فغالبية مناهجنا الدراسية لا تزال متوقفة عند عصر الخلفاء والفقه الديني والنقل من التراث وأقوال السلف والإئمة.

على وزارة الأوقاف الكويتية اليوم أن تعي الدرس جيدا وتعلم علم اليقين أن أسلوبها القديم في الدعوة والحض على كراهية الآخر المختلف لم يعد أمرا محبذا ولا حضاريا ولا يمثل، من المفترض، دولة تدعي أنها مدنية وتريد التقدم والتطور واحترام الاختلافات والأفكار وحرية الرأي. فالإلحاد الذي يخشونه لن يذهب بعيدا أو يختفي بسبب فتوى تكفيرية أو قوانين إزدراء الأديان، فهذا حمق وتجاوز لمنطق الإيمان والإلحاد باعتبارهما ضدين متقابلين منذ نشوء الأديان، وأن الفيزياء والفلسفة وسفور المرأة الكويتية، أصبحت أمورا طبيعية عليهم أن يتقبلوها بكل رحابة صدر واحترام إنساني، فالمغايرة والإختلافات اليوم هما أسس المجتمعات المدنية، وأن الديمقراطية لا تتعزز في أي مجتمع الا إذا آمن المواطن بأن شريكه في الوطن يملك نفس الحق في المساواة القانونية حتى ولو كان مختلفا عنه في الدين والجنس والمذهب والعرق والميول الجنسية.

لقد دفعت الشعوب العربية اليوم، ومن قبلنا الشعوب الأوروبية، الثمن الفادح نظير التعصب والتطرف وسيادة النهج الواحد، سواء في الدين أو في السياسة. فالفرق الوحيد الذي جعل غيرنا يتقدم هو إدراكهم بأن الإختلاف طبيعة بشرية على الدولة أن تحميه ضمن مفهوم العقد الاجتماعي والتفريق بين المصلحة الشخصية والعامة. بينما ما جعلنا نتقوقع على ذاتنا وهويتنا هو التعصب الأعمى ونكران التطور والإختلاف. فنحن نريد شعبا يحمل دينا واحدا وهوية واحدة وثقافة واحدة ورأيا واحدا .. وهو من المستحيل حدوثه علميا ومنطقيا وعقلانيا الا بالقوة والقهر والإستبداد.

لا تعليقات

اترك رد