تكامل الرؤى النقدية مع الأداء التشكيلي المهاري لدى الفنان د. قاسم الحسيني

 

تتكامل الرؤى الفكرية النقدية في التحليل والأحكام الجمالية الفنية على وفق مرتكزات مهمة، أولهما أن يكون من ألوسط ذاته، وثانيهما إتباع المناهج النقدية المعاصرة، فضلاً عن الإطلاع والألمام بمعلومات المناهج النقدية القديمة. تلك العوامل الأساسية ومن خلال متابعتي للفنان – قاسم الحسيني – قد نهج أسس مجرياتها المطابقة مع العصرنة الحديثة، لاسيما إتباع التحليل للأعمال ألفنية لبعض من كتب عنهم بالمنهجية السيميائية والبنيويوية والتفكيكية والتي هي من ضمن مناهج أخرى،


النفسية والتاريخية والتكاملية وغيرهما ، وكذلك فك شفرة النص البصري. ولقد أشرت في ذلك في أطروحتي، حول مايخص عناصر معيار النقد الفني، ومن ضمن هذه العناصر السبعة، هي مناهج النقد الفني، إن إتباع هذه الأسس المنهجية الصائبة، هي التي تضمن استقلالية الحكم على الأعمال، بعيداً عن المنهج الإنطباعي الذاتي المحايد. وعندما تكون الرؤى متكاملة، تتعانق معها القدرات المهارية في التخصص التشكيلي، دون الإعتماد على القدرات الأدبية الإنشائية ألتي تجول في مخيلة فنتازية، بعيدة عن الغوص في تفكيك أجزاء العناصر وأسسها التشكيلية، ضمن الغوص في التحليل البنيوي والتفكيكي. تلك المؤهلات قادرة على نمو الإستمرار لدى ألفنان – قاسم الحسيني – في مراحل تتناسب مع جيله ألذي يقتضي التكملة إلى من سبقوه أو غلق ما يفتقر له النقد الفني العراقي المعاصر.

أما في مايخص الصلة بين نتاجات الرسم لديه مع قدراته التحليلية في التفسير والحكم، فإنها صفة تتوافر مبدئيا لدى كل فنان ضمن مراحل الإنجاز العملي للأعمال ألفنية، حيث تتم لدى كل فنان مرحلة التطبيق ثم يليها الإنسحاب نحو الخلف، ثم المراجعة والمقارنة والإصلاح والتعديل. وفي النتيجة تقترن عوامل التطبيق المهاري مع التأمل التحليلي. تلك الصفات تتكامل عند ألفنان للانسحاب نحو مجريات التحول والتجريب والتطور والإبتكار نحو علامات التفرد والخصوصية لأعمال ألفنان الخارجة عن نطاق التقليد المتكرر. لذلك فإن ألفنان – قاسم الحسيني – يتحاور مع الذات على وفق معرفته النقدية في كيفية التحول نحو الإستقلالية والإختيار والأنشداد عن ما يتوافق مع مدركاته الحسية والمعرفية والمهارية.

وبالرغم من إنفرادية التشخيص لمكونات العمل الأسلوبية لديه، أو لدى كل فنان تشكيلي، تبقى المشتركات العامة، هي ألتي تجمع كل الإنجازات ألفنية ضمن مدارسها ألفنية المعروفة القديمة والمعاصرة، ولكن يدور نطاق التحول ضمن نوعية الأسلوب المهاري، ووحدات مصادرها الرافدة لتشخيص مضمون وهيئة ألبنية الإنشائية للعمل الفني.

وبشكل عام فإن أعماله تتسم بصيغة النطق الحداثوي التعبيري، فضلاً عن تجسيد موضوعات واقعية وأكاديمية راقية. وفي منجزاته ألفنية مضامين وتنوعات ناجمة عن توافق الشعور الوجداني في التمعن والأبصار والأصغاء والتمتع المرتبط بشعور الاوعي أو العقل الباطني، ألذي يختزن إنعكاسات مجريات الأحداث المتنوعة منذ الطفولة، وكذلك الأحداث المعاصرة. تلك الهواجس تتتحول إلى تطبيقات عملية تجسيدية على مساحات اللوحة ضمن رموز تمتزج مع تدرجاتها اللونية الهايرمونية أو المترابطة والمتضادة، كي تخلق جانب الإثارة والإنتباه لدى المشاهد ،

ولقد تنوعت تلك المصادر الى جانب الحرف العربي الذي يأخذ جانب من الرؤى الأساسية للعمل ألفني لما تمتاز من متغيرات في هيئتها البنيوية، وألتي تقترن مع البؤرة المركزية للعمل الفني، وفي داخل هواجسه الذاتية تكمن مشاعر الدور المتبادل بين المنتج والإنتاج للعمل مع الاستجابات والتحولات المتبادلة مع المتلقي للأثر ألفني، ولذلك فإن العمل الفني لم يكن ضمن نطاق مقتصر على جانب التمتع والإسترخاء الجمالي الأستاطيقي فحسب،

وإنما ضمن مجال تنمية المشاعر الإدراكية والتذوقية الراقية لدى الإنسان، وهي صفة تكمن آثار مردوداتها الإيجابية والنامية عندما تستقر المجتمعات وتنحو منحى الحضارة والإستقرار والإسترخاء. كما حصل لدى الشعوب عبر الأزمان المتعاقبة. وتنخفض قيم تقديرها ونمو وجودها أبان التوتر والأحداث الصاخبة والعوز المادي ألذي يقود المجتمعات نحو جوانب المنفعة المقتصرة على العمل والراحة ثم العمل، دون وازع من التأمل الأسترخائي نحو المنتوجات الجمالية.

وكما هو معروف إن الفنون بشكل عام ومنها الفنون التشكيلية، تساهم في إيجاد القيم الأخلاقية وصفاء القلوب وتوحيد الذوات المتجاورة والمتنوعة بين الكيانات البشرية، إنها تخلق جوانب المحبة والتآلف والإنسجام والتعانق عن طريق التمتع البصري والتبصيري للمنتوجات المؤثرة في النفوس والمدركات الشعورية والحسية للأجيال والبراعم الناشئة، على عكس المنتجات الفكرية المتعصبة والمتعجرفة ألتي تخلق نمو التعصب الإرهابي. لذلك فإن الفنون ومنتجيها الفنانون لهم الدور الكبير في تجسيد اللغة الخطابية النصية التآلفية لكل المجتمعات المحلية والعالمية. وفي أعمال الفنان – الحسيني – تنوعات متعددة في صيغ تطبيق الأداء.

منها أعمال واقعية منفذة بتكنيك ينتابه القدره المهارية المتميزة والخاصة له، لدرجة الإنجذاب والتمتع التأملي، سواء في أعماله المناظرة للواقع بشكل عام، أو الأعمال ألتي تسودها محاكاة تراجيدية لأحداث معينة على وجوه أطفال أو آخرين من الأعمار. وفي الوقت ذاته هنالك أعمال تجسد الطبيعة في مزارع الأرياف البابلية بصيغتها الجمالية، بألوانها المتضادة الغامضة مع الأخضرار المبهج. وفي أعمال أخرى هنالك صيغ أخرى من التصنيف التطبيقي كالفن التجريدي المختزل بألوانه ومساحاته التكوينية ألتي تتوافر فيها الألوان المنسجمة ألتي تسير على وفق أسس المهارة والخبرة الأكاديمية ألتي تعد المنبع والأساس ألذي ترتكز عليه تنوعات الأساليب والمدارس الأخرى. وتتداخل مع محتويات مصادر البيئة والطبيعة نماذج من وحدات التراث الرافديني، فضلاً عن وحدات من الميثلوجيا التراثية والفلكلور المعاصر من أزقة وبنايات ووحدات أخرى.

وأخيرا نقول إن ألفنان د.قاسم الحسيني، مواليد 1970 /العراق / بابل . دبلوم معهد إعداد المعلمين / 1989 . بكالوريوس فنون جميلة / 1995. ماجستير تربية تشكيلية / 2012. دكتوراه / فلسفة تربية تشكيلية / 2015-عضو نقابة الفنانين العراقيين / منذ عام 1988. عضو جمعية التشكيليين العراقيين . -لديه مقتنيات من أعماله الفنية في دول مختلفة من العالم العربي والأوربي منها (دبي – قطر – البحرين – مصر – تونس – المغرب – إيران – النمسا – السويد – النرويج – استراليا – أمريكا ) .
-نشر له عدد من الدراسات النقدية في (السعودية / البحرين / تونس / أمريكا ) .
-نشر له عدد من المقالات في وكالة الصدى نت ..

-صدر له مؤلفات من :
– دار المنهجية / الأردن تحت عنوان (تداولية المقاربات الصوفية في الخطاب البصري).
– دار الرضوان (المنظومة الزخرفية في الفنون الاسلامية – دراسة في مفهوم الصيرورة )
– دار الرضوان / الاردن (النص التشكيلي تجليات العقلي والروحي ) .
– دار الرضوان / الاردن ( الفن الملتزم والفن للفن ـ المعنى في الفكر والفلسفة ) .

لقد شارك في الكثير من المعارض المحلية داخل البلد منذ عام 1988 وفي عدد من المعارض خارج البلد في الأردن وسوريا وتونس ، ومشاركة في معرض بسدني / استراليا، ودراسات نقدية لعدد من أعمال الفنانين التشكيليين، ومنها مشاركته الأخيرة ضمن نقاد العرب في تأليف كتاب (الجزء الثاني من بانوراما فناني العالم) يتضمن دراسات نقدية لأعمال فنية لفنانين عرب وأجانب .

شارك
المقال السابقالقبلة الأشهر
المقال التالىحَقـلُ الغِوى
ماضـي حســن نعمــة فنان عراقي وكاتب وناقد في الفن التشكيلي..حاصل على بكلوريوس فنون تشكيلية ..ماجستير طرائق تدريس الفنون التشكيلية .. دكتوراه طرائق تدريس الفنون التشكيلية . اقام العديد من المعارض الشخصية والمشتركة اخرها معرض شخصي في قاعة ادمينتن الكندية. لديه العديد من المؤلفات منها كتاب ( تنمية....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد