هل المسرح العربي بخير؟


 

أصبح الكثير منا لا يتذكر المسرح إلا في المناسبات كاليوم العالمي للمسرح أو عندما يحضر مهرجانا ونادرا ما نسمع عن ندوات أكاديمية مسرحية أو عروض حية يتفاعل معها الناس ويتحدثون عنها أو نجد من يقلد ممثلا أو ممثلة مسرحية، لدى الكثير قناعة تامة بوجود مشاكل خطيرة تهدد وجود حياة المسرح في وطننا وعالمنا العربي وهناك من يرى أن الفن المسرحي العربي في غرفة الإنعاش ويحتاج لعدد من العمليات المستعجلة لكي تعود له بعض الحياة، نجد فئة أخرى وهي تلك المجموعات التي أصبحت ضيوف دائمة العضوية في كل مهرجان وفعالية وهي تتحدث وتمدح كل مهرجان وتبالغ بمدح مدراء المهرجانات والجهات التي تقدم لها الدعوة، كما أن مدراء المهرجانات نادرا ما يتركون مناصبهم وهم يتصورون أنفسهم أعمدة وأوكسجين المسرح وبدونهم سيموت هذا الفن.
بعيدا عن الانطباعات العامة لنحاول مناقشة ما طرحناه كعنوان لهده المقالة ولتسهيل النقاش لنطرحها في عدة نقاط وهي :
* اولا ـ كيف هي علاقة مسرحنا العربي ببقية الفنون ؟
المسرح أبو الفنون وصديقها وهو يتشكل وونضج من علاقته بالأدب والرسم والمؤسيقى وجميع فنون العرض وفي حال فصل وعزل المسرح عن هذه الفنون يتحول العرض المسرحي إلى تهريج جاف وممل، في واقعنا المسرحي والفني والأدبي العربي الحالي نجد في الكثير من الأحيان هذه الفنون تعيش متباعدة ومتهاجرة وربما تكون متخاصمة ومتناحرة، ونادرا ما نرى التقارب والتفاعل والتعاون المشترك، حينما يتم التطرق لهذه المشكلة تتعالى الأصوات وكل يوجه التهمة إلى الأخر، نجد بعض الشعراء لا يهتمون بتاتا بحضور عرض مسرحي ولو حضر بعضهم فنادرا ما يكتب تحليلا لما شاهد، وكذلك حال أهل الفنون التشكيلية يعيشون بجزيرتهم البعيدة عن المسرح ونادرا ما يذهب مخرج مسرحي لطلب تصميم الديكور أو مكملات العرض من فنان تشكيلي، وحتى المؤسيقى بعض العروض تلطشها من مكان أخر أو يتصرف بها وتكون المبرارات بقلة الميزانية.
هذا الجفاء وجهل الفنون ببعضها البعض ترك تأثيره عليهم جميعا، فعندما يوصف المسرح أنه مريض أو كسيح أو معاق فهذا يعني أن بقية الفنون الأخرى ليست بخير.
* ثانيا ـ تراجع دور المسرح وغياب الجمهور
في معظم المجتمعات الحضارية نجد أن الذهاب إلى المسرح ودار السينما والمكتبة هي عادات ضرورية مهمة، فالفرد أو الأسرة تضع هذه العادات ضمن ميزانيتها وتشتري تذكرة دخول عرض مسرحي أو فيلم أو كتاب بكون هذه الأشياء من الضروريات المهمة وكذلك المدارس والجامعات ومراكز الترفيه تضع في برامجها هذه العناصر.
ربما تخلى مسرحنا العربي عن مهامة التنويرية ومحتواه الثقافي والفكري والفلسفي وبدون مضامين فكرية عميقة يصعب أن تترجم الفراغ والخواء إلى قوالب فنية ذات ملامح جمالية خلال العرض.
غياب الجمهور مشكلة ضربت مسرحنا في مقتل فاصبح فقيرا معزولا وأهله مصابون بحالات مكتئبة فمنهم من ترك المسرح وتوجه إلى التلفزيون أو مجال بعيد عن الفن طلبا للقمة العيش ومنهم من يعمل مع هيئات رسمية حكومية يعيش على القليل أو ينفذ سياسات هذه الجهات وأغلبها لا تميل إلى مسرح فني جاد وعميق في مضمونه وشكله الجمالي وتوظف المسرح لتمجيد نظام الحكم أو نشر ثقافة هشه تنويمية ومخادعة، قليلون يصارعون كل هذه التحديات وقد يساق بعضهم إلى السجون أو يُمنع عليهم الدعم مع ذلك توجد فرق قليلة وفقيرة تصارع من أجل أن تظل شمعة المسرح متقدة.

* ثالثا ـ حرية التعبير
نعيش في ظل أنظمة تمنحنا حق الإنتخاب وتدعون إليها ولكنها تزور وتدلس وهناك أنظمة لم تعترف لنا بهذا الحق، نسمع كثير عن أحكام بالسجن والتعزير والغرامات بسبب تغريدة بسيطة من عدة كلمات فما بالكم بعرض مسرحي متكامل يخوض في مواضيع تتعلق بالحرية والكرامة وحقوق الإنسان، في الستينات وإلى الثمانينات كان هناك ذكاء لتمرير كل هذه المفاهيم وكسر مقص الرقيب بطرق فنية مدهشة وأتذكر أني كنت طالبا بكلية الفنون الجميلة بجامعة بغداد وكانت عشرات العروض الرائعة والشجاعة وكان كل عرض أشبه بدرس فني جمالي وسياسي مدهش يترك الكثير من الأسئلة ويخوض في كل شيء دون التصريح المباشر.
قوة الرقيب تزداد خبثا ويقابلها ضعف فكري وفقر جمالي وخوف وقلة حيلة لدى غالبية المخرجين، كما نجد قلة وضعف النصوص رغم كثرتها، يعاني مسرحنا ومخرجيه من الكسل وقلة الحيلة لذا يفضل الغالبية مسايرة التيار السياسي وركوب أمواجه طلبا لمكاسب مادية ومناصب وهناك من فضل العزلة والتقاعد المبكر وراحة الرأس وظل بعض الأشخاص وهم قلة يخوضون معركة شرسة وطويلة ومنهم من مات ومنهم من يجازف بحياته لتظل القيم الجميلة والإنسانية مشتعلة.

* رابعا ـ سطوة التيارات الدينية
لعل الضربة الموجعة التي نالت من المسرح في عالمنا العربي وجود تيارات دينية كثيرة لا تؤمن بالمسرح وتراه خطرا على وجودها وهذه التيارات تملك المال ووسائل الدعاية والدعم السياسي المباشر وغير المباشر وكل هذا وظفته لسحب الناس إليها وزرع مفاهيم التعصب والتطرف وكراهية كل ما هو جميل كالحياة والفنون والأدب والفلسفة، حدثت تغيرات مخجلة في مناهجنا الدراسية لتقصي المسرح والفلسفة وعلم الجمال والمنطق وذلك لتفريج أجيال يسهل قيادتها لتصنع أحزمة وسيارات مفخخة وماتزال عجلة المسخ قائمة ونشطة عبر مئات القنوات الفضائية رغم تعدد الاحلاف لمقاومة التطرف والإرهاب والكثير من الأحزاب والتيارات الدينية تجدد جلدها الخارجي بشعارت مدنية متحضرة عندما يدور حول رقبتها حبل الخنق، هناك جهات دينية تحاول تدجين المسرح وتطويعه لخدمتها وهي لا ينقصها المال فنسمع عن مهرجانات ومخيمات شبابية تنتج مسرحا مختلفا وممسوخا وله روائح كريهة تدعو إلى القتل والحرق والتدمير، في فترة التسعينات حدث أن قامت جهات بشراء مسارح ناجحة ومؤسسات إنتاج فني وسينمائي لتجعلها فاشلة وبلا جمهور، ثم نرى هؤلاء مدعى التقوى يعملون ويشاركون في قناوات تلفزة تنشر السخافة والسذاجة والتعري المجاني ولكنهم يصطفون ويدقون طبول الحرب ضد المسرح الذي يحمل الفكر والحب والجمال.

* خامسا ـ غياب الدعم المادي، وعدم وجود بنية تحتية
الحكومات تشتري أسلحة ووسائل دفاع وتخوض حروبا مدمرة ضد بعضها البعض بالسر والعلانية وتشتري أدوات القمع وتبني السجون ومدارس وكليات للأمن والمخابرات وتتعاون فيما بينها وتتبادل خبرات قمع شعوبها وحماية عروش حكامها، لكن بناء مدرسة أو مسرح للفنون يحتاج لخطط وتفكير وتمهل ووعود ثم لا يحدث شيء، الخوف من المسرح مرض وراثي تتوارثها كل الحكومات، هؤلاء في زيارتهم الخارجية يحضرون دعوات لعروض مسرحية ويزورن مسارح عريقة في الخارج ويلتقطون صور تذكارية وقد يتحمسون لبعض التصريحات الحماسية لتمجيد المسرح ثم عند عودتهم لبلدانهم ينتهي كل شيء ويظلون كما هم في تهميشهم للمسرح وكذا ضعف الكليات التي تدرس فن المسرح وتهمل حكوماتنا هذه الصروح لتتحول إلى مقابر وهذه سياسات مقصودة.

* سادسا ـ ضعف الإبداع المسرحي ووسائل الجذب وبُعد المسرح عن هموم الناس وواقعهم وفوضى الخطابات المجهولة والركيكة.
المسرح ليس مجرد نص خطابي وجودته لا تكمن في تعقيدات وطلاسم صعبة التركيب والفهم أو كلام شوارعي ساذج يخلو من أي لمسة أحاسيس جميلة، ما نعيشة من فوضى وتخبط وركاكة أو تعالي عن الناس ووقعهم ليس له صلة بروح الفن المسرحي، وكثرة المهرجانات في القاعات المغلقة حيث كراسي الجمهور فارغة، وبعض العروض تنسخ بعضها البعض من حيث الشكل وأدوات العرض ولا تترك أي أثر جماهيري أو تحاول تقديم تجربة فنية جمالية، التساهل في التحضير أو عمل منتج مهرجاني لغرض حضور المهرجانات كلها عوامل هدم لمفهوم المسرح كفن يتأمل في الواقع ويحلله ويناقشه من جوانب عاطفية ونفسية واجتماعية وفكرية في قوالب جمالية تضج بالدهشة والإبداع قادرة أن تكون فعلا مؤثرا بصدماته بملسته لروح المتلقي وقيادته إلى التفكير أو توليد متعة ودغدغة مشاعرة، المسرح أحد فنون العرض وما لم يكن فيه صور ولذة مرئية فهو عرض غريب ودخيل على المسرح.

* سابعا ـ غياب النقد
النقد لا يعني الوصف ولا الخبر ولا التقويم، عشرات المهرجانات المسرحية العربية يحضرها قوافل يسمون أنفسم نقاد وهم أكثر من الفرق الفنية، هناك مهرجانات تحدد عدد كادر العرض ونادرا ما يسمح بأكثر من عشرة أشخاص ولكن حنفية الدعوات تكون سخية بصفة ناقد أو صحفي فني ومع ذلك تقام وتنتهي عدة مهرجانات ولا يسمع عنها أحد.
النقد ليس مهنة أو شهادة هو مكمل وجزء من العرض الفني كونه يتحاور معه ويتعايش معه ويمنحه فرص للنقاش والحياة، فالمسالة ليست محاكمة ويستفيد من النقد الكاتب والممثل والمخرج وبقية الكادر وكذا الجمهور.
تفكيك العرض وتحليله للوقوف على جمالياته يحتاج إلى قلب ولسان وروح فنان محب للمسرح وليس شخصا يأتي من عالم يجهل الفن، يعترف الكثير أن المحسوبية والمداهنة والشللية تنمو لتصبح واقعا معاشا في الوسط الفني والثقافي وهي تزداد قوة لتمنح الجوائز والألقاب الفنية والأكاديمية لمن ليس مبدعا وهناك من يرث المسرح عن أبيه أو قريبه ويرث الألقاب والتكريم والدعوات، وهناك محاولات فنية وأخرى شبابية تمتلك روح المحاولة والرغبة إلى الإبداع وتنجز تجارب تلو تجارب لكن أحدا لا يلتفت إليها.
نعيش واقعا صعبا ورحيل لبعض عمالقة المسرح العربي وتفكك ونزاعات تافهة بين أهل المسرح وروتين وسياسات ثقافية تريد غياب هذا الفن، في هذا المظلم توجد هيئات قليلة تدعم المسرح ولعل من أهمها الهيئة العربية للمسرح وبدعم صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي ـ حاكم الشارقة الذي أعلن مؤخرا بضرورة اقامة مهرجان مسرحي في كل دولة عربية وهي بادرة تبعث بعض الأمل في حال ألا تصاب هذه الهيئة بأمراض الفساد وأن تكون حضنا لكل مبدع، المهمة صعبة لترميم الروح المهزومة بفعل العوامل التي ذكرتها والمهرجانات يجب أن تكون أحدى الوسائل وليس غاية ويعني هذا أن تنتبه الهيئة للوسائل الأخرى، نحتاج أن نتوقف في مناسبة أخرى مع الهيئة العربية للمسرح العربي ودورها المطلوب وواجبها كشمعة أمل لديمومة حياة المسرح العربي وكذا مشروع العيادة المسرحية مع الأكاديمي العراقي جبار خماط، هنالك نوافذ مهمة لمعرفة بعض الأشياء عن الحياة المسرحية منها مواقع إليكترونية كموقع الفرجة تديره المغربية بشرى امور وجريدة مسرحنا المصرية يرأس تحريرها المصري يسري حسان وموقع الفوانيس المسرحية يديره الممثل المغربي عبدالجبار خمران وموقع الخشبة للعراقي حاتم عودة، كما أود أن ذكر جهود بعض دور النشر الإليكتروني المجاني التي تساهم بنشر النصوص المسرحية والدراسات النقدية وأخص بذكر دار كتابات جديدة للنشر الإليكتروني ودار حروف منثورة وسيجد القارئ نصوص وأبحاث مجانية وسهلة التحميل ولها صفحات نشطة على الفيسبوك، كل فعل وجهد صادق يمكنه أن يسهم ليجعل المسرح بخير.

المقال السابقالانتخابات تقترب
المقال التالىالمتعلم بين ملاحظات التثبيط والتشجيع
حميد عقبي سينمائي وكاتب يمني مقيم في فرنسا، اخرج خمسة أفلام سينمائية، منها ثلاثة أفلام قصيرة وهي معالجات سينمائية لقصائد شعرية "محاولة الكتابة بدم المقالح"12 دقيقة 1997 ــ بغداد، فيلم 'ستيل لايف"2005 ــ 20 دقيقة فرنسا، فيلم الرتاج المبهور" 2006 فرنسا 32 دقيقة. نشر 21 كتابا إليكترونيا منها 4 مسرحيات،....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد