القبلة الأشهر

 

لم ترتعش شفتاه فقط وهي تُقبّل ذلك الجلد الأملس، كان كله يرتعش، كانت شفاهه تتراقص وكأنها تقول مليون كلمة في آن، أو أنها كانت تجتهد لتمنع ذلك الكلام.

ألقى قبلته على جلد معلمه وأستاذه المخلّص، دون أن يجرؤ على النظر بعينيه.

نظر إلى هناك، إلى البعيد، حيث كان ينتظر شيئاً، أو ربما لا ينتظره.

لم يكن يدري إلى أين ستودي قبلته هذي؟ لقد طمأن سيده ومخلصه أرقه وحيرته عندما لامس صدره واستشرف النار المندلعة هناك.

” هل يكفي يا سيدي أن تكون راضياً عني ويلعنني العالم إلى يوم نلقاك من جديد؟ ”

” أثق بك يا سيدي، وليلعني اللاعنون، لا اُبالي ما دمت قد حزت رضاك. ”

حزم يهوذا أمره، وأشار بعينيه لسيده الذي يتوسط الحشد، وقفل تاركاً الدنيا لتنقلب خلفه.

لم يرتبك يهوذا هكذا من قبل، فقد ذهب طواعية إلى الحرس، وتطوع أن يرشدهم إلى سيده الذي لطالما كان محاطاً بالمريدين، ولطالما جذب بكلماته النافذات انتباه الكل، وشعورهم الصادق، والحماس.

إنه يهوذا الاسخريوطي، وكان سيده ملك ملوك العالم بلا منازع، وهو القادم ليسلب أحبار اليهود احتكارهم لله.

طبع يهوذا قبلته على جلد سيده، وأشار إليه، وطلب غفرانه، ثم أسرع ليرمي بالجائزة التي تحصّل عليها بوجه سجّاني سيده، فهو لم يكن يريد المال، بل أراد شيئاً آخر.

ولهي عليك يا يهوذا، ولهي على حيرتك ووحدتك، ولي على سرّ تطوّعت أن تحمله دوناً عن الجميع.

آه لو تعرف يا يهوذا، لقد بنوا لزملائك الكنائس، وأطلقوا عليهم أسماء القداسة، وأنت، يا من ضحّى بنفسه كُرمى لهدفه النبيل، هم يلعنوك منذ ألفي عام، هل علمت مقدار ألم أن تكون مُتفرّداً وحاسماً؟

كلّ من اختبأ خلف طمأنينته نجى، وأنت لُعنت لعقلك ولحكمتك.

ولهي لسرّك الدفين يا يهوذا، وولهي لمن كان جبّاراً على نفسه مثلك.

هل انتحرت كما قالوا؟ هل أعياك جهلهم بقيمة ما فعلت؟ أم ندمت لأنك لم تسلك طريق الآمنين فتنجو، وآثرت أن تحرّك التاريخ فسقطت بطبخته واحترقت؟

ليت لك عودة يا يهوذا لتخبرنا الحق، فقد أضنانا عقلنا بعدك يا يهوذا، ونخشى نهاية كنهايتك لتخلصنا من دنيا المجانين التي نعيش.

لا تعليقات

اترك رد