تيلرسون و”سحر” الدبلوماسية

 

كانت إقالة أو استقالة ريكس تيلرسون وزير الخارجية الأمريكي 13 مارس/آذار 2018، متوقّعة منذ بضعة شهور، حيث تردّد الكثير من التسريبات عن الخلاف بينه وبين الرئيس دونالد ترامب، لدرجة إحراجه خارج حدود اللياقة والبروتوكول لأكثر من مرّة، وفي الوقت الذي كان مهندس السياسة الخارجية الأمريكية يسعى إلى التهدئة، سواء بالنسبة للملف الكوري الشمالي أم الملف النووي الإيراني، ويعمل جاهداً للتخفيف من حدّة التباعد في الموقف الأوروبي، كان فيه الرئيس ترامب يحلّق عالياً ويتّجه بعيداً عن وزير خارجيته الذي يبحث في الملفات على الأرض ويقوم بزيارات مكوكية للعديد من العواصم.

وإذا كان تيلرسون من مدرسة هنري كيسنجر وزير الخارجية والأمن القومي الأسبق وصاحب ” الدبلوماسية الواقعية” أو ” الواقعية الدبلوماسية” فهل ستكون إقالته آخر ما تبقى من طيف كيسنجر الذي تجوّل في أروقة البيت الأبيض لسنوات وترك سحره أثراً كبيراً على سياسات واشنطن؟ وهل ستكون إقالته آخر المسلسل للطاقم القيادي الذي جاء معه أم ثمة استحقاقات أخرى؟

حسبما يبدو إن مسلسل الإقالات مستمر منذ أن تولّى ترامب الرئاسة، فقد شملت في اليوم ذاته الذي أقيل فيه ستيفن غولدستون مساعد وزير الخارجية لشؤون الدبلوماسية والعلاقات العامة وجون ماكينتْي كبير المستشارين لحملته الانتخابية القادمة لعام 2020، وفي وقت سابق استقال توم برايس وزير الصحة ،وقبله أقال ستيف بانون كبير المستشارين الاستشاريين والملقّب ” أمير الظل أو أمير الظلام” وكان أنطوني سكارموتشي مدير الاتصالات في البيت الأبيض قد أقيل، كما أقال راينس بريبوس كبير موظفي البيت الأبيض وشون سبايسر المتحدث باسم البيت الأبيض وجيمس كومي مدير الـ FBI وانجيلا ريد كبيرة فريق المراسم المنزلية في البيت الأبيض، كما استقال مايكل فلين من منصبه

كمستشار للأمن القومي وأقال سالي يايتيس وزيرة العدل بالوكالة ودانيال راغسديل مسؤول إدارة الهجرة والجمارك وغيرهم.

صحيح إن النظام الدستوري الأمريكي يمنح الرئيس صلاحيات تكاد تكون مطلقة، في كلّ ما يتعلّق بالسلطة التنفيذية، ومهمة الوزراء تنفيذ قراراته وتلبية رغباته، شريطة ألّا تتعارض مع الدستور، وإذا كان لهم حق الاعتراض، إلّا أن القرار الأخير للرئيس، فإذا أصرّ على رأيه، فللوزير الانصياع أو الاستقالة، أما الرقابة على الرئيس فهي من السلطة التشريعية ، وهذه تتحدّد بمخالفة الدستور أو الخيانة العظمى، وعندها يمكن أن تتحرّك لسحب الثقة منه أو الضغط عليه لتقديم استقالته وتتم المعالجة دستورياً.

وإذا كان تيلرسون قد جاء من خلفية نفطية، فإن خلفه وزير الخارجية الجديد مايك بومبيو جاء من خلفية أمنية ، وفي حين كان الأول يسعى لامتصاص بعض هفوات الرئيس واندفاعاته وشطحاته، فإن الثاني حسبما يبدو كان من المعجبين والمؤيدين لسياساته، وبذلك يكون ترامب تخلّص من طاقمه الذي جاء معه وفي الكثير ممن لم يؤيدوه الرأي.

لقد اعتمد تيلرسون على منهج كيسنجر، فأعلى من شأن الدبلوماسية واعتبرها “الأولوية في السياسة الأمريكية” وحاول أن يهندس استراتيجية واشنطن وفقاً لنتائجها بسعيه لإدارة الأزمات على نحو هادئ، مخالفاً بذلك توجهات المؤسسة العسكرية ومؤسسة الاستخبارات المركزية، اللتان حاولتا دفعها باتجاهات أكثر تشدداً.

وكان النفط في المقدمة من سياساته، حيث شغل تيلرسون منصب الرئيس السابق لكارتيل نفطي عالمي ضخم اسمه ” إكسون – موبيل” الذي تمتّد جذوره إلى آل روكفلر، وقد كان اختياره لمنصبه بدعم من ديفيد روكفلر الذي توفى في العام الماضي (20 مارس/آذار 2017) وهنري كيسنجر لرغبتهما في أن يكون على رأس الدبلوماسية الأمريكية شخص قادم من خلفية نفطية وهدفهما هو إعادة تنظيم عالمية لمجال الصناعات النفطية، عبر الحكمة الشهيرة التي تردّدت في الحرب العالمية الأولى ” من يملك النفط يسيطر على العالم…” وهي التي كان كيسنجر يؤمن بها ويحاول أن يعتمدها في علاقاته الدبلوماسية.

جدير بالذكر أن كيسنجر كان واحداً من السياسيين القلائل الذين أيّدوا انتخاب دونالد ترامب بحماسة شديدة، وكما قال إنه الأكثر تفرّداً من الذين شهدتهم استناداً إلى استراتيجية خاصة، ومن المفارقة إن الرئيس ترامب غرّد قبيل إقالة تيلرسون بثلاث أسابيع (18 فبراير/شباط/ 2018)، بقوله: أنه سيلتقي كيسنجر وسيبحث معه عدداً من الملفات منها: الملف الكوري الشمالي والصيني والشرق أوسطي، خصوصاً بعد قراره بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس والحملة العالمية المندّدة له بما فيها قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة في 21 ديسمبر (كانون الأول) 2017.

ومع أن كيسنجر كان ميّالاً للواقعية السياسية وللدبلوماسية ، إلّا أنه يعتقد : من الخطأ الافتراض بأن الدبلوماسية وحدها تستطيع تسوية النزاعات الدولية دائماً، وهو ينظر إلى ذلك في إطار ما يطلق عليه “الواقعية السياسية” حين تكون تلك السياسة رديفة للتوجّهات المناوئة لأولوية الخيار الدبلوماسي، خصوصاً تفتيت جبهة الخصوم والمنافسين، وهم اليوم (الصين وروسيا).

فهل سيكون العالم أمام تصعيد عسكري بتولّي بومبيو منصب وزير الخارجية وهو الذي يؤمن “بأفضلية مفعول الغارات الجوية على الدبلوماسية”؟

لا تعليقات

اترك رد