روسيا پوتين ،، والمستقبل !!


 

فاز پوتين بولاية رئاسية جديدة ، فماذا ينتظر روسيا من مستقبل في عهده ؟!

اياً كان مايمكن ان نقوله عن پوتين وسياساته المتوقعة ومايمكن ان نقوله عن روسيا وقوتها وماهو كامن من قدراتها ، ويعتقد بعض المحللين ان الرجل وبلاده يحتلان اليوم مكانة الند الاول على الصعيد الجيوستراتيجي العالمي للولايات المتحدة وحلفائها الغربيين ، وسيظل كذلك في المدى المتوسط الذي يغطي العقدين القادمين . رغم ان العالم يتحرك بسرعة ورغم ان التقنيات تتطور بسرعة الا ان عناصر التفوق والتراجع الجيوستراتيجي تتغير ببطأ شديد ويعود ذلك الى سبب كامن في جوهر قضية السرعة في التطور التقني . في دراسة سابقة ذكرت ان تصميم طائرة مقاتلة متفوقة تقنياً خلال الستينات كان يتطلب خمس سنوات من العمل في الوقت الذي يستلزم ذلك الان خمس وعشرون سنة ويرجع ذلك الى الزيادة الهائلة في تنوع المعدات التقنية الرقمية التي اخذت تحل محل الانسان والآلة التي تعمل بالتقنيات الميكانيكية التقليدية . من هنا فان حصول تطور مفاجئ في ترتيب مراكز القوة العالمية امر مستبعد ، وسيظل الوضع على حاله على الاقل للفترة التي ذكرتها .

تحتل روسيا سدس مساحة الكرة الارضيّة وهذه الكتلة البرية الهائلة تمثل الجزء الأهم في الكتلة البرية لأوراسيا الكبرى وتمثل جسراً يضرب في شرق وغرب وشمال وجنوب هذا الاقليم الذي طالما اعتبره الاستراتيجيون الاقليم الاكثر أهمية في العالم . لكن هذا الموقع الفريد تنقصه منافذ بحرية دافئة مناسبة . تتمتع روسيا بإطلالات بحرية مهمة ولكنها ليست مناسبة او كافية لمواجهة احتياجاتها الستراتيجية . ان الإطلالة على الپاسفيك بعيدة عن مركز العالم القديم وهي تقع على الاطراف الآسيوية ، وإطلالة روسيا على بحر البلطيق رغم اهميتها تمثل اطلالة ضيقة وعلى الاطراف الشمالية المنجدة للقارة الاوروپية . ان اهم منافذ روسيا البحرية هي الواقعة على البحر الاسود الدافئ مما حتم على روسيا ان تحتفظ بإقليم القرم وميناء سيڤاستبول تحت سلطتها بالايجار ثم مؤخراً بالضم عن طريق القوة العسكرية ، لكن هذه الإطلالة لاتمثل امراً ذو قيمة بحد ذاتها بل لكونها تتصل عبر المضائق التركية بالبحر الأبيض المتوسط اكثر بحار العالم أهمية من الناحيتين التاريخية والستراتيجية ومركز انتشار اهم الإمبراطوريات في التاريخ ؛ يتعين على روسيا المرور بالمضائق التركية في الذهاب والاياب بين البحرين الاسود والابيض مما يشكل نقطة ضاغطة على الستراتيجية الروسية ويجبرها على ان تتحمل من تركيا العضو في حلف الأطلسي مالايليق بقوة عظمى تحمله من دولة لاتجاريها في قوتها وفق اي وجه من الوجوه .

تمتلك روسيا شعباً صبوراً عودته ظروف القسوة التي عاش في ظلها قروناً عديدة على تحمل الكثير من الصعوبات والمشاق وجعلته قادراً على احتواء الكثير من قساوات الطبيعة والغزاة والسلطان ، رغم ان الظروف العالمية قد فرضت قدراً من التوجه نحو البحث عن الرفاه وتقليد عادات استهلاكية مستوردة بفعل ضغط العولمة وقد صارت جزءاً مهماً من تطلعات الجمهور الروسي الذي يعرف ان بلاده تتوافر على إمكانات هائلة وان بعضاً من تراب وطنه لم تطأها قدم إنسان من قبل رغم انها تتوافر وفق تقديرات كثيرة على ثروات هائلة لم يتم الاستثمار فيها بعد .. رغم ذلك تشهد اذواق المستهلكين الروس تحولاً نحو المنتج الوطني في السنوات الاخيرة وفق استطلاعات رأي حديثة واصبح هذا النمط من السلوك قيمة اخلاقية وطنية .

روسيا تنتج قدراً هائلاً من النفط والغاز وقد تكون احتياطياتها هي الأكبر في العالم من موارد الطاقة هذه وهي تنتج كميات ضخمة من الذهب والمعادن الثمينة الاخرى ؛ هذا ونحن لايمكن ان ننسى حجم الترسانة العسكرية التقليدية وغير التقليدية التي تمتلكها روسيا وتحرص على ادامتها وتحديثها .

وفق قراءتي المتواضعة اعتقد ان هنالك عناصر قوة في اداء الرئيس پوتين ولعل أهمها هي وضوح الدوافع والاهداف رغم محدودية نطاقها الجغرافي . يتبنى پوتين ستراتيجية تقوم على الاحتفاظ بالتفوق في اطار أوراسيا الكبرى وبالتالي فان تطلعاته ذات نطاق إقليمي محدد رغم ان الوسائل المستخدمة ذات طابع ستراتيجي عالمي . لقد توجه الى احباط آية محاولات لضم المزيد من دول اوروپا الشرقية الى حلف الناتو او المنظمات الغربية متعددة الاطراف مثل الاتحاد الاوروپي ومن هنا يمكن فهم قيامه بالهجوم على جورجيا عام ٢٠٠٨ وقام بدعم انفصال اثنين من إقاليمها هما اوسيتيا وابخازيا ، كما قام بمهاجمة أوكرانيا وضم اقليم القرم ووضع حداٍ للقلق الروسي المزمن بشأن تأمين قاعدة بحرية لأكبر أساطيلها وهو أسطول البحر الاسود ؛ كما توجه بقوة نحو سوريا لتأمين قاعدته البحرية الوحيدة على الساحل السوري شرقي المتوسط مؤسساً بذلك نطاق آمن نفوذه في اقليم أوراسيا الجنوبي . لقد أبدى خلال تنفيذه هذه التحركات عزماً وتهديدات باستخدام وسائل اكثر قوة ان تمت مواجهتها من قبل الغرب ، ولكنه في ذات الوقت يتصرف بعقلانية واضحة حين تصل الامور الى احتمالات مواجهة مفتوحة مع الغرب ومن ذلك توقفه عن محاولات استعادة الهيمنة على دول البلطيق الصغيرة حين قام حلف الناتو بنشر قوات برية مدرعة في پولونيا على مقربة من البلطيق وفي نطاق يهدد جيب كاليننغراد الروسي شمالي پولونيا . لقد تصرف پوتين في جميع هذه العمليات بحدس ستراتيجي ثاقب ؛ لقد اقدم عندما ادرك حدود التردد الغربي وانكفأ حين فهم العكس .هذه قدرة اداء محترف لاتتوافر عليه الكثير من القيادات الغربية وهو يشكل عامل قوة في بند ” نوعية القيادة ” الذي تنص عليه كتب العلاقات الدولية المدرسية .

مع كل عناصر القوة هذه الا ان روسيا تعاني من مشكلتين أساسيتين : انتشار موثق لأنواع مقننة مختلفة من الفساد وركود اقتصادي مزمن حيث لايتجاوز معدل النمو السنوي اكثر من ١-١.٥٪‏ ، ويعود ذلك الى تصلب في شرايين الادارة التي مازالت اسيرة الاشراف الحكومي واعتماد البلاد بشكل كبير على ايراداتها من صادرات الغاز والنفط بسبب ضعف القطاع الصناعي المدني والقطاع الزراعي . هذا الاعتماد على ايرادات النفط والغاز يمثل عامل ضعف ستراتيجي لايؤهل البلاد لاحتلال موقع قوة عظمى عالمية فيما تمتلك القوى المنافسة قدرات التحكم باسواق هذه الموارد ، ولذلك وجدت روسيا نفسها مضطرة للانسحاب من مناطق نفوذ سابقة كي تتمكن من التركيز على نطاق محيطها القريب في شمالي وشرقي اوروپا وشرقي المتوسط بالفعالية المطلوبة ، وقد نجحت في ذلك وهي تشكل التحدي الاول للنفوذ الغربي في هذه المناطق الحيوية من العالم ؛ لقد ساعدتها في ذلك ترسانتها العسكرية وامتيازاتها الدولية مثل تمتعها بحق النقض في مجلس الامن الدولي .

السؤال المهم فيما يتعلق بروسيا يظل متعلقاً بقضية الموارد وهو مايحيلها الى قوة تعطيل للمشاريع الامريكية والغربية اكثر منها قوة مبادرة . في سوريا على سبيل المثال تمكنت من احباط وتحجيم ادوار العديد من القوى الغربية مثل الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا ، ولكن ماهو الحجم الذي تستطيع لعبه في سوريا مابعد الحرب الأهلية وخاصة في اعادة الإعمار الشاملة التي يفرضها حجم الدمار الذي وقع في البلاد مقابل مايستطيع المخاصمين تقديمه ؟!

هذا الاندفاع الروسي في عهد پوتين تزامن مع صعود اقتصادي وعسكري كبيرين في الصين ويبدو ان الطرفين على قدر من التوافق يصفه البعض بالتحالف ، رغم ان الامر لايرقى الى ذلك في تقديري المتواضع خاصة وان احدى الستراتيجيات التي تجرب الولايات المتحدة استخدامها هي المناورة على الطرفين لتفكيك عرى اي تحالف ستراتيجي محتمل ، كما ان مشروع ” النطاق والطريق ” الصيني يخترق أوراسيا الكبرى من أقصى الشرق الى أقصى الغرب ويثير الكثير من هواجس الروس . هل يمكن القول اننا امام حرب باردة مع تصاعد حدة الخلافات بين هذه الأطراف ؟!

الجواب حتماً هو كلا ! لقد مثلت الحرب الباردة نظاماً دولياً من القطبية الثنائية الحادة التي لم تفلت منها حتى تلك الدول التي اختارت الحياد . لقد كانت بلدان مثل الهند ومصر ويوغسلافيا والسويد وسويسرا والنمسا تلتزم سياسة الحياد الرسمي بصفة جماعية او فردية ومع ذلك فقد وجدت نفسها في خضم هذه القطبية بشكل او باخر ، سراً او علناً . هذه القطبية تمحورت حول خيارات فلسفية وأيديولوجية تمثلت في نظامين متناقضين للحياة ومعايير الحكم الصالح هما الاشتراكية والرأسمالية وكان كل طرف فيها يأمل في إلحاق الهزيمة الساحقة بالطرف الاخر دون امكانية آية تسوية او اللقاء في منتصف الطريق باستثناء التوافق على تجنب حرب مدمرة غير تقليدية كوسيلة للصراع ، لكنها كانت حرب اصطفاف وتوتر وذات مخاطر عالية . ان الوضع الدولي الراهن لايقارن مع هذا التوصيف على اي نحو من ناحية الجوهر كما انه اكثر تعقيداً وتشابكاً . تنبع التوترات الحالية في الموقف الدولي من تناقض المصالح الوطنية والجيوسياسية لأطراف متعددة ووفقاً لرؤيتهم للتاريخ والحاضر والمستقبل .

يعتقد الروس انهم وضعوا في مكان لايليق بهم وبما لايتناسب مع تاريخهم وقدراتهم ، وان ذلك قد تم في اطار عملية خداع وقعت في شراكها قيادة يالتسين الذي وقع بدوره ضحية حسن النية والثقة المفرطة بالوعود الغربية ، لذلك فقد تولد في داخل النفس الروسية قدر كبير من الغضب والحنين الى ايام العظمة الامبراطورية او حتى السوفيتية وقد جاءهم پوتين ليؤمن لهم الحلم ويحول غضبهم الى تقدير مفرط لقيادته وكفاءاته . والواقع انه قد غاب عن الروس ان قرار تفكيك الاتحاد السوفيتي جاء لحماية روسيا بالدرجة الاساس . وفقاً للپروفيسورة هيلين دانكوس ( عضوة الأكاديمية الفرنسية Académie Française او مجمع الخالدين ) في كتابها ( الامبراطورية المتفجرة ) الذي نشرته في اواخر السبعينات فان الاتحاد السوفيتي كان سيتحول الى امبراطورية ذات أغلبية مسلمة وما أنقذ روسيا هو تفكيك الاتحاد السوڤيتي وسلخ الجمهوريات الاسلامية عنه ، لكن الروسي العادي لايعرف من هي دانكوس ويشعر بالإهانة والغضب جراء عقد التسعينات السيء ويرى الحل في قائد جريء مثل پوتين لاستعادة مكانة بلاده ، وقد نشأت حول هذه الرؤية فلسفة تفيد بان أوراسيا الكبرى هي قلب العالم وان روسيا هي مركزها .

من جانبها ترى الصين ان صعودها الاقتصادي يمنحها الأهلية لتكون قوة عالمية بذاتها وليست قوة ملحقة بهذا المعسكر او ذاك كما كان عليه الحال خلال معظم فترة الحرب الباردة . لقد اجتازت الصين في قراراتها المتصلة بعلاقاتها ومكانتها الطولية كل قيود وضوابط تحالفات الحرب الباردة وانها تتصرف وفق منطق مصالحها يؤهلها لذلك تاريخ حضاري عريق ومكانتها كأكبر مصدر للمواد المصنعة حتى اواخر القرن السابع عشر وانها كانت من ضحايا السياسات الامپريالية الغربية واليابانية ولذلك تعتقد الصين انها تستعيد مكانة سلبت منها وقد توفرت لديها الان مكانة اقتصادية فريدة ودخلت ميدان العلاقات الدولية كعنصر تغيير اصلاحي مدعوم بقدرات مالية وصناعية هائلة . هذه رؤية صحيحة الى حد كبير ولكن الصين تبقى لوقت طويل قادم اسيرة قرون من التخلف التقني وتهالك البنى التحتية الريفية وفقر موارد الطاقة التقليدية . يؤمن الصينيون انهم قادرون على مواجهة هذه التحديات ، وهذا إيمان له مبرراته ولكن تحقيقه يستلزم زمناً ليس بالقصير وذلك لاينقص من قدر الصين كقوة اولى فاعلة في محيطها المباشر وخاصة اقليم بحر الصين الجنوبي الذي يؤمن ٧٠٪‏ من أغذية الصينيين البحرية اضافة الى دورها المتنامي في المؤسسات المالية العالمية وقيامها بانشاء شبكة منظماتها المالية الدولية التابعة لها .

اما الولايات المتحدة فأن المزاج العام يميل الى الاعتقاد بانها قد دفعت لوحدها تكاليف آمنها وأمن الاخرين خلال الحرب الباردة وكان ذلك على حساب رفاه مواطنيها وفرص عملهم وانه ان الاوان لهؤلاء الاخرين ان يتحملوا نفقات أمنهم كاملة وان يعوضوا الولايات المتحدة مافاتها من فرص جراء انفاقها المفرط على آمن العالم الحر ، ومن هنا جاء التجاوب الواسع مع شعار ” امريكا اولاً ” وعليه ارتقى ترامپ كرسي الرئاسة . ان اهم مقتضيات هذا الشعار هو الاّ تحارب امريكا نيابة عن احد ومن اراد عونها عليه دفع التكاليف كاملة غير منقوصة .

لم نعد اذن ازاء اجواء حرب كونية قدر ماهي اجواء منافسة متعددة الاطراف هدفها تعزيز الرفاه لشعوب المتنافسين اكثر منها حرب ايديولوجيات او او أنماط حكم ، بل وتشهد قضايا حقوق الانسان تراجعاً في مكانتها المعلنة سابقاً كأولوية . الصراعات القادمة ستشهد اتساعاً في نطاق التجارة والاقتصاد وسيزداد اللجوء الى حروب النيابة بديلاً عن حروب المواجهة وستزداد خصخصة الحروب تجذراً وتصبح نمطاْ عالمياً وتحل الشركات العسكرية تدريجياْ محل الجيوش ووزارات الدفاع ، وان كان ذلك سيتم على حساب الفقراء الذين سيشكلون مادة عمل هذه الشركات لاسباب تتعلق بالكلفة وإمكانية الافلات من المحاسبة وما يترتب عن الحروب من تداعيات قانونية وهشاشة دول المصدر لهؤلاء الجنود .

يكرر المقال الذي أقدمه ذات الحديث المتعفن القديم حول الديمقراطية في روسيا ويتجاوز حقيقة ان اكثر الدول الكبرى دعماً للانظمة الديكتاتورية على مدى سبعة عقود تلت الحرب العالمية الثانية هي الولايات المتحدة الى جانب بقية الطول الغربية الكبرى ، لكن أهمية المقال تكمن في انه يعكس طبيعة التفكير الغربي ونظرته الى بقية العالم وهي نظرة تتسم بالكثير من روح الوصاية والانتقائية .

في خلاصة اخيرة ، ستظل روسيا عامل قلق رئيسي بالنسبة للغرب مالم يتم استيعابها من خلال رؤية تعتمد مبدأ الندية اخذاً بالاعتبار طبيعة التعامل المهين الذي لم يخل من روح الشماتة والتشفي بعد سقوط الاتحاد السوڤيتي وان سياسات روسيا الحالية تتسم بقدر كبير من روح الغضب والشعور بالإهانة القومية . من المؤكد ان روسيا تواجه مشكلات داخلية كبيرة وهي مازالت دولة تعتمد الى حد كبير على مواردها من النفط والغاز بما لايليق بمركزها كقوة عالمية كبرى ولكنها دولة ذات عمق إمبراطوري ولديها مكامن قدرات هائلة غير مستثمرة حتى اللحظة وجغرافيا فريدة موقعاً ومساحة ولديها شعب متعلم فضلاً عن ترسانة عسكرية تقليدية ونووية هائلة يبدو انها وبقيادتها الحالية مستعدة لاستخدامها في ظروف تختارها بعناية وفق اهداف واضحة محددة .

كاتب المقال هو جورج فيفر المدير التنفيذي لمعهد الشؤون الدولية المعاصرة ومتخصص بالشؤون الروسية وله عدة مؤلفات حولها . نشرت المقالة في مجلة فورين افيرز يوم ١٦ اذار – مارس ٢٠١٨ تحت عنوان ” ماضي پوتين يُفسّر مستقبل روسيا ، ماذا نتوقع بعد الانتخابات ” .

اود الإشارة قبل تقديم المقال الى انني ، باستثناء المقدمة أعلاه ، اقدم وجهات نظر اخرين وهذا لايعني باي حال تبنيها ولكنني احرص على معرفة وجهات النظر المختلفة وتقديمها كما هي للآخرين .

لنتابع ….

من الواضح لكل متابع للمشهد السياسي الروسي هو التحول الملفت للنظر في التوجهات الاستهلاكية للروس . ظهر خلال الفترة الاخيرة في مخازن البقالة الروسية نوع جديد من الزبدة يحمل اسم ( دوياروشكا ) وتشير ملاحظة على غلافه انه مصنوع وفق روشيتة روسية تقليدية رغم انه ليس منتج روسي بل هو زبدة مستوردة من نيوزيلندا ، ووجودها في السوق تحت هذا الاسم الروسي يدل على تبدل في نزعات الاستهلاك بفعل دوافع وطنية .

يلاحظ الباحثون في هذا الموضوع ان المستهلكين الروس حالياً يعتبرون ان منتجاتهم الوطنية أفضل من الأجنبية والذ مذاقاً وانها اكثر احتماءاً على المكونات الطبيعية . بعد سنوات من تجربة ” التغرُّب ” التي استنفذت مدخراتهم وزعزعت رواسخ من اليقين وكل منحى من مناحي حياتهم وجعلتهم يعودون بأنظارهم الى داخل وطنهم والى ماضيهم .

لقد انعكس ذلك على سلوك السياسيين الروس حيث قام عمدة موسكو السابق يوري لوجكوف الى بارتداء زي تقليدي يعود الى القرن الثاني عشر ، زمن تأسيس موسكو . تزدان مباني وسط المدينة بلافتات هي نسخ من الميداليات العسكرية السوڤيتية رغم استمرار اعتبار تمجيد الحقبة الشيوعية من المحرمات ؛ وكذا يفعل العديد من السياسيين من خلال إظهار التمسك برموز تعود للماضي رغم تناقض محتواها تبعاً لتناقض الحقب التي ترمز اليها .

ان ذلك مؤشر على صعود نجم اليمين السلطوي الهادف الى قيادة الإصلاحات في روسيا والتصدي للنظام الدولي اللبرالي والتنامي السريع لنفوذ روسيا الدولي . هذا مايفعله الرئيس پوتين الذي من المتوقع فوزه بولاية رئاسية جديدة أمدها ست سنوات في الثامن عشر من هذا الشهر { تم ذلك فعلاً } ، ولكن كيف سيتصرف خلال هذه الرئاسة ؟!

يبدو ان ذلك يعتمد الى حد كبير على كيفية وصوله الى السلطة !!

قائد الصدفة !

لقد اوحت سنوات صعود يلتسين خلال التسعينات بان اقتصاد البلاد قد اجتاز منعطف التحول الى اقتصاد السوق وأطلق الامال بمزيد من الاستقرار الاجتماعي والاندماج الروسي في مجتمع الديمقراطيات الدولي .ثم جاءت الأزمة المالية لعام ١٩٩٨ والتي وضعت نهاية لعملية الاصلاح . ومنذ ذلك الحين انطلقت المشاعر العميقة المعادية للغرب وشهدت شوارع موسكو مظاهرات كبيرة احتجاجاً على قصف الناتو لصربيا عام ١٩٩٩ واستخدم المتظاهرون البيض والالوان لتسجيل احتجاجاتهم على جدران السفارة الامريكية وقد لفتت تلك الاحداث انتباه پوتين الذي كان يرأس المخابرات .

تسلم پوتين في ذلك العام منصب رئاسة الوزراء وقد بادر للاستثمار في نظرة الحسد تجاه الغرب ومشاعر التعرض للخيانة بوعود كاذبة حول الرفاه لم يتم تحقيقها والحنين الى حقبة القوة السوڤيتية العظمى . لقد اوحى پوتين للروس بوجود خيارات جديدة هي مزيج من السلطوية مع توفير الحريات ، القومية من دون ايديولوجية سياسية احادية . لقد توقف اللهاث خلف الغرب وتمت العودة الى مقولة ان لدى روسيا حضارتها الخاصة وطريقها المختلف .

لقد ساهمت الدعاية الروسية ودعمها للقادة الغربيين الشعبويين في اعادة صياغة الشؤون الدولية منذ تولي پوتين مسؤولياته القيادية . لقد بقيت روسيا وپوتين في قبضة الرؤية المعادية للغرب التي امنت له الوصول للسلطة منذ البداية .

الماضي غير المتوقع

في روسيا يقال بان المستقبل واضح ولكن الماضي غير قابل للتوقع ؛ وفقاً لقول مشهور فانه يجب تحديد اي نسخة من رواية الماضي يجب ان نعتمد . بالنسبة للأمريكيين فان استعراضهم للماضي الروسي يظهر المرحلة السوڤيتية بشكل اكبر ، اما بالنسبة للروس فانهم يميلون للتفكير في اطار التسعينات ، وان صورة روسيا وطريقة تجريدها من مكانتها العالمية توحي بالشعور بالإهانة حتى على المستوى الشخصي . هذه الفترة تذكرهم بالصفوف الطويلة للحصول على ورق تواليت كما تذكر البعض بأنهم كانوا ياكلون على العشاء البطاطا المسلوقة فيما يذهب جيرانهم الى ارقى المطاعم لتناول وجبة سوشي .

لقد تم تصوير پوتين على انه الرجل الذي أنهى الفوضى الاقتصادية رغم ان نظرة اكثر تمعناً تؤكد ان الاقتصاد كان يتجه بالفعل نحو التعافي عندما تسلم پوتين السلطة ، ولكن الأزمة المالية لعام ١٩٩٨ وموجة التضخم التي اطلقتها غطت على الحقيقة . لقد ساعد ارتفاع أسعار النفط والغاز ، محركا الاقتصاد الرئيسيان ، على صرف الناس عن النظر الى الخلف ولم يكتشفوا حينذاك ان الامر لاصلة له بكفاءة اداء پوتين .

لقد ألقى الكثيرون باللوم على يالتسين معتبرين ان خطيئته الاساسية تتمثل في صلاته بالاوليغارشيات وحفنة من المصرفيين والصناعيين الذين حققوا ثروات طائلة مقابل دعمهم السياسي له ، لكن پوتين سلك طريقاً مختلفاً رغم انه لم يخلص روسيا من الفساد الذي أعلن شجبه له . لقد استندت ستراتيجيته على الوعد باقامة نظام ” دكتاتورية القانون ” وقدم برهاناً استدلالياً من خلال احتكار الكرملين ادارة مكامن المافيات . ان ابتكاره الجدير بالتسجيل هو إستخدامه للفساد من اجل اقامة إقطاعية ادارية منظمة تبدأ من القمة الى القاعدة تتولى الهيمنة على الاقتصاد والسياسة .لقد اطلق الحرية للحكام والزعماء المحليين بالتربُّح من إقطاعياتهم متى ماشاؤا ماداموا يؤدون الاتاوات المطلوبة والولاء فلقد استخدم پوتين وسائل صارمة ومخيفة من اجل اعادة هيمنة الدولة على على الصناعة النفطية وقام بتعيين اداري متمرس هو أليكسي ميللر لرئاسة شركة الغاز الحكومية ( گازپروم ) في عام ٢٠٠١ التي كانت تدار قبل ذلك من قبل شخص مستقل التفكير وعمل أحياناً ضد مصالح الكرملين . لقد اصبحت مؤسسة تدر الكثير من المال المغسول { !! هذا تقييم ذو صبغة امريكية ضيقة الأفق التي لاترى في اي سياسات مناهضة لهيمنتها غير الفساد } .

غرس صورة الرجل القوي

في المدى الطويل يمكن تلمس الكثير من الاسباب التي تدعو للشك في امكانية ديمومة حكم الفساد Kleptocracy

الذي اقامه پوتين . هذا الحكم قاد الى عزلة البلاد {!!} واستئصال مؤسساته والسطو على عوائد موارده الطبيعية . ان اجندة پوتين التي بدأ بها عام ١٩٩٩ مازالت هي ذاتها وفي مقدمة أولوياتها تعزيز هيمنته على السلطة وشرعنة ذلك من خلال غرس صورة الرجل الوطني والطيار المقاتل والفارس العاري الصدر وذلك النوع من الشخصيات التي عمل السوڤييت على تجسيدها . لقد كانت تلك مهمة وجودية حين تم استدعائه لخلافة يالتسين وكونه طارئ جديد على السياسة من دون قواعد سياسية في محاولة لاهثة من اجل قطع الطريق على المعارضة الصاخبة ومنعها من الوصول للسلطة .

ان جميع تصرفاته منذ توليه المسؤولية واستخدامه العنف والتهديد من اجل تعزيز صورته تلك تبدو متسقة وفي ذلك السياق . لقد قاد حتى قبل ان يصبح رئيساً حرباً ثانية في الشيشان لتكرس صورته كرئيس للوزراء من نوعية مميزة . لقد انتهت حرب الشيشان الاولى بالفشل عام ١٩٩٦ حين تمكن الشيشانيون من هزيمة القوات الروسية الغارقة في السُكْر وذات التدريب والتسليح الضعيفين . تعززت بذلك لروسيا صورة بلدٍ ضعيف غير قادر على اخضاع متمردين محليين ، لكنها صورة تبدلت مع پوتين ذو الإرادة القوية الذي لايتردد عن ذبح المدنيين .

لقد جاء تصميم پوتين بعد حادثة ذات مغزى ؛ حين قام الناتو بالهجوم على صربيا كان رد القوات الروسية الموجودة هناك كقوة حفظ سلام هو الهرولة نحو المطار في العاصمة بريشتينا لغرض العودة الى روسيا تاركين اخوانهم . كانت لهذه الحادثة أصدائها لدى المواطنين الروس الذين عبروا عن رغبتهم في موقف اكثر حزماً لمساندة نظرائهم السلاڤ الأرثوذوكس في البلقان . لقد جاء انسحاب الجنود الروس نتيجة حرمانهم من الوصول الى مخازن الطعام التي كانت تمتلكها القوات البريطانية ومن هنا حظي وصول پوتين الى السلطة بالترحيب باعتباره نصراً ضد التحالف العسكري الغربي وتم اعتبار هذا التحالف منذ ذلك الحين باعتباره خصماً . لقد جاءت حرب الشيشان لتؤكد ان روسي لم تعد تعير اي اهتمام لعدم الرضا الغربي .

لقد اصبح الصراع الجزء الاساس من عملية بناء صورة پوتين ، وتستند صورته الحالية الى غزوه لأوكرانيا وجورجيا وحملته العسكرية في سوريا . ان هذه العمليات العسكرية لم تكن خياراً حتمياً لامناص عنه تجاه توسع الناتو عندما كانت روسيا ضعيفة كما قد يناقش البعض ؛ غير ان الكرملين لم يعتبر مطلقاً ان توسع النيتو يمثل تهديداً جدياً وعلى ذات القدر من اليقين بان الولايات المتحدة لن تقوم بشن الضربة النووية الاولى كما لمّح پوتين بنفسه هذا الشهر . ان تصوير الولايات المتحدة باعتبارها خطراً وجودياً قد مكن الرئيس پوتين لتعبئة شعبه صارماً النظر عن الفساد والسلطوية والعزلة التي فرضها عليهم . لقد كان شعار حملته الانتخابية هو تطوير جيل جديد من الاسلحة النووية في اطار تهديداته للغرب بضمنها أسلحة عابرة للقارات قادرة على اختراق المنظومات الدفاعية الغربية الحالية .

لقد قام پوتين بشرعنة جهوده العدوانية من خلال تأطيرها في السعي لانشاء عالم متعدد القطبية ، بعبارات اخرى تعزيز النفوذ الروسي على حساب النفوذ الامريكي في النظام الدولي الذي تتولى قيادته . لقد كان النداء الروسي قبل عقد من الزمن يتمحور حول مقترح الكرملين العمل المشترك مع الغرب من اجل العمل على تأطير مؤسسي لمعاهدة آمن اوروپية ، وقد كان ذلك يعني احلال هذه المعاهدة المنشودة محل الناتو والمنظمات الاخرى متعددة الاطراف . لقد استبعد السياسيون الغربيون في غالبيتهم هذه الفكرة ؛ في عام ٢٠٠٨ عندما ذهبت روسيا الى الحرب مع جورجيا من اجل احباط مساعيها للانضمام الى الناتو كانت روسيا قد وضعت نهاية لكل ماابدته من استعداد في السابق للتعاون مع الغرب وسجلت افتراقها النهائي عنه .

ان محاولة پوتين الاخيرة لتسميم الكولونيل السابق في المخابرات الروسية سيرجي سكريپال وابنته تعطي مثالاً على تكتيكات الصدمة التي يستخدمها لخرق قواعد التعامل الدولي الراسخة منذ امد بعيد . ان الضحية المذكور كان موضوع تبادل اسرى وبالتالي فأن ذلك يجعله بعيداً عن الخطر كما يفترض ، ولكن الكرملين كما يبدو قد استهدفه وأعضاء من أسرته بمحاولة اغتيال وحشية . ان ضعف الرد الغربي الذي لازمه منذ الحرب العالمية الثانية سيكون اشارة للكرملين بان تكتيكاته تؤتي ثمارها .

هل سيطول الامر ؟

ان عقداً من عدم اليقين بشأن الاقتصاد منذ حلول الأزمة المالية العالمية عام ٢٠٠٨ لم تفلح في إقناع الروس بالانصراف عن ضابط المخابرات الذي كان من المفترض به ان يقوم بانتشالهم من الهاوية التي سقطوا فيها خلال عقد التسعينات ، رغم انه من الصعب التعرف على حقيقة اتجاهات الرأي العام في بلد يعتبر انتقاد الرئيس فيه مهمة محفوفة بالخطر .

لقد اظهر استطلاع للرأي قامت به مؤخراً المؤسسة المستقلة الوحيدة المتخصصة وهي مركز ليڤادا بالتعاون مع مركز كارنيجي موسكو احاديث مرويّة تفيد بدعم الروس لپوتين ؛ رغم ان اغلب المتحدثين أشاروا الى رغبتهم في رؤية تغيير في بلادهم ولكنهم لم يتصوروا آية شخصية الى جانب پوتين قادرة على فعل ذلك . ان سمعته باعتباره رجلاً فوق التيارات السياسية تلعب دوراً في ذلك ( يلاحظ انه رفض خوض الانتخابات بصفته عضواً في حزب روسيا المتحدة الذي شكل منصة مهمتها الرئيسية دعم الرئيس ) . ان هذا البعد عن الاحزاب منحه القدرة على انتقاد القصور في اداء الحكومة ازاء فضائح الفساد التي تحدث بشأنها رسميون حكوميون بشكل متكرر . لقد تم مؤخراً الحكم على وزير الاقتصاد بالسجن ثمان سنوات لإدانته بالرشوة وهو اعلى موظف حكومي يتم القبض عليه منذ عهد ستالين .

لقد اظهر استطلاع راي اخر أجراه مركز ليڤادا ان العديد من الروس يؤمنون بان قيام پوتين بضم منطقة القرم قد دفعت الغرب الى إظهار الاحترام لروسيا وان ٧٠٪‏ منهم يعتقدون ان بلادهم تحتل مكانة القوة العظمى . لقد راود البعض من المراقبين الغربيين بان اجيال الشباب ستتجه نحو انشاء ديمقراطية من القاعدة ولكن الواقع ان نسبة الشباب الذين يتظاهرون أحياناً في الشوارع من اجل ذلك لايشكلون سوى أقلية ضئيلة وان غالبية الشريحة الشابة متعلقة بصورة پوتين شانها شأن غالبية الشرائح الاخرى .

ان الشخصنة القوية للسياسة التي يستخدمها پوتين تجعل من قضية استمرار النظام بعد رحيله ضعيفة الاحتمال . ينبغي الأخذ بعين الاعتبار انه لاتوجد حتى اللحظة آية تصدعات في الدعم الشعبي وأن ظاهرة ” الپوتينزم ” ستظل قائمة حتى اللحظة التي تعمل هزة خارجية قوية على الإطاحة بها . ان هيمنة پوتين على اجهزة الامن تجعل من آية توقعات بالتغيير غير محتملة كما لاتبدو هنالك آية احتمالات لانقلاب من داخل الكرملين . ان ذلك يستدعي تبني مواجهة ستراتيجية بعيدة المدى مع الكرملين مع استثمارات اكبر في عملية بناء الديمقراطية واسناد المجتمع المدني في بلدان الجوار الروسي . ينبغي كذلك فهم حقيقة ان پوتين ورغم المخاطر باق على ذات المنطق .

لا تعليقات

اترك رد