بوصلة المثقف نحو الهوية العربية

 

إن كثيرا من مفكري الأمة وهم يتناقشون حول هويتها ، يظنون أنهم يفكرون ، ويطرحون جديدا ، ويقدمون أسئلة مقلقة ، ولكن الحقيقة أنهم يعيدون ترتيب انحيازاتهم الفكرية ، واجترار أفكار الغير . وهذا نجده مبثوثا في كتابات الكثيرين منهم ، من الذين يهاجمون أوضاعا ثقافية ، ولكنهم في الحقيقة أبواق تردد ما يقوله غيرهم أو السابقون عليهم ، وهو ترديد غير دال على رغبة في النقاش ، بقدر ما هو دال على رغبة في الوجود وبالأدق في الظهور. فهذا مفكر عربي تم الاحتفاء به في العديد من العواصم ، وهو يتباهى – دوما – بكونه يمتلك واحدة من أكبر المكتبات في العالم ، نجده يقدم عدة محاضرات ، تطبع في كتيبات يدعي فيها إلى إعادة تشخيص الواقع العربي : الأزمة والهوية، ولكنه في الحقيقة ، يرتب ما قاله الآخرون، منحازا إلى طروحات بعينها ، يقدمها مزيجا ، يبدو للوهلة الأولى أنها من بنات أفكاره وفي الحقيقة هو من صنع غيره ؛ وتكون المحصلة : أفكارا مرتبة ظاهريا ، مجترة مكرورة باطنيا ، تنصبّ كلها على الهجوم على الأصولية والتعليم التلقيني ، وكسر التابو والمحرم ، دون الإشارة إلى عسف السلطة ، ودورها في إعاقة الإبداع وتطفيش العلماء والباحثين الجادين، وقمعها للمعارضين السياسيين ، ولا عجب فهو أحد أبناء السلطة، وأيضا من رجالها .

هذا المثقف غير مدان ، لأن الكثيرين من السابقين عليه كانوا يرددون أفكارا رضعوها من الغرب أو الشرق، ولم يكلّفوا أنفسهم البحث عن الشخصية الثقافية العربية وطرح سؤال أين نحن من هذه الأفكار المستوردة ؟ وهذا لا يعني عدم دراسة الأفكار والنظريات الأخرى ، بقدر ما يعني مناقشتها وتعرف موقفنا الفكري منها، ويكون النقاش نابع من شخصيتنا الثقافية واضحة المعالم ، عميقة الجذور ، تدرك عمق الأزمة الراهنة ، وطبيعة الشعوب العربية ، وبنائها النفسي والاجتماعي .

فعلينا التعرف على البوصلة التي ينبغي أن يضعها المثقف العربي وهو يناقش سؤال الهوية ، وآليات النهضة ، فهل البوصلة يتجه مؤشرها إلى القطر الضيق أم الإقليم الواسع أم المنظومة العربية الرحبة أم الفضاء الإسلامي الشاسع ؟ وبالطبع ستكون الإجابة جاهزة ، نريد كل هذا ، كما ذكر السؤال، ناسين أن السؤال هنا جدلي ، يستهدف ترتيب أولويات الانتماء، وتحديد دوائر الهوية ، التي ستحدد دوائر المصالح ، وتقاطعاتها ، ومن ثم تعيد رسم القناعات الفكرية ، فلا يتمترس القُطري في حدود دولته ، ولا ينفي القوميُ العربي المحيطَ الإسلامي ، بل يحتوي العقل المثقف كل هذه الدوائر ، وينطلق منها وإليها ، دون نفي أو إلغاء .

كما أن النقاش حول الهوية ، يستلزم التخلي عن العوار اللغوي ، وهو ما نراه في طبيعة الخطاب العربي حيث تكون المصطلحات مختلفة عن مدلولاتها، فمثلا ، عندما يُطرَح مصطلح ” الحداثة ” ، نجد عشرات التعريفات له ، تكاد تتناقض فيما بينها ، وبالتالي يكون النقاش لا ثمرة منه ، فهناك من يوصم الحداثة بأنها كفر بواح لأنها تعتمد التدمير للقناعات والموروثات وإعادة تأسيس قناعات جديدة ، وآخر يرى أنها منظومات فكرية منغلقة لأنها لا تعترف بالثقافات الأخرى ، وتجعل عقل المفكر الحداثي هو الحكم وأيضا الخصم والمناقش ، وثالث يرى أنها تمثل قمة التطور الفكري وأقصى ما أنتجه العقل البشري ( أو بالأدق العقل الغربي ) ليتخلص الإنسان من موروثات تمزق الشعوب والعقول . فحينما لا يتم الاتفاق على تعريف ما يكون الحوار بلا منطلقات ولا مرجعيات ، وهذا طبيعي في ضوء فوضى الترجمة ، وتفاوت الأفهام ، وبالتالي لن يكون هناك نقاش منظم ، بل جعجعة دون طحين .

ومن مظاهر العوار اللغوي أيضا ، ما نراه في المفردات المستخدمة في خطاب الهوية ، فهي ذات طبيعة استعلائية ، نخبوية ، شديدة التفلسف ، رغم أنها موجهة إلى جمهور المثقفين ، وعامة القراء ، وتطرح عليهم إشكالات تتصل بوجودهم الفكري ، ومستقبلهم النهضوي ، وهذا يجعلنا نطالب أن يكون نقاش الهوية ذا مستويين ، الأول موجه إلى المثقف المتخصص ، والثاني – نابع من الأول – موجه إلى جمهور القراء والمتعلمين .

وفيما يتعلق بموقف خطاب الهوية العربية من المستجدات على الساحة الفكرية العالمية ، فهو إما يتجاهله ولا يدرجه ضمن مباحثه ، وهذا هو الغالب، أو يشير إليه دون أن يوضح موقف الهوية منه . فعلى سبيل المثال : ماذا نقول مع طروحات ما بعد الحداثة ؟ وهي تعالج قضايا غاية في الأهمية ، أهمها الاعتراف بالثقافات المختلفة ، ومزجها ضمن الثقافة العامة للمجتمع . وهل تم تطوير خطاب الهوية العربية ، ليناقش خطاب العولمة وقت صعوده منذ ما يزيد على عقدين ؟ أم انقسم المفكرون بين رافض ومعارض للعولمة ، وثالث توفيقي يحاول المواءمة ، من خلال التعامل مع الإيجابي والإغماض عن السلبي .

إذن ، فإن تطوير خطاب الهوية العربية يحتاج إلى مناقشة قضايا تأسيسية ، يمكن أن نوجزها في أسئلة مصاغة ، لأن النقاش الحقيقي ينبع من سؤال وليس من سجال :

أولها : يتصل بتكوين الهوية ، دون نفي أو تهميش أو إفراط لعنصر على حساب آخر ، وهذا يتطلب أن نجيب عن سؤال : من نحن ؟ وما روافد شخصيتنا الفكرية والثقافية ؟ وهل يتمتع كل قطر عربي بشخصية متميزة ، لا تتعارض مع الأقطار الأخرى بقدر ما تثري تجربتها ؟ وهذا يستلزم البحث عن عوامل تميز كل قطر عربي، وملامح شخصيته الثقافية بشكل خاص .

ثانيها : هل تكون محددات الهوية : مكانية أم زمانية ، بمعنى هل تنطلق هويتنا من حدود الدولة أو الإقليم أو الموقع الجغرافي أم تمتد في أعماق التاريخ بكل ما يحمله من تجارب وآلام وإنجازات ؟

ثالثها : هل يمكن أن يتشكل خطاب الهوية من رؤى فريق عمل بدلا من المشروعات الفكرية الفردية ؟ وهل يمكن في هذه الحالة أن يجلس الإسلامي والقومي والقطري والليبرالي جنبا إلى جنب مع مفكري الأقليات المختلفة ، لبلورة رؤية مشتركة ، تتعلق بإيجاد خطاب يقبل مختلف الأطياف الفكرية في منظومته دون نفي أو إلغاء ؟

رابعها : كيف ستكون لغة الخطاب عندما تتجه للنخبة للبناء عليها وعندما تتجه للجمهور والعامة للإيمان بما فيها ؟ وكيف سيتم تحديد مصطلحات الخطاب وهي متعددة المرجعيات والترجمات ؟

وختاما ، إن هذا نقاش لا يستهدف التشكيك فيما تم إنجازه على صعيد خطاب الهوية الثقافية العربية ، بقدر ما يحاول تشخيص بعض مظاهر الأزمة ، وإشكالاتها في الواقع المعيش ، ومن ثم جاء طرح الأسئلة معبرا عن أبعاد هذه الأزمة ، وأيضا طامحا إلى رؤية جديدة لقضايا الهوية ، ومستشرفا الغد في ضوء حاضر يتفق الجميع على أنه يحتاج إلى مراجعة جادة .

المقال السابقأنت وأن
المقال التالىسأخبر الله بكل شيئ
المؤهلات العلمية : 1 ) دكتوراه في البلاغة والنقد الأدبي ، دار العلوم ، جامعة الفيوم ، 2006 م ، بعنوان: منهج الرواية وبنية الحكاية في كتاب الفرج بعد الشدة للتنوخي ، بتقدير : مرتبة الشرف الأولى . 2 ) ماجستير في النقد الأدبي ، كلية دار العلوم ، ج . القاهرة ، 2000 ، بعنوان: خصائص الأسلوب في صحيح البخ....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد