” متى يكون هناك فن؟ “


 

– جنيسية العمل الفني

من المعروف تاريخيا أن الشيء يعتبر عملا فنيا إذا كان ينتمي جَنيسيا génériquement إلى عالم الفن، فمثلا السمفونية الموسيقية تعتبر قطعة فنية لأنها جنيسيا تنتمي إلى نوع من الموسيقى المؤرخة و”المفهرسة” كمجال فني، نفس الشيء بالنسبة لشريط مصور Bande dessinée، أو لوحة فنية أو عمل سينمائي.

وماذا لوكان الشيء فاقدا ل “جنيسيته”؟

كيف يتمكن شيء من الأشياء العادية أن يصبح أثرا فنيا؟ ما الذي يعطيه قيمته الفنية؟ كيف يتحول شيء ذات فردية ذاتية، مستقل عن الأنساق الجمالية المتعارف عليها، إلى عمل فني؟ تساؤلات هامة اشتغلت عليها الفلسفة التحليلية الديالكتيكية. تساؤلات يمكننا أن نطرحها حينما نكون في مواجهة أشياء عادية، تقترح على المشاهد باعتبارها أعمالا فنية، تستضيفها أروقة العروض الفنية والعديد من المتاحف في العالم العربي، خصوصا إذا كانت الأشياء تلك خالية من أي أثر ليد الفنان وتدخلاته في الإنجاز والتنفيذ، فارغا من أي حمولة ثقافية، تعتمد لتبنيه وقبوله كعمل فني يثير انتباه المتلقي وفضوله، كيفما كان نوع ذلك المتلقي.

حتى إذا اعتمدنا مقولة أن كل شيء عادي يمكنه أن يتحول إلى أثر فني تحت ظروف معينة، كما عبر ذلك الفيلسوف نيلسون غودمان، وأن كل أثر فني يمكن توظيفه كشيء عادي، بإخلائه من حمولته الإستيتية، فلن تجدي نظريات فلسفة الفن المعاصرة في استنباط رمزية ودلالة “العمود الكهربائي”، موضوع دراستنا، للكشف عن أسراره الخفية.

فالشطر الأول من هذه المقولة يحيلنا إلى المقاربة الفلسفية الجمالية التحليلية التي طرحت إشكالية الكيفية التي يعلو بها ويتسامى شيء عادي حتى يصبح أثرا فنيا، وهي مقاربة أنجلو سكسونية اهتمت بقيم الفن المعاصر. وخير مثال “مبولة” الفنان الفرنسي مارسيل دوشان Marcel Duchamp (1887-1967)، التي تحولت من وظيفتها الأولى إلى عمل فني يسكن أروقة المتاحف العالمية. بينما الشطر الثاني من المقولة يعود بنا إلى المقاربة الفلسفية الجمالية الديالكتيكية النقدية التي طرحت التساؤل حول الكيفية التي ينحط بها الأثر الفني لدرجة تحوله إلى شيء عادي، وهي مقاربة أوربية جرمانية الأصل، اهتمت بقيم الفن الحديث، ونجد لها، كما أشرنا إلى ذلك سابقا، مثالا حيا في لوحة من لوحات الفنان الهولندي رامبرانت Rembrandt (1606 – 1669) التي استعملت كسترة لنافذة تقي من الحر والقر. وانطلاقا من هذه المقولة الفلسفية بشطريها، يطفو على السطح التساؤل: متى يكون هناك فن؟ « Quand y a-t-il art ? » (When is art ?)، تساؤل إشكالي طرحته الجمالية التحليلية L’esthétique analytique، في شخص الفيلسوف الأمريكي نيلسون غودمان Nelson Goodman (1906 – 1998).

وسأتناول النظرية الفلسفية التحليلية بحكم أنها هي التي عرفت بتنظيرها للفن الراهن ومنجزاته، عكس النظريات الكلاسيكية التي اهتمت بما هو قار وثابت وغير متحول في الفنون التشكيلية.

إن الأثر الفني يؤول، حسب النظرية التحليلية، انطلاقا من ثلاثة موجهات:

– موجه الدلالة la signification .

ويعتبر الفيلسوف الأمريكي نيلسون غودمان من أبرز الفلاسفة الجماليين المنظرين لموجه الدلالة كعنصر لتحديد ماهية الأثر الفني. فبالنسبة إليه يحدد الأثر الفني بواسطة قدرته على الدلالة، أي إمكانية اتخاذه كعلامة داخل شبكة من العلامات. وقيمة العمل الفني تعتمد على السياق السيميائي المكون من العلائق الدلالية، الذي يتموضع داخله الشيء. في مثال رامبرانت السابق ليست اللوحة بعينها هي العمل الفني في حد ذاته، ولكن ماهيتها تتخذ انطلاقا من استعمالنا لها كعلامة. وهذا الطرح جاء كجواب على تساؤل غودمان الفلسفي: “متى يكون هناك فن؟” الذي عوض التساؤل القديم: “ما هو الفن؟”، التساؤل الذي اعتمدته الجمالية الكلاسيكية لتحديد ماهية الأثر الفني، ذو المؤهلات التشخيصية والتصويرية، أي يشخص الأشياء والطبيعة تشخيصا عيانيا.

– موجه التجربة الجمالية، l’expérience esthétique.

حسب تعريف الفيلسوف الأمريكي مونرو بيردسلي Monroe Beardsly (1915 – 1985) أن الأثر الفني هو الشيء الذي يشكل موضوع تجربة جمالية (إستيتية). وهذه التجربة هي المعيار الذي يحدد ماهية الشيء كي يصبح شيئا فنيا Objet artistique. فالتجربة الجمالية لها معاييرها الخاصة التي تجعلها تختلف عن تجارب أخرى، وبالتالي تجعل الشيء يقبل جماليا.

تتحدد خصوصيات التجربة الجمالية انطلاقا من الشيء نفسه، إذا كان حاملا لبذرة تلك التجربة، كلوحة رامبرانت، التي لم تفقد قيمتها الفنية رغم تغيير وظيفتها. وفي حالة أخرى يكون الشيء فاقدا لما يساعد على ضبط خصوصيات التجربة الجمالية (العمود الكهربائي كمثال)، ومن تم لا يمكن الحديث عن شيء فني Objet d’art، بالنسبة للشيء العادي، حتى أعتبره أثرا فنيا يجب أن يكون له أثر في نفسي حينما أكون أمامه، يجب أن يؤثر في عاطفيا. فمثلا طاولة عادية، رغم أنها شيء عادي أي “أثر متحول” حسب مفهوم إمبرتو إيكو، سيكون لها أثر في نفسي كما يؤثر في أي عمل فني آخر، إن هي تتوفر على معايير جمالية تجعلها تختلف عن تجارب أخرى. فالتجربة الجمالية هي اختبار للحكم على أن شيئا عاديا ينجح جماليا.

موجه التعاقد، la convention .

التعاقد المؤسساتي حسب مفهوم الفيلسوف جورج ديكي Georges Dikies (1926 -…)، هو ما ينبغي على أي عضو في “عالم الفن”، كي يكون قادرا على تقدير عمل فني، معرفته من سبل تقديم نوع الفن الذي ينتمي إليه العمل المعني بالتقدير. ويشكل التعاقد عمق المعرفة اللازمة للتقدير والمتعلقة بما نبحث عنه، أو نشاهده، أو نستمع إليه عن طريق عمل فني. فالمعيار الوحيد الذي يقرر من خلاله ما إذا كان الشيء عملا فنيا أم لا هو المؤسسة الفنية، وخارج دائرة هذا المعيار لا شيء يعتبر فنا، ولا معنى للفن خارج حدوده.

يبقى السؤال يدور حول ما يعنيه جورج ديكي ب “عالم الفن”؟

“عالم الفن” يشمل مجموعة من الأشخاص تتمثل في الفنانين المبدعين والقيمين على المعارض والمتذوقين للفن ونقاد الفن ومؤرخي الفن وفلاسفة الفن والمتاحف والأروقة الخاصة بالفن المعاصر والإعلام المتخصص والوسطاء والمؤسسة الوصية وكل شخص له ميول فنية. فهؤلاء هم من يشكل التعاقد المؤسساتي الذي يقرر مصير شيء ما إذا كان عملا فنيا أم لا، أي إذا كان ذلك الشيء يشكل موضوعا جماليا يمكن تبنيه كأثر فني Œuvre d’art.

لكن يبقى السؤال معلقا حول الكيفية التي يتمكن بها الشيء المرشح “للأهلية الفنية” من إقناع المؤسسة لتعتبره شيئا فنيا وتخرجه من عالمه التقليدي. إنها الحيلة والتحايل. يجب أن يكون الشيء قوي الحيلة والخبث كي ينجح في اختبار لعبة الإقناع ومن تم يفرض ذاته على النقاد والجمهور كشيء ينتمي إلى دائرة الفن، ويحضرنا هنا مثال جيف كونس الذي سردناه في مقالنا (أنسنة الفن المعاصر).

لا تعليقات

اترك رد