اُطْلُبْ الْأَقْصَى … لِوَاذَ المَاءِ بِالْغَرَقِ


 

ها هي ذي جهادُ تقتفي إثم القصيدة، تهزّ إليها ظلال القوافي وحيدة في مجازاتها، ملأى بالإنسان فيها فإذا هي صداك الّذي لم تقله مراياك.

ستّ وأربعون كأسا معبّأة برحيق الكلام تجتهد الشّاعرة في تخيّر عبارته وفي سبكها عناقيدَ للشّاربين، رحيقٍ مزاجُه ألم الذّات والإنسان والوطن وأشواقهم جميعا، رحيقٍ عَطّرَه عبقُ نصوص أنست إليها الشّاعرة وقرّاء العربيّة: رسالة الغفران لأبي العلاء المعرّي، يطير الحمام، ريتا والبندقيّة، إلى أمّي، لماذا تركت الحصان وحيدا … ولآلئ أخرى لمحمود درويش، غريب على الخليج للسيّاب، بيقماليون لتوفيق الحكيم، نحبّ البلاد للصّغيّر أولاد أحمد… وأقوال وكلمات وشخصيّات عبرت سياقها ومراجعها الدّينيّة والتّاريخيّة والأسطوريّة لتغدو رموزا تصل بين ما تباعد من الزّمان وتقع على ما دقّ وخفي من معانٍ جواهرَ وتشرِعُ العبارة في محلّها الضّيّق من النّصّ إلى أوساع الرّؤيا الشّاعرة، وتجعل الحالَ المخصوصةَ والحدثَ الطارئَ أفقَ سؤال وبحث وتطويحَ معنى وتدلال. وحسبنا ذئب وتفّاحة وماء حتّى نأويَ إلى شهرزاد الكلام.

الذّئب في سياق الذّات الحالمة رمزٌ لعقليّة ذكوريّة رسّختها العادات والتّقاليد ترى المرأة واهنة ضعيفة مستطيعة بغيرها ينبغي لها ألّا تبتعد بحثا عن حلمها خوف ذئب يعترض طريقها فهي لا تقوى على حماية ذاتها وحلمها، عقليّة تختزلها شخصيّة الجدّة وحكاية ليلى والذّئب. ولكنّ الشّاعرة تعلن جهادها ضدّ هذه النّظرة إذ تقول:

“لست ليلى /ليس لي في الغاب جدّة/ كي تعاديني الذّئاب

تنهش الماء المراق / في سلالي

تقطف الحلم الّذي قد / نام في حضن التّلال

لن ينالوا من جهادي…

لي من الأحلام عِدّة.

وهذا الذّئب السّاكن حنايا الذّات مشدودةٌ إلى وهم ضعفها وعجزها يسكن الوطن داءٌ ألمَّ وعلى قواه أن تتظاهر لدفعه.

نقرأ في قصيدة ” كلّنا راعي غنم”:

إنّ ذا الذّئب بريء/ من دماك

نشكر الحزن الّذي /ذات بئر قد حواك

ربّما جرح البلاد / ذات دمع / يلتئم”.

ذئب بشريّ يودي بحياة راعي الأغنام يسوسها فهي رعيّته الّتي يرعى…شرّ مكين في الإنسان يدفعه إلى الغدر والإفساد في الأرض؛ حيوانيّة فيه يبرأ منها عالم الحيوان كما برئ الذّئب من دم يوسف. والذّئب فوق هذا تمثيل رمزيّ لراع يسأل الوطنَ أن يرعاه.

التّفاحة حياة تغوي حسّك وعقلك ودونها الآلهة الرّاصدة، والكلام بيتنا نأوي إليه والوجود عراء” و” شهرزاد موت مؤجّل على حافّة القول”.

الماء تفاصيل عُرينا والماء ضياعها وضياعنا، الماء ظمؤنا وشَرَقُنا، الماء سَبْحُنا وغرقنا. ونحن الماء يجري ونحن جراح الطّريق، الماء حياة ينتهكها الموت، وليس ” كـالموت رتق لما خلّفته خطانا من جراح الطّريق”.

” على تخوم الأساطير / نزرع في الهتاف أمسنا…همسنا / ونزيفا للطّريق

خطانا تتوه في المسافات / في ضيق يرهقه الضّيق

ونرسيس بعد يعشق نرسيسا / ويكتب على خاصرة الماء

أسئلة عن الموت / عن الوجوه الحائرة”

ولكن لا مناص من الخطو المُريدِ، ومن الفعل المُشتهَى، ومن مغامرة الخلق والولادة حتّى تكون القيامة قيامة الإنسان فينا.

“حتّى نكتب على اللّوح قصائدنا / ونزّفّ إلى التّوت أحجية ما سقط من الورق

على وقع أغنية للطّين / وماء لاذ بالغرق

سيؤجّل اللّه القيامة”

كذا تجوز بك الصّورُ أكوانا من نصوص تحملها إليك رمزا شفيفا أو حجابا يغريك بهتكه. نصوص من آي القرآن أو من آي البيان ما تفتأ تفصّ قصّتك. وما قصّتك إلّا قصّة الإنسان في وجع الوجود؛ ماءٍ لاذ بالغرق أو وهج لاذ بالحُرَق.

تقرأ المجموعة الشّعريّة” ولاذ الماء بالغرق” للشّاعرة القيروانيّة جهاد المثناني فيلوذ بك الحنين يورق في أعطافك وأنت تقرأ:

” هي القيروان / تسكن الأحلامَ

تكتب على السّور / أسماءنا

ترسم ملامحنا المنحوتة / في زرقة الأبواب / على كفّ غيمة

والصّحو ترسمه الشّفاه /على إيقاع ضحكتهنّ / صبايا يتعثّرن في أنوثتهنّ…”

أو يلوذ بك الوطن يرسمك قوس قزح تحتفل فيك الألوان وتسطع فيك الأضواء وتحتشد فيك الطّاقات فـ” الأسود لا يليق بك”

“قالت ألواني في صوت:/ لا يا سلمى لا ترمينا

ماذا يا سلمى لو نحيا دون اللّون الأسود فينا…

ضحكت سلمى / رسمت وطنا / كلّ الألوان تغنّينا”

وطنٌ من حلم ما يلبث أن يسلمك إلى جرح عربيّ فيك:

” على النّاصية الأخرى من الجراح / وتلك الخطى تنتعلنا وتمضي…

إلى وجع معتّق بالعراق / والعروبة والصّدى”

وبعد فقد جمعت الشّاعرة في مجموعتها بين الشّعر الحرّ المرسل والشّعر العموديّ وكانت في الحُرّ أرحب قولا وأبعد شأوا. ولو أرّخت قصائدها لساعد ذلك على تعرّف السّياق الّذي انتظمها، وعلى رصد تطوّر تجربتها.

وكانت في أكؤسها الستِّ والأربعين مُترعة بذاتها والوطن والإنسان آلاما وآمالا، سكبتها على ورق أخضر زمرّديّ” جنّة مؤجّلة إلى حين شجرة”، أقصاكَ الّذي إن أدركته نجوتَ.

ذي بعض “تقاسيم الماء المندلق على” صفحة الرّوح وقّعتها أستاذة اللّغة العربيّة وآدابها جهاد مثناني تحملني على اليقين من أنّ من تصدّى لتدريس العربيّة فصحب نصّوصا من فنّ وجب أن يكون مبدعا وإنّه لمبدع بيقظة الحسّ وقوّة الشّعور ومضاء الفكر. ولا تخطئ عينٌ لألاءَ هؤلاء الأساتيذ ما شهدتْ ناديهم أو نادي “الصّدى” وقد اجتمعت به منهم علاماتٌ.

لُذ لواذك، أيّها القارئ، واطلب الأقصى؛ لواذ الماء بالغرق.

لا تعليقات

اترك رد