منتظر الزيدي .. البحث عن الحذاء المفقود

 

تواريخ و دلالات :

سأعرج على ثلاثة تواريخ حسب تسلسلها الزمني و أترك للقارئ الكريم الربط بينها إن وجد بينها رابطاً

16 تشرين الثاني نوفمبر 2007 صحفي عراقي مغمور يسكن مدينة الصدر معقل مؤيدي رجل الدين مقتدى الصدر و يعمل مراسلاً لقناة البغدادية ، اختطفه مسلحون لثلاثة أيام ثم أطلق سراحه ولم يعلن عن الجهة المختطفة حتى الآن

27 تشرين الثاني 2008 بعد سنة من هذه العملية تم التوقيع على الإتفاقية الأمنية بين العراق و الولايات المتحدة الأمريكية في بغداد بعد سلسلة انتكاسات أمنية بل و حرب أهلية كادت أن تأتي على الأخضر و اليابس ، قُتل و اختُطف وهُجر و هاجر مئات الألوف و أُحرقت مساجد و منازل وأصبح البلد على كف عفريت ، مجاميع مسلحة انطلقت من مدينة الصدر كات جزء من تلك الفوضى .

14 كانون الأول – ديسمبر 2008 موقعة الحذاء . منتظر الزيدي الذي اختطف في العام الماضي يمطر الرئيس الأمريكي جورج بوش بفردتي حذائه في مؤتمر صحفي قبل مغادرته العراق ، في الأولى قال له هذه قبلة الوداع و في الثانية قال هذه عن ارامل و ايتام العراق الذين تسببت بهم حربه على العراق . قضى منتظر 9 اشهر في السجن لجأ بعدها الى لبنان و اسس منظمة حقوقية انسانية تعنى بشؤون الأيتام و الأرامل . نعرف مصير الإتفاقية الأمنية لكننا لا نعرف بعد مصير فردتي الحذاء ، كل ما نعرفه أن قياسهما 10 حسب تقدير الرئيس بوش و أن شركة صناعة أحذية ادعت أن الحذاء من انتاجها رفعت مبيعاتها إلى الضعف و أن الفردتين معاً وصل سعرهما لعشرة ملايين دولار لكننا لا نعلم إن كانت صفقة البيع قد تمت أو أن الحذاء صودر باعتباره أداة جريمة أو أنه بيع بهذا السعر للمساهمة في تسديد الديون العراقية لصندوق النقد الدولي .

مارت 2018 ، بعد عشر سنوات منتظر الزيدي يضيف تاريخاً رابعاً لهذه القائمة و يقرر خوض الإنتخابات البرلمانية ناسياً أو متناسيا أن العملية السياسية التي ينوي الدخول إليها هي من إفرازات حرب بوش الذي رماه بفردتي حذائه .

واقعة الحذاء قسمت الرأي العام في حينها إلى اتجاهين متعاكسين منهم من قال أنها تعبير عن رفض العراقيين للإحتلال و منهم من شجبها بدعوى أنها تنافي الأخلاق ، من أحرق نصف بلادك الأيمن فأدر له نصف بلادك الأيسر و عامله باحترام . واقعة ترشحه أيضاً قسمت الرأي العام إلى اتجاهين متعاكسين .

لن أخوض في مواقف الفريقين من واقعة الحذاء فقد أُشبعت بحثا منذ عشر سنوات لكني أتساءل عن دوافع منتظر الزيدي من ترشحه للبرلمان . و سواء كنا معه فيما أقدم عليه قبل عشر سنين أم ضده فنحن نعرف الشهرة التي وصل اليها بعد هذه الحادثة ، يكفي ظهور الرجل في أي محفل ليسرق الأضواء من الجميع ، و الشهرة لا الخبرة أصبحت اليوم شيئاً مهماً فمثلما تلاحق الشركات التجارية الممثلين المشهورين لإغرائهم بالظهور في عمل دعائي يجذب المستهلك فإن زعماء الكتل يبحثون عن وجوه تجذب الناخب لقوائمهم أو حتى للترشح بشكل منفرد فنجاح الإنتخابات يصب في مصالحهم أولاً و أخيراً ، صغار المرشحين تذهب أصوات ناخبيهم للكتل الكبيرة لاستحالة اجتيازهم العتبة الانتخابية و من يجتزها منهم فلن يكون الا لقمة سائغة بفم الكتل الكبيرة و لعل استعراضاً سريعاً لما آلت إليه خارطة الترشيح اليوم يكشف لنا عن كم كبير من المرشحين لا علاقة لهم و لادراية بالعمل النيابي و يجهلون حتى واجبات النائب في البرلمان ، أنصاف إعلاميين وإعلاميات ، كوافير مشهورة ، إبنة مطرب مشهور ، مربية كلاب زينة ، الخ .. في محاولة من زعماء الكتل لتطعيم قوائمهم بوجوه مختلفة بعد أن مل الناخب من الصورة التقليدية للناخب – الناهب أفندياً كان ام معمما . فهل سقط منتظر في هذا الفخ أم أنه جاء ( لمحاربة الفساد و ليس لمشاركة المفسدين ) كما قال عند إعلانه الترشيح ؟

لنحمل السيد منتظر على سبعين محملاً كما يقال و نوافق على أنه صادق فيما يقول فهل يمكن لمنتظر أو غير منتظر على فرض نزاهته أن يغير شيئاً ؟ في البرلمان العراقي يمكنك أن تبحث عن كل شيء إلا الإصلاح . ترشحك يا عزيزي يحرق تاريخك الذي تعتز به و يعتز به أنصارك .. لا يمكن جعل مياه المستنقع صالحة للشرب لمجرد أن نضخ اليها مياها معقمة قلت ذلك لكل المرشحين الظانين بالعملية السياسية ظن الخير أما أنت فلديك من الشهرة حول العالم ما يجعل صوتك مسموعا و انت في مكانك بلا مقعد نيابي ، تستطيع أن تصنع أشياء كثيرة من مكانك دون أن تضع قيود الكتل حول يديك و أفاعي الإغراءات حول عنقك ، أنصارك ينتظروك في ساحة التحرير لا في البرلمان أما كرسي البرلمان فلا يضيف لك شيئاً إن حصلت عليه و لا ينفع من وضعوا ثقتهم بك بشيء . التغيير لا يصنعه مرشحون نزيهون على فرض وجودهم حتى لو كتب لهم الفوز لأن أصل المشكلة ليس في البرلمان بل في النظام و في الدستور ، بمجرد فوزك ستقسم قسم الولاء لهذا الدستور و لنظام المحاصصة راغباً أو مرغماً و ستتقاضى رواتب و امتيازات و عمولات هي من حق الأرامل و الأيتام الذين تحدثت عنهم و ستعمل على ترسيخ نظام أصبحت جزء منه فهل هذا هو التغيير الذي تنشده ؟

الكثير من الناس ينظر لقذفك بوش بالحذاء على أنه رد للإهانة التي وجهها لنا و هي سمعة طيبة تستطيع الإحتفاظ بها ما حييت فلماذا تشوهها بالإنضمام لهذا الجوق الفاسد ؟

المهارة في قذف الأحذية مهمة في البرلمان و ستحتاجها بالتأكيد إذا كتب لك الفوز ، لكن قذف الأحذية ليس كل شيء ، إن كنت تظن ذلك فلا زال امامك متسع من الوقت للتراجع . هناك ستجد نائبات و نواب يبحثون تحت الكراسي عن أحذيتهم و عكَلهم التي تقاذفوا بها فإن كنت تبحث عن حذائك هناك فتأكد أنك لن تجده . إنه أرفع من أن يكون في مثل هذا المكان

المقال السابقالحكومات المتعاقبة و الإقليم
المقال التالىالأنثى هي الاصل
عماد عبود عباس كاتب عراقي عضو عامل في نقابة الصحفيين العراقيين 1974 وعضو اتحاد الصحفيين العرب و الاتحاد الدولي للصحافة İFJ اكمل دراسته في جامعة سراييفو في يوغسلافيا السابقة عمل في مجال الاعلام مدير تحرير و مذيعا و منتج برامج، يكتب العمود الصحفي و المقالة في عدد من الصحف و المواقع الالكترونية....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد